الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
الجهة - المكان والمحل - المعية - الفوقية - المباينة الجسم - الجنب - اليدين - النور
حققه د. سليمان الغفيص
فصل وقد ذكر أبو عبد الله الرازي في نهاية العقول له لمثبتي الجهة حججاً أخرى فنذكر هنا أيضاً ما ذكره من الجانبين في الكتابين فقال واحتج مُثبِتو الجهة بأمور أربعة أولها أنا نعلم بالضرورة أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد أن يكونا متباينين ونعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين لا يخلو عن
أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان وإذا ثبت ذلك فنقول التباين بين الباري تعالى وبين العالم لا يمكن أن يكون بالحقيقة أو بالزمان أو بهما فقط لأن الجوهر يباين العرض الحالّ فيه بالحقيقة والزمان
وكذلك العرضان الحالان في محل واحد قد تباينا تباينًا بالحقيقة والزمان مع أنا نعلم بالضرورة أن بين الباري وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر وما حلّ فيه وبين العرضين الحالين في المحل الواحد إذْ لا بد من زيادة تباينٍ على هذين القسمين ولا ثالث يُعقَل إلا التباين بالمكان فوجب أن يكون التباين بين الباري تعالى وبين العالم بالمكان وذلك يقتضي كون الباري تعالى في الجهة ثم قال والجواب عما تمسكوا به أولاًُ أن الحل مباين للحالِّ في الحقيقة والزمان ولكنَّ أحدهما حالٌّ في الآخر والآخر محل له ويشتركان أيضاً في الحدوث والإمكان والحاجة إلى المؤثر وأما الباري تعالى كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له وبينهما مشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة فلما كان
كذلك كان الاختلاف بين الباري وبين العالم أتَمَّ من الاختلاف بين الحال وبين المحل فإذا ادَّعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع قلت وهذه الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم من بعض الوجوه والكلام على هذا من وجوه أحدها أن هذا الذي ذكره من الجواب تقرير لحجة المنازع وتوكيدٌ لها ليس بجواب عنها ومثل هذا يفعله هذا وأمثاله في مواضع قال تعالى أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴿18﴾ [الزخرف 18] قالوا هي المرأة لا تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها وهؤلاء فيهم التخنُّث بمشابهتهم
المشركين الذين قال الله إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً ﴿117﴾ [النساء 117] ما شابهوا به النساء وكذلك أن حجة المنازع مبنيةٌ على مقدمات إحداهن أن الله مباينٌ العالم والثانية أن المباينة ليست إلا بالحقيقة أو الزمان أو المكان والثالثة أن مباينته للعالم أعظم من أن يكون بمجرد الحقيقة أو الزمان وإذا ثبت هذه المقدمات لزم أن يكون مباينًا له بالمكان ويظهر ذلك بنظم ذلك في قياسين أحدهما أن يقال الباري مباين للعالم وكل مباين لغيره فلا بدّ وان يكون مباينًا بالحقيقة أو الزمان أو المكان فينتج أن الباري سبحانه لابد أن يكون مباينًا للعالم بالحقيقة أو الزمان أو المكان ثم يقال ومباينته للعالم ليست بمجرد الحقيقة والزمان وكل مباينة ليست بمجرد الحقيقة والزمان فلا بد أن تكون بالمكان فينتج أنه لا بد من المباينة بالمكان
إذا تبين نظم الدليل فقولهم الباري مباين للعالم لا منازعة فيه وقد ذكروا أن ذلك معلوم بالضرورة في كل موجودين قائمين بأنفسهما ولم ينازعهم في ذلك وقولهم كل مباين لغيره فلابد وأن تكون مباينته بأحد الوجوه الثلاثة قد ذكروا أن ذلك معلوم بالضرورة قالوا ويعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين لا يخلو عن أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان وقد سلَّم لهم ذلك ولم ينازعهم فيه فأثبتوا بذلك أن الباري لابد أن يكون مباينًا للعالم بالحقيقة أو الزمان أو المكان وأما القياس الثاني قولهم مباينته ليست بمجرد الحقيقة والزمان وأثبتوا ذلك بأن قالوا المباينة بالحقيقة وبالزمان تكون بين الحال والمحل وبين الحالين في المحل مع أَنَّا نعلم بالضرورة أن بين الباري وبين العالم من التباين ما ليس بين المحل والحالٍِّ فيه وبين الحالِّين في المحل والمحل هو الجوهر والحال فيه هو العرض وإذا كان التباين الذي بينه وبين العالم زائدًا على تباين هذين وهذان متباينان بالحقيقة
وبالزمان لم يكن التباين بينه وبين العالم بمجرد الحقيقة والزمان فإنه إذا كانت مباينته للعالم أعظم من مباينة المباين لغيره بالحقيقة والزمان لم تكن من جنسها وهذا بيِّنٌ فإنه إذا كانت حقيقته المباينة بمجرد الحقيقة والزمان لم يمتنع أن يكون أحدهما حالاًّ في الآخر أو يكونا جميعًا حالين في محل واحد وهذا قد تقوله الحلولية من الجهمية فإن القائل إذا قال الباري مباين للعالم وهو مع هذا حالٌّ فيه أو مَحَلٌّ له ومباينته له أنه قبله وبأن حقيقته تخالف حقيقته كما يباين الجوهر ُ العرضَ والعرضُ الجوهرَ ولم تكن المباينة بالحقيقة والزمان مانعة من هذه المحايثة فإذا كانت المحايثة منتفية لم يكن بدٌّ
من إثبات مباينة تنفي هذه المحايثة والمباينة بالحقيقة والزمان لا تنفي المحايثة ولهذا لما زعم الجهمية أنه ليس مباينًا بالمكان اضطربوا بعد ذلك فقال جمهور علمائهم لا هو محايث للعالم ولا هو خارج عنه
وقال كثير من عامتهم وعبادهم وعلمائهم بل هو محايث فإنه إذا ارتفعت المباينة بالمكان لم تَبقَ إلا المحايثة ولا ريب أن قول هؤلاء أقرب إلى المعقول لكنه أقرب إلى العقل ابتداءً حيث جعلوه موجودًا محايثًا للعالم لكنه أعظم تناقضًا وجهلاً من وجه آخر فإن مانفَوا أن يكون على العرش هو أعظم نفيًا لكونه محايثًا للعالم ولأن في كونه في نفس المخلوقات من الكفر والضلال ما فيه شناعة تزيد على النفي المطلق الذي لا يفهم بحال وأيضًا فالأدلة الدالة على أنه فوق العالم وأنه مباين للعالم تمنع المحايثة أيضًا والمقصود هنا أنهم إذا لم يثبتوا إلا المباينة بالحقيقة أو بالزمان لم يكن العلم بهذه المباينة مانعًا من جواز المحايثة عليه لأن العرض والجوهر بينهما تباينٌ بالحقيقة وبالزمان مع
تحايثهما وهذا قد اتفقوا على نفيه وقد ذكروا أنهم يعلمون بالاضطرار أن بين الباري تعالى وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر والعرض الحالِّ فيه وهذا بيِّنٌ إذْ لولا زيادة التباين لجاز أن يكون العالم كالعرض في الخالق والخالق جواهر قائمة بنفسها أو يكون الخالق كالعرض القائم بالجوهر ومعلوم أن هذا أشدُّ استحالة باتفاق العقلاء فإن الباري قائم بنفسه وهو المقيم لكل قائم فضلاً عن أن يكون كالعرض في الجوهر والعالم جواهر قائمة بأنفسها فثبت بذلك أن مباينتهُ للعالم ليست بمجرد الحقيقة والزمان وإذا ثبت ذلك فالمقدِّمَة الثانية وهو أن المتباينين اللذين ليس تباينهما بمجرد الحقيقة والزمان فلابد أن يكونا متباينين بالمكان وقد تقدمت وتقدم ما ذكر وسُلِّم فيها من العلم الضروري إذا تبين ما ذكره من حجتهم فقلُه في الجواب إن المحل مباين للحالّ في الحقيقة والزمان ولكن أحدهما حال في الآخر والآخر محل له ويشتركان أيضًا في الحدوث والإمكان والحاجة إلى المؤثر كلامٌ صحيح لكن مضمونهما أنهما مع التباين بالحقيقة والزمان متحايثان مشتركان في الحَيِّز وفي أمورٍ
أخرى وهي الحدوث والإمكان والحاجة إلى المؤثر وهذا الكلام أنهما مع هذا التباين متحايثان مشتركان ومجتمعان في أمور أخرى فتكون المباينة بينهما دون المباينة بين العالم والباري وهكذا قال القوم إنا نعلم بالضرورة أن بين الباري سبحانه وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر الذي هو المحل وبين ما حلّ فيه فما ذكره تقرير لذلك وقوله وأما الباري كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة قلما كان كذلك كان الاختلاف بين الباري تعالى وبين العالم أَتَمَّ من الاختلاف بين الحالّ والمحل فيقال له هذا توكيد لما قالوه لأنهم ذكروا أن مباينة الباري تعالى أتَمُّ فإنه غير محايث إذْ ليس هو حالاًّ في العالم ولا محلاًّ له بخلاف الجوهر والعرض وأما عدم المشاركة في الحدوث فيعود إلى المباينة بالزمان فإن القديم قبل المحدث وإلى المباينة بالحقيقة فإن حقيقة القديم مخالفة لحقيقة المحدث وأما عدم المشاركة
في الإمكان والحاجة إلى المؤثر فيعود إلى المباينة بالحقيقة فإن الواجبَ بنفسه الغني عن غيره حقيقتهُ مخالفةٌ لحقيقة الممكن في نفسه المفتقر إلى غيره فهذا الذي ذكرهُ مضمونُه أن مباينة الباري أتَمُّ من مباينة الجوهر للعرض لأنه مع المخالفة بالحقيقة وبالزمان غير محايث وهكذا قال القوم إن مباينة العالم أزيد من مباينة الجوهر للعرض فهذا الكلام تقرير لمقدمة من مقدمات دليلهم وقوله بعد ذلك فإذا ادَّعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع يقال أولاً ليس هذا جوابًا للقوم فإنك لم تمنعهم شيئًا من مقدمات دليلهم ولا عارضتهم ولكن ذكرت كلامًا أجنبيًّا وذكرت أنهم ينازعونك في المباينة بالمكان ولا ريب أنهم ينازعونك في ذلك لكن قد أقاموا حجة ولم تمنع شيئًا من مقدماتها ولكن حكيت مذهبك وحكاية المذهب ليست جوابًا لمن احتج على بطلانه ثم يقال لم يدَّعُوا ثبوت التباين من غير هذه الوجوه لكن قالوا هذا التباين الذي ثبت بعدم المحايثة وهو أحد الوجوه يستلزم أن يكون بالمكان أو قالوا إن التباين الثابت بهذه
الوجوه لا يجوز أن يكون بمجرد الحقيقة أو الزمان فتعيَّن أن يكون بالمكان إذْ لم يبق فسمٌ ثالث وأيضًا فلا ريب أن التباين حاصل بغير هذه الوجوه فإنه قد قرر في هذا الموضع ما هو القول الحق وهو أن حقيقة الله غير معلومة للبشر وأنه مخالف لخلقه بحقيقته الخاصة وليست هي ما علمه الناس قِدَمَهُ ووجُوبَهُ وغناهُ فهو أيضًا مباين للعالم بحقيقته الخاصة الخارجة عما ذكره والتحقيق أنه مباين للعالم بأمور كثيرةٍ لا يحصيها العباد غير ما ذكره ولا ينظر إلى من ينازع من أهل العلم في أخص
وصف الله الذي به يُمَيَّز هل هو القدرة على الخلق أو هو الاستغناء أو القدم أو أنه ذاته المخصوصة بل كل ما ثبت للرب تعالى من الأسماء والصفات يختص به مثل إنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه أرحم الراحمين وأنه خير الناصرين وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون وكل هذه الأمور وغيرها من أخص وصفه ليست له صفة يماثله غيره فيها بوجهٍ من الوجوه بل كل صفة لهُ فإنها تختص به وتوجب امتيازه بها عن خلقه ولكن ليس هذا موضعَ ذكر ذلك فإن مباينة الله لخلقه بالحقيقة مما
لا نزاع فيه وكذلك تقدمه على خلقه وإنما المقصود أنه مباينٌ مباينة زائدة على المباينة بالحقيقة وعلى المباينة بالزمان والمخالفة بينه وبين الخلق أتَمُّ من الاختلاف بين الحالِّ وبين المحل وهو قرّر ذلك مع أن هذين يتباينان بالحقيقة كما تقدم وإذا كانوا القوم بينوا إنما ذكره من التباين يستلزم التباين بالمكان والزمان لأن هذه يشاركه فيها المحلٍ والحالّ فيه وهذه المباينة لا تمنع أن يكون أحدهما حالاًّ في الآخر فلابد من المباينة بشيء غير ذلك وليس غير ذلك إلا المباينة بالمكان وبالزمان فإذا كانت المباينة بينه وبين خلقه ليست مجرد الحقيقة والزمان وكان قد قرر هذا التباين كان ما ذكره توكيدًا لحجتهم والوجه الثاني أن قوله وأن الباري كما خالف العالم
في الحقيقة وفي الزمان وليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له ولا بينهما مشاركة في الإمكان والحدوث والحاجة فيقال له قولك ليس بحالّ ولا محل سلبٌ محضٌ والأمور السلبية لا تتباين بها الحقائق ولا تختلف ولا تتماثل إلاَّ أن تكون مستلزمة لأمور وجودية لأن المتماثلين ما قام بأحدهما من الأمور الوجودية مثل ما قام بالآخر والخلافين اختص أحدهما بأمور وجودية خالف بها الآخر إذْ عُدِمَ ما به التماثل والاختلافُ مستلزمٌ لعدم التماثل والاختلاف فعدم كونه حالاًّ أو محلاًّ لمْ يستلزم أمرًا وجوديًّا تحصل به مخالفة وقد علم أنه لا يستلزم الاختلاف في الحقيقة وفي الزمان لأن المتماثلين في الحقيقة والزمان قد لا يكون أحدهما حالاًّ في الآخر ولا محلاًّ له كالجسمين المتماثلين
وأيضًا فهو قد ذكر أن هذا من المباينة الزائدة على المباينة بالحقيقة والزمان والأمر كذلك وإذا كان كذلك وعدم كونه حالًّ أو محلاًّ هو عدم المحايثة والمباينة فعدم المحايثة مع المباينة بالحقيقة والزمان إذا كان مستلزمًا لأمر وجودي لم يكن إلا المباينة بالجهة وهذا يتقرر بوجهين أحدهما أنه لم تبق مباينة وجودية بعد المباينة بالحقيقة والزمان إلا المباينة بالمكان كما تقدم والثاني أن عدم المحايثة يستلزم المباينة إذْ لا يعقل إلا متحايثان أو متباينان كما تقدم قبل هذا الوجه الثالث قوله فإذا ادّعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع يقال له هم قالوا التباين بالوجوه الزائدة على الحقيقة والزمان لا تكون إلا بالمكان وقد قرَّروا ذلك لم يقولوا بالتباين من غير هذه الوجوه حتى يقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان بل قولهم إنّ هذا التباين الذي سلّمهُ هو زائد على الحقيقة والزمان وهو مستلزم التباين بالمكان وإذا لم يكن
لهم حاجة إلى ثبوت التباين من غير هذه الوجوه التي سلمها تبيَّن أن هذا الجواب فاسد الوجه الرابع أن يقال التباين بين الله سبحانه وتعالى وبين العالم هو بأكثر مما ذكرتَه فإنه مباين للعالم بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وبأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وغير ذلك من الصفات ومباين للعالم بقرته وعظمته وعلوه وكبريائه وهذه الأمور ليست مباينة بالزمان فإما أنْ يقول هي من التباين بالحقيقة أو لا يقول فإن قال هي من التباين بالحقيقة فيبطل ما ذكره من كون تلك المباينات زائدة على التباين بالحقيقة وإن لم يقل هي من التباين بالحقيقة فقد ثبت تباين زائد على ما ذكره فأحد الأمرين لازم إما زيادة التباين على ما ذكره أو انحصار ما ذكره غير المحايثة في الحقيقة والزمان وقد علم أن التباين يبن الباري والعالم أزيد من التباين بالحقيقة والمحل وزعم أنها بهذه الأمور دون غيرها وقد تبين أن هذه الأمور هي كغيرها فلا يكون ما ذكره من الجواب عن الجواب عن تلك الحجة صحيحًا
والوجه الخامس أن قوله وأما الباري تعالى كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالاًّ فيه لا محلاًّ له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة فلما كان كذلك كان الاختلاف بين الباري وبين العالم أتم من الاختلاف بين الحالّ وبين المحل يقال له أما عدم المشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة فمرجعُها إلى ثبوت الوجوب وإلى القدم وذلك لا يخرج عن المخالفة بالحقيقة أو الزمان كما تقدم وأما كونه ليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له فيقال له إن أردت بهذا أنه مباين عنه بالجهة والمكان فهو المطلوب وإن أردت بذلك أنه ليس حالاًّ ولا محلاًّ ولا مباينًا بالجهة فهذا غير معقول ولا متصوَّر فإما أن يقول إنه معقول والمنازع مكابر فهم يحلفون بالأيمان المغلظة أن هذا غير معقول لهم وهم أمم عظيمة وفيهم من الصدق والديانة ما يمنع إقدامهم على الكذب ولقد خاطبتُ بهذا طوائف مع ذكائِهم وصحة فطرتهم فلم يكن فيهم من يتصور ذلك أو يعقله وإن ادّعيت أنه معقول لطائفة دون طائفة فهذا لا يستقيم عندك لاشتراك الناس في المعقولات وإن قيل إن ذلك لاختصاص بعضهم زيادة ذكاء أو فطنة
فمعلوم أَنَّ هذا لا يختص به أهل هذا القول دون ذاك بل الاستقراء يدل على أن المنازعين له أكملُ عقولاً وأَحَدُّ أذهانًا وأوضحُ إدراكًا وأقَلُّ تناقضًا وأقل ما يمكن أن تقابل دعواه بمثلها الوجه السادس أن يقال هَبْ أن هذا معقول وأنه ممكن إمكانًا ذهنيًّا فما الدليل على أنه ليس بحالّ في محل ولا محايثًا للعالم إذا قلت إنه ليس بخارج العالم فإن المنازع لك يقول نفيُ كونهِ محايثًا للعالم إنما علم بأنه مباين للعالم بالجهة فإذا قُدِّر أنه غير مباين للعالم إلا بالحقيقة والزمان دون الجهة فهذا القدر لا يمنع أن يكون حالاًّ في العالم أو محلاًّ له كالجوهر مع عرضه فإن تباينهما بالحقيقة والزمان لا يمنع ذلك من تحايثهما فلابد لك من دليل يبين عدم محايثة العالم إذا ثبت مباينته بالجهة وأنت لم تذكر على ذلك حجة حتى يتم ما ذكرته
من المباينة فإن قلت المنازع يُسَلِّم لي ذلك فهو إنما يُسَلِّم عدم المحايثة التي هي المباينة بالجهة فأَمَّا نفي المحايثة من غير مباينة بالجهة فهذا عند المنازع غير معقول ولا هو حقًّا عنده فهو لا يُسَلِّمُ لك عدم المحايثة على هذا التقدير ولم تذكر عليها حجة فلا يكون ما ذكرتَه من المباينة ثابتًا بحجة ولا تسليم فلا يصح في النظر ولا المناظرة الوجه السابع أن يقال هذا الموضع من أصعب المواضع على الجهمية فإنهم لما نَفَوا مباينته للعالم بالجهة ذهبَ بعضهم إلى عدم محايثته أيضًا كما ذكره هذا وهو المشهور من قول
متكلميهم وذهب بعضهم إلى محايثته للعالم وأنه بكل مكان وهو قول كثير من عبادهم وبعض متكلميهم فتعارض كل طائفة بقول الأخرى فإن قال مثبتو المحايثة للعالم لا أَعقلُ موجودًا لا داخل العالم أو خارجه وليس بخارجه فيكون داخله وهذا معنى حجة طائفة من الجهمية الاتحادية ونحوهم يقال له إذا لم تعقل موجودًا إلا كذلك دلَّ على أنه إمّا خارج العالم وإمّا داخله لا يتعين أن يكون داخله وكونه ليس بخارج العالم إنما ثبت بهذه الحجة ونحوها فإذا كنت طاعنًا فيها كطعن أهل الإثبات بطل أصل قولك ولم يكن لك بعد هذا أن تنفي كونه خارج العالم وأمّا نافي المحايثة للعالم مثل الرازي ونحوه فقد احتجوا على كونه ليس بحالٍّ في محل بما ذكره الرازي في نهايته فقال المسألة الثالثة في أنه لا يمكن أن يكون حالا في محل ولنا فيه مسالك ثلاثة الأول لو حل في محل لكان إما أن يحلّ في أكثر من حيز واحد أو يحل في حيز
واحد وساق الحجة مختصرة ومضمونها أن الأول يستلزم أن يكون منقسمًا أو يكون الواحد في حيزين والثاني يستلزم أن يكون بقدر الجوهر الفرد وقد تقدم الكلام على هذه الحجة بعينها في نفي التحيز المسلك الثاني لوحَلَّ في جسم فإمّا أن يقال إنّهُ أبدًا كان حالاًّ فيه فيلزم إمَّا قِدَمَ المحل أو حدوثه تعالى وهما باطلان أو يقال حلَّ بعد أن لم يكن حالاًّ فيه وحينئذٍ إما أن يكون واجبًا فذاك الوجوب وإما أن
يكون للمحل أو للحال أو الثالث والأول باطل لأن الأجسام متساوية في الماهية وجميع اللوازم على ما مرَّ فلو اقتضى شيء منها حلولِ الله فيه لاقتضى الآخر مثل ذلك فيلزم أن يحل الباري في كلها فيلزم إمّا انقسام ذاته أو حلول الواحد في أكثر من محل وأنهما محلان والثاني باطل أيضًا لأن اقتضاءِهُ للحلول إنْ لم يكن بشرط حدوث المحل كان حالاًّ في المحل قبل حدوث المحل وهذا محال وإن كان بشرط حدوثه فعند حدوث الجواهر الكثيرة لم يكن بأن يحل في واحدٍ منها أولى بأن يحل في غيره فيعاد المحال المذكور والثالث أيضًا باطل لأن ذلك الثالث إن كان
لازمًا للحالّ أو المحل عادت المحالات وإن لم يكن لازمًا لها فهو إمّا موجب وإمّا مختار والموجب لابد وأن يكون لا جسمًا ولا جسمانيًّا وإلاَّ فليس اختصاصه بهذا الاقتضاء أولى من الاختصاص بسائر الأجسام بل يكون الجسم الذي
هو محل أولى بذلك ويعود المحال وإن لم يكن ذلك الموجب جسمًا ولا جسمانيًّا فليس بأن يقتضي حلول الله في بعض الجواهر أولى من أن يقتضي حلوله في غيره فيلزم أن يحل في كل الجواهر فيعود المحال وأما إن كان مختارًا فذلك المختار لابد وأن يفعل فعلاً وإلاّ لما افترق الحالُّ بين ما قبل الحلول وبين ما بعده وذلك الفعل لابد وأن يكون هو الحلول أو ما يقتضي الحلول لكن حلول الشيء في غيره ليس أمرًا وجوديًّا حتى يصح أن يجعل أثرًا للفاعل أو موجبًا لأن حلول الشيء في الشيء لو كان صفة موجودة لكانت تلك الصفة أيضًا حالة في الشيء الذي صار حالاًّ فيه فيكون حلول الحلول زائدًا عليه ولزم التسلسل
فثبت أن القول بحلول الله في غيره يفضي إلى أقسام عدة فيكون القول به فاسدًا فليس في النسخة ذكر القسم الآخر وهو أن يكون جائزًا فلا أدري هل سقط من النسخة أم من التصنيف ولكنما ذكره يدل على نظيره وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام وقد تقدم بيان فساده من وجوه كثيرة ومبنية على امتناع ما سماه انقسامًا وقد تقدم أيضًا بيان فساده وقوله عند حدوث الجواهر الكبيرة لم يكن بأن يحلَّ في واحدٍ منها أولى من أن يحل في غيره فهذا مبني على تماثل الأجسام وقد تقدم وبتقدير تماثلها فهو مبني على أن الرَّبَّ لا يخصّ أحد المثلين بشيء لمجرد مشيئته وهذا خلاف أصله وأيضًا فإن تخصيص بعض الأجسام ببعض الصفات أمر موجود فإن كان هذا قبل عدم تماثلها وإن كان
التخصيص بعد التماثل فقد ثبت جواز تخصيص أحد المثلين بما يحل فيه وعلى التقديرين يبطل ما ذكره من القسم الثاني وكذلك ما ذكره في القسم الثالث من أنه ليس اقتضاء المقتضي الثالث للحلول في بعض بأولى من الحلول في بعض يَرِدُ عليه هذه الوجوه الثلاثة وما ذكره من التخصيص باختيار المختار من أن المختار لابد وأنْ يفعل فعلاً والحلول ليس بأمر وجودي فهو أبطل من غيره فإن هذا لو صح لم يمتنع عليه في الحلول في غيره فإنه لا يمتنع عليه أن يكون بينه وبين المخلوقات تعلقات غير وجودية وأيضًا لو صح ذلك لكان التحيُّز والعلو على العرش
ونحو ذلك أمورًا عدمية وبطل نفي ذلك عنه لأن وصفه بالسلوب متفق عليه بين العالمين وأيضًا فلو كان كذلك أمرًا عدميًّا لكان نقيضه وجوديًّا لم يصح أن يكون صفة للمعدوم ومن المعلوم أن المعدوم يوصف بأنه ليس حالاًّ في غيره وليس غيره حالاًّ فيه وذلك يمنع أن يكون سبب الحلول وجوديًّا ويقتضي أن الحلول وجودي وأما قوله لو كان وجوديًّا لكانت الصفة حالة في الشيء ولكان للحلول حلول وهو يقتضي التسلسل فيقال الأول هو حلول الشيء القائم بنفسه بغيره والثاني حلول الصفة بالموصوف فهذا من باب حلول الأجسام في محالها وهذا من باب حلول الأعراض في الأجسام وأحد النوعين مخالف للآخر وذلك لا يقتضي أن يكون لحلول الصفة بالموصوف حلول فيها لأن العرض لا يقوم بالعرض
ثم قال المسلك الثالث وهو أنه تعالى إن كان محتاجًا إلى ذلك المحل كان ممكنًا لذاته ولكان ذلك المحل غنيًّا عنه فكان واجبًا لذاته أو لشيء آخر غيره فيلزم وجود موجودين واجبي الوجود وهو محال وإن لم يكن محتاجًا إلى ذلك المحل كان غنيّاً عنه والغنى بذاته عن المحل يستحيل أن يعرض له
ما يحوجهُ إلى المحل لأن العَرَضيات لا تزيل الصفات الذاتية قال وفي هذا المسلك مباحث وهو أعم من المسلكين السالفين لأنهما ينفيان حلول الله في الجسم وهذا المسلك ينفي حلوله في المحل سواء كان ذلك المحل جسمًا أو غير جسم قلت وهذا المسلك إن دلَّ فإنما يدل على أنه لا يحل في محل على طريق الحاجة إليه وأما الحلول على غير طريق الحاجة فلا ينفيه هذا المسلك فكيف وليس بمستقيم فإنَّ قوله ولكان ذلك المحل غنيًّا عنه ليس بلازم إذ الممكن لن يكون وجودهُ مستلزمًا لمحل يكون ذلك المحل محتاجًا إليه وواجبًا به لا بنفسه فلا يكون فيما يسميه حاجة إلى ذلك المحل ما ينافي وجوبه بنفسه لأن الحاجة هنا معناها الملازمة كما يقوله في صفاته اللازمة وأيضًا فهو قد قدح في الحجة المانعة من وجود واجبين وقد تقدم الكلام على هذا مبسوطًا وأن لهذا الكلام
ثلاثة أوجه أحدها أن يكون ذلك المحل داخلاً في صفات الرب كما تقدم بيان ذلك في لفظ الحيّز إذ أريد به نهاية المتحيز لكن قد يقال لفظ المحل أخص من الحيز والنزاع في كونه في المحل لا يعني به هذا الثاني أنه يراد بالمحل ما أراده هو بالحيّز المنفصل عنه وقد زعم هو في موضع أنه وجودي والتحقيق أنه عدمي الوجه الثالث أنه لو قدّر أنه وجودي فالمقصود هنا أنَّ استلزام ذاته لذلك المحل لا ينافي وجوبه لذاته ولا يقتضي أنه ممكن مفتقِر إليه فإن المتفلسفة القائلين بان ذاته تستلزمُ لوجودِ العالم يعلمون أن ذلك لا ينافي وجوب وجوده بنفسه فهذا أولى وإن كان انتفاءُ هذا المحل معلومًا بأدلة أخرى عقلية أو سمعية لكن المقصود بيان أنما ذكره ليس بدليل وإذا تبين أنهم ليس لهم حجة صحيحة تنفي حلوله في المحل إذا قالوا ليس مباينًا للعالم بالجهة كان قولهم حينئذٍ ليس هو حالًّ في العالم ولا العالم محلاًّ له إذا لم يقولوا بكونه مباينًا للعالم قولاً بلا علم ولا حجة فلا يكون مقبولاً
وكذلك يقتضي أنهم لا يثبتون له من المباينة قدرًا زائدًا على المباينة بالحقيقة والزمان وأن كل من قال أنه ليس بخارج العالم لم يثبت مباينة زائدة على المباينة التي يشاركها فيها المحل والحالّ فيه وهذا معلوم الفساد بالضرورة كما تقدم الوجه الثامن أن إخوانهم الجهمية الموافقين لهم على نفي كونه خارج العالم إذا قالوا لهم هو في كل مكان وحالٌّ فيه كل مكان لم يمكنهم نفي ذلك عنه بهذه الحجج كما تقدم وأولئك إذا قالوا هو في كل مكان لم يمكنهم الاحتجاج على ذلك بما نَفَى كونه خارج العالم وكان قول طائفة من الطائفتين مانعًا من صحة قول الآخرين وذلك يقتضي بطلان قول الطائفتين وبطلانهما جميعًا يوجب أن يكون خَارجَ العالم وإيضاح ذلك أن من يقول هو في كل مكان يجعله مقدرًا محدودًا قدر العالم فجميع ما يحتج به على نفي كونه فوق العرش ينفي أن يكون بكل مكان بطريق الأولى والأحرى لأن في هذا القول من وصفه بالصفات الممتنعة عليه وتجويز النقائص عليه وقبوله للزيادة والنقصان وغير ذلك ما ليس في كونه خارج العالم ومن قال إنه ليس داخل العالم ولا خارجه إما أن يثبت مباينتهُ للعالم بقدرٍ زائدٍ على المباينة بالحقيقة
والزمان أو لا يثبته فإن أثبت المباينة الزائدة وَجَبَ أن يكون مباينًا للمكان وإن لم يثبتها لم يمكنه نفي حلوله في العالم مع مباينته بالحقيقة والزمان إذ لا يكون له حجة على نفي حلوله في العالم كما تقدم وهذا باطل ومَا استلزمَ الباطل فهو باطل وإن قال هو داخل العالم وهو خارجه أيضًا كما يقوله بعض الناس فإنه يَرِدُ عليه كل ما يُورَدُ على من قال هو خارج العالم سواء قال هو جسمٌ مع ذلك أو ليس بجسمٍ فقد تبين أن من قال إن الله ليس خارج العالم يلزمه أن لا يكون الله مباينًا للعالم منفصلاً عنه وهذا اطل عند المنازع ونحوه ومن التزمهُ وقال بالحلول كان ما يلزمه من الفساد والتناقص أكثر ممَّا يلزمه خصمه فيكون قول من أبطل الباطل وإبطال قول هؤلاء زيادة زدناها إذ هو لم يتعرض لذلك هنا وإنما أفرد له مسألة ولهذا كان الأئمة كابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق
ابن إبراهيم وغيرهم يقولون إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ويقولون بحدٍّ لأن نفي المباينة لخلقه يستلزم حلولَهُ فيهم واتحادَهُ بهم
وأما نفي المباينة ونفي المحايثة فإنه جمع بين النقيضين من جنس كلام الملاحدة الذين يقولون ليس بعالم ولا جاهل ولا فادر ولا عاجز إذ كلام هؤلاء النفاة كله من وادٍ واحدٍ هو الإلحاد في أسماء الله وآياته بالقرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه وبالسفسطة في العقليات بدعوى عدم النقيضين أو
دعوى اجتماعهما لكن فيهم من يلحد في أمور يقر الآخر بإثباتها وإلا فَيَنْفي علوه على العرش فقول القائل ليس داخل العالم ولا خارجه هو مثل نفي علمه وقدرته بقول القائل لا عالم ولا جاهل ولا عاجز كل هذا من بابٍ واحدٍ ومن لم يثبت أنه عالم قادر لزمه أن يكون جاهلاً عاجزًا كما أن من لم يثبت أنه فوق العالم لزمه أن يكون حالاًّ في العالم وكونه حالاًّ في العالم هو من صفات النقص كوصفه بعدم العلم والقدرة الوجه التاسع أن الجهمية بعد اشتراكهم في أن الله ليس فوق العرش وأنه ليس خارج العالم اختلفوا فقالوا مايمكن أن يخطر بالبال من الأقوال والممكن أن يقال إمّا أن يكون في كل مكان أو هو جسمٌ بقدر العالم أو هو جسم فاضل عن العالم متناهٍ أو هو في كل مكان وليس بجسم أو يقال إنه في كل مكان بذاته وهو مع ذلك فوق العرش وليس بجسم أو يقال ليس لمساحته نهاية ولا غاية وهو ذاهب في الجهات الست وليس بجسم أو يقال هو مع ذلك جسمٌ أو يقال ليس داخل العالم ولا خارجه وهذه الأقوال قد ذكرها أرباب المقالات كما تقدم ذلك
وإذا كان كذلك فهؤلاء الذين يقولون هو في كل مكان بذاته وليس مع ذلك خارج العالم أو هو مع ذلك خارج العالم ببعدٍ متناهٍ أو أنه لا نهاية له سواء قالوا هو جسم أو قالوا ليس بجسم أو قالوا ليس داخل العالم ولا خارجه فهذه الأقوال السبعة يقابل بعضها بعضًا كما تراه وهم كما قال الإمام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب وهم مع ذلك لابد أن يقولوا هو مخالف للعالم في حقيقته ليست حقيقته مثل حقيقة العالم كما تقدم وأنه متقدم عليه أيضًا فهم يثبتون المباينة بالحقيقة والزمان وأما المباينة بالجهة فلا يثبتها أحدٌ منهم لكن منهم
من ينفي المحايثة ومنهم من لا ينفيها بل يثبت المحايثة للعالم فمَن نفى المحايثة للعالم لزمه أن يثبت المباينة بالجهة وإلاّ جَمَعَ بين النقيضين ولم يمكن أن ينفي المحايثة مع نفي المباينة بالجهة كما تقدم ومن أثبت المحايثة لم يجعله مباينًا للعالم بالجهة بل غايته أن يجعل مباينته للعالم بالحقيقة والزمان وهذه المباينة تَثْبُتُ للجوهر مع عرضه ونحن نعلم بالاضطرار أن مباينة الله للمخلوق أعظم من مباينة المخلوق بعضه لبعض ومن مباينة الجوهر للعرض فكل من هؤلاء لابد أن يجحد الضرورة العقلية الوجه العاشر أن هؤلاء جميعًا فَرُّوا بزعمهم من التشبيه ومن المعلوم أن هذا فيه من تشبيههم إيّاه بكل شيء من الجواهر والأجسام بل ومن المعدومات ما ليس في قول أهل الفطرة والشرعة فإن نفي المباينة والمحايثة صفة للمعدوم والقول بالمحايثة تمثيل له بكل جوهر فإن أحدهما محايث للآخر مع مباينته له الحقيقة والزمان على أن فيهم من يجعل الأشياء حالّة فيه ومنهم من يجعله حالاًّ فيها فيكون هؤلاء مثَّلوه بالجواهر وهؤلاء مثلوه بالأعراض