بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 83-122
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الثامن

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

وليس هو مما أخرجه الشيخان كما ادعاه وإنما هو من أفراد مسلم خرَّجه عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات قال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه نور في رواية النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وذكر ابن خزيمة رواية أبي معاوية عن

الأعمش عن عمرو بهذا اللفظ قال حجابه نور ورواه من طريق الثوري عن عمرو قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات وقال حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره

وكذلك رواه المسعودي عن عمرو بمثله وزاد فيه ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) [النمل 8] ورواه من طريق جرير عن الأعمش وذكر أنه مثل رواية الثوري ورواه عثمان بن سعيد من طريق جرير عن الأعمش ولفظه قام فينا رسول

الله صلى الله عليه وسلم بأربع وقال حجابه النور ولو كشفها ورواه أيضا من طريق الثوري عن حكيم بن الديلم عن أبي بردة عن أبي موسى مثل لفظ الثوري عن عمرو بن مرة

وفي الصحيحين عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه وفي رواية ما بين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه رواه

ابن خزيمة وفي صحيح مسلم هن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً لم ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيّض وجوهنا ويثّقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب عن وجهه فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة وقد رواه حماد بن زيد وسليمان بن

المغيرة ومعمر عن ثابت لكن رواية حماد بن سلمة أتم إسناداً ومتناً وذلك معروف في أحاديثه عن ثابت البناني لأنه كان بينهما من الصلة ما لم يكن بينه وبين غيره وكان ثابت يقول ولا أن يصنعوا بي كما صنعوا بأبي سعيد يعني الحسن البصري لحدثتهم أحاديث موثقة فلهذا كان يختصر لبعض

الناس ويختصر عنه حماد بن سلمة أشياء لاختصاصه به ورواه ابن خزيمة وغيره عن حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] أعطوا فيها ما شاءوا وما سألوا قال يقال إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى قال وتلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] الجنة وزيادة النظر إلى ربهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم

ولفظ سليمان عن ثابت عن ابن أبي ليلى أنه سئل عن قول الله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قال إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة أعطوا فيها من النعيم والكرامة ينادون يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة قال فيكشف الحجاب فيتجلى لهم تبارك وتعالى فما ظنك بهم حيث ثقلت موازينهم وحين طارت صحفهم في أيمانهم وحين جازوا جسرهم فقطعوه وحين دخلوا الجنة فأعطوا فيها من النعيم والكرامة قال فكأن هذا لم يكن شيئاً فيما أعطوه ورواية معمر عن ثابت عن ابن أبي ليلى قال الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم

وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمرو بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى عليه السلام قال يارب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم فقال أنت أبونا فقال له آدم نعم قال الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك قال نعم قال فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة قال له آدم من أنت قال أنا موسى قال أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه قال نعم قال أفما وجدت أن ذلك في كتاب الله قبل أن أخلق قال نعم قال فيما تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم

موسى رواه أبو داود في سننه وابن خزيمة في توحيده الذي اشترط فيه الصحة وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي

في صحيحه وغيرهم وهو على شرط الصحيح من هذا الوجه وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكن من احد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أمامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم

أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة وفي رواية أبي أسامة ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان

وكذلك رواه ابن خزيمة بإسناد مشهور من رجال الصحيحين عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان قال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا يحيى الحماني حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي عن يزيد بن الهاد عن

عبد الله بن يونس سمع المقبري يحدث قال حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول أيما والد جحد ولده احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين

قال أبو سعيد ففي هذا الحديث دليل أنه إذا احتجب من بعضهم لم يحتجب من بعض وأما الخبر الثاني الذي ذكر أنه مروي في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره فهذا الحديث لا يوجد في شيء من دواوين الإسلام فضلاً عن أن يكون في الكتب المشهورة وقد روي في الحُجب أحاديث وآثار وإن لم تكن في

الكتب المشهورة لكنها مما رواه العلماء أهل الحديث فأما هذا الحديث فلا أصل له والأحاديث المأثورة في هذا فمثل ما رواه الخلال في كتاب السنة حدثنا يزيد بن جمهور حدثنا الحسن بن يحيى

ابن كثير العنبري حدثنا أبي عن إبراهيم بن المبارك عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام وإذا في كفه كأصفأ المرايا

وأحسنها وإذا في وسطها نكتة سوداء قال فقلت يا جبريل ما هذه قال هذه الدنيا صفاؤها وحسنها قال قلت وما هذه اللمعة في وسطها قال هذه الجمعة قال قلت وما الجمعة قال يوم من أيام ربك عظيم وسأخبرك بشرفه وفضله واسمه في الآخرة أما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله تعالى جمع فيه أمر الخلق وأما ما يرجى فيه فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاهما إياه وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة فإن الله تعالى إذا صيَّر أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليل ولا نهار إلا قد علم الله مقدار ذلك وساعته فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرز أو يخرج فيه أهل الجنة إلى جمعتهم نادى مناد يا أهل الجنة اخرجوا إلى يوم المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله في كثبان المسك قال فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسٍ من ياقوت قال فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحاً تدعى المثيرة تثير عليهم أثابير المسك الأبيض تدخل من تحت ثيابهم وتخرج من وجوههم وأشعارهم فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها

كل طيب على وجه الأرض لكانت تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها ذك الطيب بإذن الله قال ثم يوحي الله تعالى إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وما فيها أسفل منه بينهم وبينه الحُجب فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري فسلوني فهذا يوم المزيد قال فيجتمعون على كلمة واحدة رب رضينا عنك فارض عنا قال فيرجع الله تعالى في قوله يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي فهذا يوم المزيد فسلوني قال فيجتمعون على كلمة واحدة رب وجهك وجهك أرنا ننظر إليك قال فيكشف الله عز وجل تلك الحجب قال ويتجلى لهم قال فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره قال ثم يقال ارجعوا إلى منازلكم قال فيرجعون إلى منازلهم وقد خفوا على أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره فإذا صاروا إلى منازلهم يزداد النور وأمكن حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها قال فيقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا في صورة ورجعتم على

غيرها قال فيقولن ذلك بأن الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم قال فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه وذلك قول الله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) [السجدة 17]

وأصل هذا الحديث في تقدير يوم الجمعة في الآخرة مشهور من طرق من حديث أبي هريرة وحديث سوق الجنة

وحديث أنس وحديث ابن مسعود موقوفاً وقال الخلال حدثنا عبد الواحد بن شعيب حدثنا عبد العزيز بن موسى البهراني حدثنا مسند بن محمد عن عبد الله التميمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجب الله عن خلقه بسبعين ألف حجاب هواء وريح وماء وظلمة ونور ثم قرأ قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري

حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله تبارك وتعالى عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا زيد بن الحباب العكلي عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قوله تعالى فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال طوله خمسمائة سنة فإذا أراد الله أمراً في الأرض من وحي أو شيء دُلي بين عنق إسرافيل فنظر فيه فيوحي إلى جبريل عليه السلام وبينه وبينه حجب وبين الله وبين خلقه سبعون حجاباً نور وظلمة وماء

ونار وبرق يلمع وإسرافيل لا يرفع طرفه حدثنا الحسن بن حميد البلخي حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني أبي حدثني ابن أبي

ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذا انشق فأقبل جبريل يدنو من الأرض ويدنو بعضه من بعض ويتماثل فإذا ملك فقلت أردت عن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن

المسألة فمن هذا يا جبريل قال هذا إسرافيل خلقه الله عز وجل يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب تبارك وتعالى سبعون نوراً ما منها نور كاد يدنو منه إلا احترق وبين يديه لوح فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح حتى يضرب جبينه فينظر فيه فإذا كان من عملي أخبرني به وإن كان من عمل ميكائيل أخبره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قال قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال أنا على الريح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر قلت وعلى أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما هبط إلى الأرض منذ خلقه الله عز وجل إلى يومه هذا وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة

فمثل هذه الأحاديث وإن كان لا يحتج بآحادها أئمة الحديث فهي ونحوها المأثور دون ما ذكره وروى الخلال وغيره وهو مشهور عن سفيان الثوري عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله تبارك وتعالى عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة ورواه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على

الجهمية حدثنا محبوب بن الحسن الأنطاكي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن عبيد المكتب عن

مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله من خلقه بأربعة بنار وظلمة ونور وماء وروى أبو بكر النجاد في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال والذي نفسي بيده إن دون الله يوم القيامة سبعون ألف حجاب إن منها حجاباً من ظلمة ما ينفذها شيء وإن منها حجاباً من نور ما يستطيعه شيء وإن منها حجاباً لا يسمعه شيء لا يربط الله

على قلبه إلا انخلع فؤاده

وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة حدثنا حماد وهو ابن سلمة أنا أبو عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل هل رأيت ربك فانتفض جبريل وقال يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور لو دنوت من أدناها حجاباً لاحترقت

إذا عرفت النصوص فالكلام على ما ذكره من وجوه الأول قوله واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا قالوا يجوز أن يقال إنه محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال إنه محجوب عنهم الوجه الأول يقال له الآية التي ذكرتها ليس فيها ذكر أن الله محتجب ولا محجوب وإنما فيها أن الكفار محجوبون عن الله وإن أردت الآية التي في الشورى وَرَاءِ حِجَابٍ فتلك لم تذكرها ولم تذكر أن كونهم محجوبين يقتضي أنه تعالى محتجب حتى يتم الكلام وإن كان فيه ما فيه الوجه الثاني أن هذا قول طائفة من أصحابه وإلا فآخرون منهم كأبي بكر بن فورك وغيره يقولون لا يجوز أن يكون الله محتجباً ولا محجوباً بحجاب وقالوا الحجاب

راجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدم الإدراك في أبصارهم قالوا لأن ما ستر بالحجاب فالحجاب أكبر منه ويكون متناهياً محاذياً جائزاً عليه المماسة ومنه قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) [المطففين 15] فجعل الكفار محجوبين عن رؤيته لما خلق فيهم من الحجاب والحجاب الذي خلقه فيهم هم عدم الإدراك في أبصارهم قالوا ومن هذا أنه لم يضف الحجاب إلى الله بل أطلق ذكر الحجاب ويبين صحة هذا ما روي عن علي أنه أمر بقصاب وهو يقول لا والذي احتجب

بسبعة أطباق فقال علي ويحك يا قصاب إن الله لا يحتجب عن خلقه وفي لفظ إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حجب خلقه عنه ومن حجة هؤلاء أنه إذا جاز أن يقال هو محتجب جاز أن يقال هو محجوب أي هو حجب نفسه لم يحجبه غيره وقوله الحجب يشعر بالعجز والذل إنما ذاك إذا حجبه غيره كما في المثال الذي ذكره من قولهم فلان حجب عن الدخول على السلطان أما لو قيل إن السلطان قد حجب نفسه

أو وكّل من يحجبه أو جعل حاجباً يحجبه لم يكن ذلك مشعراً بالذلة والعجز بل بالقوة ولهذا يسمون الذي يحجبهم من الناس حاجباً ويقولون إنه يحجب الأمير وسُمي حاجب العين حاجباً لأنه يحجب العين وأما الشعري نفسه فذكر ما يوافق أهل الإثبات أنه سبحانه وتعالى محتجب بالعرش والسموات فقال في مسألة العرش ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سماوات الوجه الثالث قوله الحجاب محمول عندنا على أن

يخلق الله تعالى في العين رؤية متعلقة به وهذا تفسير أصحابه الذين يقولون بإثبات الرؤية وينفون الحجاب والمقابلة ونحو ذلك وهذا باطل بالضرورة فإن كون الله تعالى لا يخلق في العين رؤية أمرُ عدمي لا يحتاج إلى إحداث فعل بل هو مثل أن الله تعالى لا يخلق للجسم طعماً أو لوناً أو ريحاً أو حركة أو حياة أو غير ذلك من الأمور العدمية فقول القائل فهم محجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدمُ الإدراك في أبصارهم كلام باطل لأن العدم لا يخلق الوجه الرابع أنه قال في الحديث الصحيح حجابه النور وفي الرواية الأخرى النار ومعلوم أن عدم الرؤية لا يسمى نوراً ولا ناراً لا حقيقة ولا مجازاً بل إذا سُمّي ظلمة كان فيه مناسبة الوجه الخامس أنه قال في الحديث فيكشف الحجاب فينظرون إليه وكشف الشيء إزالته أو رفعه وهذا لا يوصف به المعدوم فإن المعدوم لا يُزال ولا يرفع وإنما يزال ويرفع الموجود ومنه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام 17] وقوله وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل 62] وقوله فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ [الأنعام 41]

الوجه السادس أنه قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فجعل النظر متعقباً لكشف الحجاب وعندهم أن الحجاب هو عدم خلق الرؤية أو ضده خلق الرؤية فيكون زوال ذلك العدم هو عين الرؤية لا يكون شيئاً يتعقب الحجاب الوجه السابع أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ولو كان الحجاب عدم خلق الرؤية لم يكن كَشفُ ذلك وهو خلق الرؤية في العبد يحرق شيئاً من الأشياء فإن المؤمنين إذا رأوا ربّهم في عرصات القيامة ثم رأوه في الجنة مرة بعد مرة لا يُحْرَقُ شيء الوجه الثامن أن في الصحيحين وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأثبت رداء الكبرياء على وجهه وعلى قول هؤلاء ما بينهم وبين أن

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل