بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 163-202
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الثامن

صفحات 163-202
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

والأعراض كاعتقاد بعضهم تماثلها أو امتناع بقاء الأعراض وغير ذلك مما ليس هذا مَوضعَه فإذا سمع هذه الكلمات من لا يكون عارفاً حقيقة معانيها يحسب أنها من القضايا المقبولات بمنزلة الأخبار الصحيحة والأحكام المجمع عليها بين المسلمين ولا يعلم أن النزاع بين الناس فيها عظيم وغلط هؤلاء فيها جسيم وأنه عند الاستفصال ينكشف الحال

فصل قال الرازي الفصل الثامن في القرب قال سبحانه وتعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وروى الأستاذ ابن فورك رحمه الله في كتابه

المتشابهات عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع الجبار كنفه عليه فيقر بذنوبه فيقول أعرف ثلاث مرات فيقول تعالى إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود 18] قال واعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته

ودنوها من العبد وأما قوله فيضع الجبار كنفه عليه فهو أيضا مستفاد من قرب الرحمة يقال أنا في كنف فلان أي في إنعامه وأما ما رواه بعضهم فيضع الجبار كتفه فاتفقوا على أنه تصحيف والرواة ضبطوها بالنون ثم إن صحت الرواية فهي محمولة على التقريب بالرحمة والغفران والله أعلم والكلام على هذا أن يقال أما الخبر الأول فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الثاني فهو أيضاً من أشهر الأحاديث الصحاح أخرجه في الصحيحين عن صفوان بن محرز المازني قال بينما ابن عمر يطوف إذ عرض له رجل فقال يا أبا

عبد الرحمن أو يا ابن عمر كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا فيقول أعرف ربي أعرف ربي مرتين فيقول سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم يعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود 18] وفي لفظ إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا وتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره ورأى في نفسه أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافق فيقول الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) [هود 18] ولفظ الحديث بالنون وأما ما ذكره في رواية بعضهم كتفه فهذا تصحيف باتفاق أهل العلم كما ذكره ومثل هذا لا يحتاج إلى تفسير فأما إذا علم أن اللفظ كذب

على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم من حدّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين

ولا يجوز تفسير ما علم أنه كذب بتقدير ثبوته ولاسيما في مثل هذا الباب فإنه جعل للكذب معنىً صحيحاً وهذا التقدير منتف فيكون المعلق عليه منتفياً وهو إثبات معنى صحيح له وقد بينا فيما تقدم أن التأويل بيان مراد المتكلم ليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يقال أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ كذا مع العلم بأنه لم يقل ذلك اللفظ فإن إثبات إرادته مع العلم بانتفائها جمع بين النقيضين وسواء احتمل ذلك في اللغة أو لم يحتمله فإن هذا لا يوجب إرادة النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى بلفظ قد علمنا أنه لم يقله ولكن العلم بالموضوع المختلق وبالصحيح الثابت هو من بيان أهل العلم بالحديث والسنة وأما هذا المؤسس وأمثاله فلا يميزون بين هذين حتى قد يكذّبوا بالأحاديث التي يعلم أهلُ العلم أنها صدق ويصدّقوا أو يجوزوا صدق الأحاديث التي يُعلم أنها كذب إذا عرف هذا فهذان الحديثان مع الآية تضمنا شيئين

أحدهما تقرب العبد إلى ربه ودنوه إليه والثاني تقرب الرب إلى عبده وتقرب الرب إلى عبده نوعان أحدهما هو من لوازم تقرب العبد إليه فإنه من المعلوم أن الشيئين إذا تقرب أحدهما إلى الآخر كان من لوازم هذا قرب الآخر إليه إذ القرب من الأمور الإضافية من الجانبين فيمتنع أن يقرب أحدهما من الآخر إلا والآخر قد قرب إليه لكن لا يستلزم هذا أن يكون المُتقَرب إليه قد وجد منه فعل بنفسه يقرب منه بل يكون قربه هو القرب الذي حصل بفعل المقترب كالشيء المتحرك المتقرب إلى الشيء الساكن فإنه كلما تقرب إليه قرب الساكن إليه من غير حركة منه فهذا النوع من قرب الرب إلى عبده هو تبع لقرب العبد إلى الله فمن أثبت قرب ذات الله إلى العبد بهذا الاعتبار وإلا فلا وأما النوع الثاني من تقرب الرب إلى العبد فهو تقربه بفعلٍ يقوم بنفسه كما ورد لفظ المجيء والإتيان والنزول وغير ذلك فالكلام على هذا التقرب يؤخر إلى حيث يذكر ذلك وتكلم هنا في القرب الأول فكل من قال إن الله فوق العرش قال إنه يمكن التقرب إليه وأما من قال إنه ليس فوق

العرش قال إنه في كل مكان بذاته أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه فعلى قولهم يمتنع التقرب إليه وهؤلاء منهم من يقول إنه جسم ومنهم من يقول ليس بجسم كما تقدم ذكر ذلك عنهم وقد اعترف بالتقرب إليه نفسه من أقرّ بأنه فوق السموات ممن قال إنه ليس بجسم وممن قال إنه جسم وممن لم يقل واحداً من القولين لا أثبَتَ الجسم ولا نفاه فتبين أن إثبات التقرب إليه ونفيه ليس من لوازم القول بالجسم بل المثبت له والنافي منهم من يقول يتقرب إليه نفسه ومنهم من يقول لا يُتقرب إليه نفسه ومن يقول لا يتقرب إليه نفسه والتقرب إليه اسم جنس وتحته أنواع من أثبت نوعاً من تلك الأنواع فقد أثبت التقرب إليه بشيء وكذلك من أثبت أنه يصعد إليه نفسه بشيء أو يرتفع إليه بشيء وكذلك من ذهب إلى أنه تذهب إليه نفسه بشيء أو تأتيه نفسه بشيء أو تقف عليه نفسه ونحو ذلك فقد أثبت أنه يتقرب إليه بشيء وأما من

أثبت أنه هو يجيء ويأتي ويتقرب فإنه يثبت التقرب إليه بطريق الأولى وكل من استدل على أنه فوق العرش بالنصوص المتضمنة لذكر العلو إليه مثل قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر 10] وقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقوله تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وغير ذلك فإنه يقول إنه يتقرب إليه وكذلك من أثبت أنه يقف عليه شيء أو يجيئه شيء أو أن عبده يلقاه أو يكون بينه وبين خلقه حجاب ونحو ذلك فإنه يقول إنه يتقرب إليه وفي القرآن مما فيه وصف ذهاب بعض الأشياء إليه نفسه أو صعودها إليه أو نزولها من عنده وما يشبه ذلك نحو خمسمائة آية أو أكثر وكل ذلك يدل على جواز التقرب إليه قال تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة 281] وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ

[البقرة 223] وقد تقدم كثير من الآيات التي فيها ذكر لقاء العبد ربه وكل ذلك يستلزم التقرب إليه ومن نفى أحدهما نفى الآخر ومن أثبت أحدهما أثبت الآخر وهذا يتأولهما النافي على لقاء مخلوق التقرب من مخلوق وقد قال تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) [البقرة 156] وقال تعالى فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة 54] وقال تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ [الأنعام 164] وقال تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) [آل عمران 28] وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) [المائدة 96] وقال تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) [الأنعام 164] وقال تعالى إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزمر 7] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) [الأنعام 60] وقال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام 94] وقال

كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) [الأنعام 108] وقال تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 61-62] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام 30] وقال تعالى وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 51] وقال تعالى عن السحرة قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) [الأعراف 125] وقال تعالى وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة 118] وقال شعيب عليه السلام وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) [هود 88] وقال تعالى وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود 123] وقال تعالى وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) [يونس 46] وقال تعالى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) [يونس 23] وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) [يوسف 108] وقال تعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف 6] وقال تعالى وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ

مُسْتَقِيمٍ (87) [الأنعام 87] وقال تعالى وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) [الرعد 30] وقال تعالى وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) [الكهف 48] وقال تعالى وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت 50] وقال تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) [مريم 93 إلى 95] وقال تعالى وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) [مريم 58] وقال تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) [مريم 85] وقال وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) [المؤمنون 79] وقال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) [المؤمنون 60] وقال تعالى وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور 39] وقال تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) [النور 31] وقال تعالى فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) [الفرقان 71] وقال تعالى قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) [الفرقان 57]

وقال تعالى عن السحرة قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) [الشعراء 50] وقال تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) [النمل 87] وقال تعالى وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) [القصص 38-39] وقال تعالى وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) إلى قوله كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) [القصص 87-88] وقال تعالى فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان 15] وقال تعالى فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) [العنكبوت 17] وقال تعالى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) [الروم 31] وقال تعالى دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم 33] وقال تعالى وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان 15] وقال تعالى وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ

الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان 22-23] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ 31] وقال المؤمن وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) [يس 22] وقال تعالى وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) [يس 32] وقال تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) [يس 51] وقال تعالى عن إبراهيم إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) [الصافات 84] وقال

تعالى وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) [الصافات 99] وقال تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت 33] وقال تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) [فصلت 6] وقال تعالى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) [الزخرف 36] إلى قوله حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) [الزخرف 38] وقال تعالى مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) [الجاثية 15] وقال تعالى وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) [الأحقاف 15] وقال تعالى لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق 28] وقال تعالى مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق 33] وقال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات 50] وقال تعالى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) [النجم 42] وقال تعالى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [النازعات 40] وقال تعالى رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) [الممتحنة 4] وقال المسيح عليه السلام مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [الصف 14] وقال تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ

بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) [الجمعة 8] وقال تعالى تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) [المزمل 8] وقال تعالى فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) [المزمل 19] وقال تعالى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) [النازعات 18-19] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) [الانشقاق 6] وقال تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) [الغاشية 25-26] وقال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) [الفجر 27-30] ومثل هذا في كتاب الله كثير لا يستقصى إلا بكلفة شديدة وأما لفظ القرب إلى الله تعالى فقد قال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) [النساء 172] وقال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) [الواقعة 88-89] وقال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) [المطففين 18-21] وقال تعالى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) [المائدة 35] وقال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء 57] وقال تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] وقال تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] وقال تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) [ص 25] في قصة داود وسليمان عليهما السلام وقال هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران163] وأما في الأحاديث النبوية فكثير وكلام السلف والأئمة وجميع المسلمين من ذكر القرب إلى الله تعالى وما يقرّب إلى الله ونحو ذلك هذا لا يحصيه إلا الله تعالى إذا عرف هذا فقوله في هذا الحديث يدنو المؤمن من ربه أو أن الله يدني المؤمن أو يؤتي بالمؤمن يوم القيامة فيدنيه الله منه ليس فيه إلا تقريبه وإدناؤه إلى الله تعالى وهذا له نظائر لا يحصيها إلا الله وقد تقدم ذكر بعضها وبعضها يحُصّل العلم الضروري بدلالة النصوص على الدنو إلى الله –تعالى والقرب إليه والنصوص الدالة على ذلك أضعاف

النصوص الدالة على الصعود إلى الله تعالى فإن الصعود إلى الله تعالى نوع من القرب وكما أن دلالات النصوص على ذلك من أعظم المتواترات فالعلم بها أيضاً مستقرٌ في فطرِ المسلمين عامتهم وخاصتهم كما استقر في فطرهم أن الله فوق كلهم مقرون بأن العبد قد يتقرب إلى الله وأن العباد منهم المقرب وهو الذي يقربه الله عز وجل إليه ومنهم الملعون الذي يبعده الله عز وجل عنه وكلهم يسمون الطاعات قربات ويقولون إنا نتقرب بها إلى الله وليس فيهم من ينكر بفطرته التقرب إلى الله إلا من غُيرت فطرته بنوع من التجهم والتعطيل كما أنه ليس منهم من ينكر رفع يديه إلى الله تعالى إلا من غيرت فطرته بنوع من التجهم والتعطيل وكل واحد من هذين الأصلين يستلزم الآخر فإنه إذا كان فوق العرش أمكن القرب وكان علوه دليلاً على إمكان القرب منه وإذا ثبت أنه يمكن القرب منه ثبت أنه حيث يمكن القرب منه

ولهذا يحتجون بكل من الأصلين فإن أبا محمد عبد الله بن كلاب وأصحابه وأبا الحسن الأشعري وأئمة أصحابه لا ينازعون في أن الله تعالى فوق العرش وفي أنه يمكن التقرب إليه نفسه وهم يستدلون بأحدهما على الآخر وإن قالوا مع ذلك إنه ليس بجسم وإن كان بينهم وبين غيرهم نزاع في أن قولهم متناقض أو غير متناقض ولهذا كان كثير من متأخري أصحابه ينكرون أنه فوق العرش ويوافقون المعتزلة في نفي ذلك أن ثبوته يستلزم التجسيم قال أبو الحسن الأشعري في مسألة العرش ومما يؤكد لكم أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية من قوله ينزل ربنا كل ليلة وقد تقدم ذكر

لفظه إلى أن قال وقد قال سبحانه وتعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال سبحانه يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل 50] وقال سبحانه وتعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت 11] وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) [الفرقان 59] وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة 4] قال وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه جل وعلا منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه وقال سبحانه وتعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] وقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] وقال سبحانه ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ

الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) إلى قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 8-18] إلى أن قال وقال سبحانه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء 157] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] قال وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء وهذا كله تصريح بأن الرفع والصعود إلى الله نفسه وقال أيضاً وقال الله تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ

الْحَقِّ [الأنعام 162] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال تعالى وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] قال وكل هذا يدل على أنه ليس في خلقِِهِ ولا خَلْقُهُ فيه وأنه سبحانه مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً جلَّ عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي في التأويل ويريدون بذلك

زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل قال وروت العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي رب العالمين حتى يسأله عن ثلاث وروت العلماء أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء وأومأت بيدها إلى فوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أعتقها فإنها مؤمنة قال وهذا يدل على أن

الله على عرشه فوق السماء وقد أثبت أبو الحسن الأشعري ما هو أبلغ من ذلك من قرب الله تعالى إلى خلقه وحكاه عن أهل السنة والجماعة فقال في كتاب المقالات في حكاية قول جملة أصحاب

الحديث وأهل السنة قال جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة وذكر ما نقلناه عنه قبل هذا وفيه ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] ثم قال وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول قال في الإبانة وجملة قولنا أنَّا نقر بالله تبارك وتعالى وذكر نحواً مما ذكره في المقالات إلى أن قال ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] وأن الله تعالى يقرب من عباده كيف يشاء كما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وكما قال ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) [النجم 8-9] وله كلام غير هذا وهو صريح في أن قربه إلى خلقه عنده من الصفات الفعلية حيث قال كيف يشاء والقرب بالعلم والقدرة لا يجوز تعليقه بالمشيئة لأن علمه وقدرته من لوازم ذاته فهذا من اتفاق عامة الصفاتية

على إثبات قرب الخلق إلى الله عز وجل وقربهم إليهم وهذا الذي قاله الأشعري وحكاه عن أهل السنة تلقاه عن زكريا بن يحيى الساجي وغيره من أئمة البصريين وهذا اللفظ الذي ذكره في القرب محفوظ عن حماد بن زيد إمام أهل السنة في عصر مالك

والثوري والأوزاعي قال الخلال في كتاب السنة أنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا أحمد بن محمد المقري حدثنا سليمان بن

حرب قال سأل بشر بن السرى حماد بن زيد فقال يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء ينزل الله إلى السماء يتجول من مكان إلى مكان فسكت حماد ثم قال هو في مكان يقرب من خلقه كيف يشاء وهذا يذكر في موضعه وأما حديث إدنائه إليه ووضع كنفه عليه فهو أظهر من هذا ولم ينازع أحد من الصفاتية المتقدمين أصلاً كما لم ينازعوا

في أن الله تعالى فوق العرش وقد نص الأئمة على إقراره قال الخلال في كتاب السنة باب يضع كنفه على عبده تبارك وتعالى أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال قلت لأبي عبد الله ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الله يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه قال هكذا يقول يدنيه ويضع كنفه عليه كما قال ويقول له أتعرف ذنب كذا قال الخلال أنبأنا إبراهيم الحربي قال قوله فيضع عليه

كنفه يقول ناحيته قال إبراهيم أخبرني أبو نصر عن الأصمعي يقال أنا في كنف بني فلان أي في ناحيتهم وأنا في ظلك أي قربك قال إبراهيم وأنبأنا عمرو عن أبيه قال كنف جانب وأنشدنا وأرحب له كنفا قال

وأنشدني أبو عبد الله النحوي بأكناف الحجاز هوى دفين يؤرقني إذا هدت العيون والكلام على ما ذكره من التأويل فمن وجوه أحدها أنه قال واعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته ودنوها من العبد فيقال له هذا التأويل لا يصح في قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] ومعلوم أن هذا يتناول المؤمن والكافر لا يقرب من رحمته وإنما قد يتأول هذا على العلم كما قد يذكر في موضعه الثاني أن هذا التأويل إنما يجيء في قرب الرب من العبد كقوله تعالى من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً فأما تقرب العبد فيقال فيه قرب العبد من الرحمة لا يقال قرب رحمته ودنوها من العبد ولكن خلط أحدهما بالآخر وهذا لا يستقيم

الثالث يقال قوله من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً إما أن يراد بكل واحد من القربين قرب رحمته ودنوها من العبد أو يراد بأحدهما غير ذلك والأول ممتنع لأن أحد التقربين لو كان هو الآخر لكان جزاء العمل هو العمل وهذا باطل فلابد أن يكون أحدهما غير المعنى الذي ذكره ولأنه قال من تقرب إليَّ شبرا تقربت منه ذراعاً فجعل الثاني ضعف الأول فيمتنع أن يكون إياه الرابع أن قرب الرحمة ودنوها من العبد ليس من فعله ومقدوره وإنما هو من فعل الله فلا يصح أن يفسر به تقرب العبد بل الذي يفسر به القرب إنما يفسر به قرب الله تعالى الخامس أنه قال في أول هذا القسم في أدلة المتأولين الخامس قوله وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فقد فسر قرب العبد بطاعته وعبوديته فعلم أن تفسيره بخلاف ذلك متناقض

السادس أنه قال يدنو المؤمن من ربه تعالى يوم القيامة فيضع عليه كنفه وهو لم يذكر إلا قوله اعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته ودنوها وهذا ليس بتفسير لهذا الحديث لأنه جعل القربين شيئاً واحداً وهذا تخليط كما تقدم لكن هو لم يستوف التأويل المعروف عن الجهمية قالوا نحمل على أنه يقربه من رحمته وإثابته وتعطفه ولطفه وهذا سائغ في اللغة والمراد به المنزلة وعلو الدرجة فهذا التأويل الذي ذكروه وإن كان باطلاً لكنه هو الذي يمكن المتأول أن يقوله في هذا الحديث بخلاف ما ذكره ونحن نبين بطلانه فنقول الوجه السابع أن ما يدني إليه العبد من الرحمة والإيمان وغير ذلك إما أن تكون أعيانا قائمة بأنفسها أو صفات قائمة بغيرها فإن كانت صفات فمعلوم أن القرب إلى الصفة لا يكون إلا بالقرب إلى الموصوف نفسه فلا يمكن أن يقرب العبد إلى ما يقوم بالله من رحمة وإيمان إلا إذا قرب من نفسه فأما قربه من صفته القائمة به دون قربه من نفسه فظاهر البطلان والفساد ولهذا لم يقله أحد من العباد بل الذي يحيل القرب إلى نفسه

هو القرب إلى صفاته ابتداء حاله إن كان يثبت له صفة وإن أراد بما يتقرب العبد إليه عيناً قائمة بنفسها غير الله عز وجل فذلك خلق من خلق الله تعالى ومن المعلوم أن قوله يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا يقول أعرف رب وقوله إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه كل ذلك ألفاظ صريحة يعلم من سمعها بالاضطرار أن الذي يدنيه منه ويضع عليه ويقرره بذنوبه ويغفرها له الله عز وجل لا أحد من خلقه فكيف يجوز أن يقال لا يدنو العبد من ربه وإنما يدنو من بعض مخلوقاته وهل ذلك إلا بمثابة أن يقال إن الذي يقرره بذنوبه هو بعض مخلوقاته كما تقول الجهمية القائلون بأن الله عز وجل لا يقوم به كلام وإنما الكلام يقوم ببعض مخلوقاته فهذا مثل هذا وكلاهما بمنزلة أن يقال إن الله عز وجل لا يغفر له وإنما يغفر له بعض مخلوقاته وهذا يؤول إلى ما يقوله من يقوله من الصابئة المتفلسفة وغيرهم إن العباد لا يرجعون إلى الله عز وجل وإنما منتهاهم هو العقل الفعال ونحو ذلك مما يدعون لها الملائكة فيجعلون ذلك هو رب العباد الذي إليه يرجعون كما يزعمون أنه هو ربهم المدبر لهذا العالم

وهذا كله مما يعلم بالاضطرار أنه خلاف ما أخبرت به الرسل وأنه شرك صريح في اتخاذ غير الله إلهاً وربًّا وأقوال الجهمية تستلزم هذا ولهذا قال من قال من أئمة السلف من قال إن قوله لموسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه 12] مخلوق كافر لأنه جعل هذا الكلام قائما بمخلوق يلزم أن يكون هو الرب وكذلك سائر تأويلاتهم من هذا الجنس

الوجه الثامن أن يقال هذا الدنو ووضع الكنف والمخاطبة يكون وقت السؤال والعبد خائف غير آمن ولا ظهر له أنه يغفر له ويرحمه كما في لفظ الحديث الصحيح إن الله يدني المؤمن فيضع كنفه عليه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فإذا كان العبد حين هذا الدنو من الله والمخاطبة والتقرير بذنوبه يرى أنه قد هلك قبل أن يذكر له الرب أنه غفر له امتنع أن يكون ما ذكره من دنوه من الله هو الدنو من رحمته وأمانه وتعطفه الوجه التاسع أن الرحمة والعطف والأمان إن كانت صفات لله تعالى كان القرب إليها قرباً إلى الموصوف كما تقدم وإن كانت أعياناً قائمة بنفسها مخلوقة لله تعالى فمن المعلوم أنه حين الحساب في عرصات القيامة لا يكون هناك أجسام مخلوقة يرحم بها العباد فإن ذلك إنما يكون في الجنة وإذا لم يكن في عرصة الحساب أجسام مخلوقة من الرحمة أعدها الله

عز وجل لعباده ولكن هو يحكم بالعفو والمغفرة ثم ينقلبون إلى دار الرحمة امتنع أن يكون أحد حال المحاسبة مقرباً إلى أجسام هي رحمة قبل أن يؤذن لهم في دخول الجنة الوجه العاشر أن يقال من المعلوم أن الله عز وجل أخبر في كتابه بأصناف ما ينعم به على عباده من المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمساكن وقد أجمل ما لم يفصله في قوله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ

[السجدة 17] وهذه الأمور يباشرها المؤمن مباشرة لا يكون جزاؤه مجرد قربه منها دون مباشرتها بل ذلك يكون حسرة وعذابا فدعوى الإكرام بمجرد التقريب من هذه الأمور دون مباشرتها كلام باطل لا حقيقة له الوجه الحادي عسر أن المؤمن مازال في رحمة الله في الدنيا والآخرة فكيف يجوز تخصيص حال السؤال بقربه من رحمته دون ما قبل ذلك وما بعده الوجه الثاني عشر أن يقال هو مازال مباشراً لما يرحمه الله به قبل وبعد فأي فائدة في أن يوصف بالقرب من شيء مازال مباشراً له لا ينفصل عنه الوجه الثالث عشر أنه في العرصة يظهر له من الأهوال والشدة ما يكون أعظم عليه وأشد لرعبه وألمه من كل ما كان قبل ذلك وبعده فكيف يجوز تخصيص أشد الأحوال عليه بأنه تقرب فيه مما يرحم به مع أن ما قبلها وما بعدها كان ما يرحمه به إليه أقرب وهو له أعظم مباشرة ونيلا الوجه الرابع عشر أن هذا الذي ذكره لا ريب أنه من

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل