الجزء الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
ليس بشيء من ذلك خلاف ينقض أصلًا ثابتًا، ويرفع عقدًا واجبًا، يوجب التبري والتضليل، وكيف يقع بينهم خلاف في ذلك، مع اتفاقهم على أنهم ينصرون العلم الظاهر، وما عليه الألسنة مطبقة، والكلمة عليه مجمعة وإنما تفرَّدت شرذمة من كل فرقة بمقالة، ابتدعوها نصرة لباطلهم، وتمسكًا بما أداهم إليه هواهم، واقتضى لهم طلب الدنيا، وإيثارًا لعقد رياسة على طغام مثلهم، ليظهر لخلافهم مباينة، فيذكر بخذلان من الله وحرمان».
قلت: هذا الذي ذكرناه هو ألفاظ «أبي بكر بن فورك» التي نقل بها ما ذكره، وهو في الغالب نقل ألفاظ «أبي الحسن الأشعري» من كتاب «المقالات» وفي مواضع غير كلامه بزيادة ونقصان، تارة غلطًا، وتارة عمدًا باجتهاده، لاعتقاده أن الصواب هو الذي ذكره، دون ما وجده فيما ذكره «أبو الحسن» وسنذكر إن شاء الله تعالى ألفاظ «أبي الحسن» بعينها في كتاب «المقالات» وألفاظه أيضًا فيما صنفه أيضًا بعد المقالات، حتى يتبين الأمر على حقيقته، فإن المقصود هنا إنما هو ذكر ما يحكيه «أبو بكر بن فورك» عن «أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب» وذكرنا هذه
الجملة؛ لأنه أصل لما يحكيه عنه من التفصيل، فغلطه في هذا النقل قوله عن «أبي الحسن»: «أنه ذكر عن أصحاب «ابن كلاب» أنهم يقولون بذلك وبأكثر» وإنما لفظ «أبي الحسن» أنه قال: «وأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة، ويثبتون أن الباري لم يزل حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا عزيزًا عظيمًا، جليلًا كبيرًا، كليمًا مريدًا، متكلمًا جوادًا، ويثبتون العلم والقدرة» إلى آخر ما ذكر، فذكر «أبو الحسن» أنهم يقولون: بأكثر ما يقوله أهل الحديث لا بكله، وأنهم يريدون هذه الأمور، فذكر عنهم زيادة في شيء وتركًا لشيء، لم يقل: إنهم يقولون ما يقوله أهل الحديث وبأكثر منه، ولكن قد يتصحف في الخط بأكثر مما حكاه، لسقوط الميم في الخط أو لاندغامها في الخط، وكيف يقول «أبو الحسن» ذلك؟ وقد حكى عن أهل الحديث أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، و «ابن فورك» قد حكى عن «ابن كلاب» إنكار أن يكون العمل إيمانًا، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأشياء أُخَر، إذ كان من المرجئة، وأيضًا «فابن فورك» قال: «قال شيخنا في كتاب «المقالات» بعد ذكره مقالات الإمامية والخوارج، والمعتزلة والنجارية، في جليل الكلام قال: «هذه
حكاية قول أصحاب الحديث وأهل السنة» فاقتضى ما ذكره «ابن فورك» أن «أبا الحسن» لم يذكر مخالفًا لهم ذكره بكلام إلا هذه الأصناف الأربعة، وليس كذلك بل قد ذكر «أبو الحسن» عشرة أصناف؛ وقال في أول كتابه: «هذا ذكر الاختلاف اختلف المسلمون عشرة أصناف؛ الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية، والضرارية والحسينية،
والبكرية، والعامة وأصحاب الحديث، والكلابية أصحاب «عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان» ثم ذكر أصناف الشيعة ثم أصناف الخوارج، فلما فرغ قال: «آخر مقالات الخوارج، أول مقالات المرجئة» فذكرهم اثنتي عشرة فرقة، ثم بعد أن فرغ منهم قال: «هذا شرح قول المعتزلة في التوحيد وغيره» وذكر أقاويل المعتزلة، وفي ضمنها قال: «هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم» ثم قال: «ذكر قول الجهمية»
ثم قال: «ذكر الضرارية أصحاب «ضرار بن عمرو» ثم قال: «ذكر قول «الحسين بن محمد النجار» وهؤلاء الثلاثة يوافقون المعتزلة في الصفات في الجملة دون القدر، ومسائل «أبي عبيد» والإيمان، ثم قال: «ذكر قول البكرية أصحاب بكر ابن أخت
عبد الواحد» ثم قال: «هذه حكاية قول قوم من النساك» ثم قال: «هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة» ثم قال: «فأما أصحاب عبد الله بن سعيد» إلى آخره، ثم قال: «ذكر قول زهير الآثري» وذكر قول «معاذ التومني»، ثم قال: «هذا آخر الكلام في الجليل، ذكر اختلاف الناس في
الدقيق» ولكن «ابن فورك» لميله وميل «ابن كلاب» إلى قول المرجئة، يذكر ذلك لئلا يظهر ما خالفوا فيه أهل الحديث، وأيضًا فقد ذكر «أبو الحسن» عن أهل الحديث في القرآن والنزول، والمجيء والقرب، والرضى والسخط والجدل، وغير ذلك ألفاظًا هي معروفة عندهم، صنفها «ابن فورك» فيما نقله من نقل «الأشعري» عنهم، هذا مع أن الذي ذكره «الأشعري» عنهم، فيه مواضع ذكرها بتصرف واجتهاد، فإن كلام أئمة الحديث في هذه الأبواب في كتب السنة، والآثار متواترة عند من يعرف ذلك، وأيضًا فلفظ «الأشعري» في كتاب «المقالات» عن «ابن كلاب»: «أن الباري لم يزل، ولا مكان ولا زمان قبل الخلق، وأنه على ما لم يزل عليه، وأنه مستو على عرشه كما قال، وأنه فوق كل شيء تعالى» فزاد «ابن فورك»: «لا بحد ولا مماس، أو مفارقة بعزلة أو تحيز» وهذه الألفاظ موجودة، هي أو ما يوجب الإثبات في كلام «ابن كلاب» كما سيأتي، لكن اللفظ الذي نقله «الأشعري» عنه هو ما تقدم فقط، و «ابن فورك» هو المصنف لكتاب «تأويل ما ذكره من الآيات والأحاديث في الصفات» وعلى كتابه يعتمد هذا المؤسس
أبو عبد الله الرازي وغيره، إذ هو أجمع كتاب صنفه المنتسبون إلى الأشعري في ذلك، ولهذا ذكرنا ما نقله هو عن أئمته في هذا الباب، ليكون في ذلك هدى ورحمة لمن يريد الله [له] ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد ذكر «أبو بكر بن فورك» فصولًا من كلام «ابن كلاب» في مصنفاته مثل كتاب «التوحيد» وكتاب «الصفات» وكتاب «الرد على المريسي» ونحن نعود إلى ما أشرنا إليه، وهو أن القول: بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، إنما ذهب إليه شرذمة من الناس أهل البدع، خلاف ما يزعم «الرازي» وأمثاله أن ذلك قول جمهور العقلاء المعتبرين.
قال «ابن فورك»: «وقال -يعني: ابن كلاب- في كتاب «الصفات» في بيان القول في الاستواء: «ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا به، يجيز قول الأين ويقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه، لا يجيزون الذي زعموا، ويحيلون القول به» قال: «ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها:
لا تقولي ذلك، فتوهمين أنه عز وجل محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان، لأنه هو الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجلب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قال، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك؟ والكتاب ناطق به وشاهد له، ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرت من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بَنية الفطرة، وتَعَارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، بل لاتسأل أَحدًا من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء، إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه، إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يدّعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى «جهم» وحده وخمسون رجلًا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن».
قال «ابن فورك»: «فقد حقق رحمه الله في هذا الفصل شيئًا
من مذاهبه:
أحدها: إجازة القول بأين الله في السؤال عنه.
والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال في السماء.
والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة».
قلت: فقد ذكر «أبو محمد بن كلاب» أنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل، يَدعون أنهم أفضل الناس «جهم» وعدد قليل معه، وذكر أن العلم بأن الله فوق فطري، مغروز في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم.
قال «أبو بكر بن فورك» عقب هذا: «واعلم أن هذا ليس بمخالف لما قال في كتاب التوحيد، لأنه ليس يقول: إنه في السماء إلا اتباعًا للفظ الكتاب، في قوله عز وجل: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] على معنى أنه فوقها، وردَّ ذلك إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] فمن توهم عليه أنه يقول: إن الله في مكان دون مكان، أو في كل مكان فقد أخطأ في توهمه».
فقلت: أما قول «ابن فورك» إنه إنما قال ذلك، اتباعًا للسمع الوارد من لفظ الكتاب، فليس كذلك، لأنه قرر أولًا ذلك
بالسنة، ثم قال: «والكتاب ناطق به، وشاهد له» ثم قال: «ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة، وتعارف الآدميين من ذلك، ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، لأنك لا تسأل أحدًا من الناس، عربيًّا ولا عجميًّا، ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن لم يفصح، لا يشير إلى غير ذلك، من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا، داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء» فقد ذكر أنه مغروز في فطر الناس كلهم ومعارفهم في هذا الباب ما لا أبين [منه] ولا أوكد، وهو اتفاق الخلائق كلهم، إذا سئلوا أين الله؟ قالوا: في السماء، بالعبارة عنه، أو الإشارة إليه، وكذلك هم متفقون على الإشارة باليدين، في دعائه إلى السماء، وهذا الإخبار منه بأن القول بأنه في السماء والإشارة إليه، سبحانه في الدعاء وغير الدعاء، أمر متفق فيه بين الناس، وأن ذلك عندهم من المعارف الفطرية الغريزية، فكيف يقال: قولهم إنه في السماء ليس إلا لمجرد اتباع لفظ القرآن؟ وقد ذكر «ابن فورك» أن مقام هذا دلَّ على ثلاثة أمور:
أحدها: إجازة القول بأين الله في السؤال عنه.
والثاني: أنه دلَّ على صحته الجواب عنه، بأن يقال: إنه في
السماء.
والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة.
فكيف يقول بعد هذا منصف يظن أنه يقول إنه في السماء إلا اتباعًا للفظ الكتاب؟ وقد ذكر أن هذا إجماع من المؤمنين والكفار والعرب والعجم، فهل ما يكون بهذه المنزلة لا يقال إلا لمجرد التوفيق على لفظه؟ وقد ذكر «ابن فورك» من كلامه في غير هذا الموضع، ما يبين أنه كونه فوق العالم صفة معلومة بالعقل، لا تتوقف على السمع، وإنما المعلوم بالسمع استواؤه على العرش.
قال «ابن فورك»: «فصل آخر في بيان تحقيق قوله: إن إطلاق وصفه سبحانه وتعالى بأنه فوق واجب، من كلام ذكره في كتاب «الصفات» في باب الاستواء على العرش: «قال: قد قلنا ونقول إنه عز وجل فوق كل شيء لم يكن بين طبقين» قال «ابن فورك»: «وقال في هذا الباب، من هذا الكتاب، عند تفسير الاستواء: «إن الاستواء هو العلو، وإنما سمي العلو استواء، لعلة المستوى عليه، إذ لم يكن فوقه شيء، فقوله: استوى على العرش؛ هو أن الله -سبحانه وتعالى- قد كان ولا شيء غيره، ثم خلق العرش فجعله أعلى خلقه، فقيل: هو مستو عليه، لما كان عاليًا عليه، لم يكن بين طبقتين، فيكون فوقه شيء، وليس هو مماس للعرش» قال «ابن فورك»: «فبين هذا من قوله، إنه
يطلق الاستواء للخبر الوارد، والقول: بأنه فوق لنفي كونه بين طبقتين، لا معنى القهر والاقتدار، خلافًا لقول من يزعم من المخالفين؛ إنه فوق بمعنى: القهر والغلبة والقدرة والعزة والعظمة فحسب».
قلت أمَّا الاستواء، فقد ذكر أنه صفة خبرية سمعية، وأمَّا القول بأنه فوق، فإنه لم يجعل معناه سلبيًّا، بل جعل السلب دليلًا على الفوقية، فقال: «ولكنَّا نقول: إنه عز وجل فوق كل شيء، لكيلا يكون بين طبقتين، فأخبر أنه أثبت الفوقية، لئلا يلزم أن يكون داخل العالم أو خارجه فأثبت أنه خارجه، لئلا يلزم أن يكون داخله، أو لو أمكن أن لا يكون بين طبقتين، ولا يكون فوق العالم، لم يكن نفي أحدهما دليلًا على ثبوت الآخر، كما يقوله النفاة، وهو قد صرح بهذا في غير موضع.
قال «ابن فورك»: «فصل من كلامه في زيادة تحقيق في هذا القول، قال في باب مسألة الجهمية في المكان، في كتاب التوحيد: «يقال لهم: إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال، فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين للمكان، فإذا قالوا: نعم.
قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين، الذي لا يكون ولا يثبت [إلا] في الوهم، فإذا قالوا: نعم.
قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من كل جهة، كما كان بصفة المحال من هذه الجهة.
وقيل لهم: أليس لا يقال لما ليس ثابتًا في الإنسان مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم.
قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما.
قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم، كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم.
وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجودًا له، كان جهل المخلوق علمًا له، لأنكم وصفتم العدم الذي هو للمخلوق وجودًا له، فإذا كان العدم وجودًا، كان الجهل علمًا والعجز قوة».
فقد بين في هذا الكلام امتناع أن يقال في الباري: ليس بمماس ولا مباين، فينفي عنه الوصفان المتناقضان، اللذان لا يخلو الموجود منهما جميعًا، كما هو معلوم بصريح العقل، فهذان ونحوهما متضادان في الإثبات، وفي النفي جميعًا.
وذكر على ذلك ثلاث حجج.
أحدها: أن انتفاء هذين جميعًا ممتنع في حق الإنسان محال، فإن جاز وصفه بهذا المحال، جاز وصفه بغيره من المحالات.
قلت: وهذا الإلزام، مثل أن يقال: لا عالم ولا جاهل،
ولا قادر ولا عاجز، ولا حي ولا ميت، ونحو ذلك، كما يقول الملاحدة، فينفون المتقابلات.
الحجة الثانية: أن سلب هذين جميعًا يوصف به المعدوم، الذي ليس بثابت في الإنسان، فإذا وصفوا بهما المعبود فقد جعلوا ما وصفوا به الثابت في حق الخالق، كما وصفوا أنه العدم في حق المخلوق، فإذا جاز أن يوصف بما هو صفة المعدوم في حق المخلوق، لزم أن يوصف بنفس العدم، كما يوصف المخلوق بأنه عدم، إذا وصف بصفات العدم.
الحجة الثالثة: أنه [إذا] جاز أن يقال: إذا كان ما هو صفة عدم في حق المخلوق، وجودًا في حقه، جاز أن يكون ما هو جهل، في حق المخلوق علمًا في حقه، وما هو عجز في حق المخلوق، قدرة في حقه، وجماع هذه الحجج وصفه بالمحال، ووصفه بالمعدوم، ووصفه بضد صفات الكمال، وهو الجهل والعجز لربهم، حين جوزوا وأخلوه عن المماسة والمباينة، مع قولهم بأن هذا ممتنع في الوجود غيره، ففرقوا بين الواجب والممكن، في الخلو عن النقيضين من جهة المعنى، حيث جعلوه ثابتًا لهذا منتفيًا عن هذا، فلزمهم مثل ذلك في نظائره، وهذه حجج قولية، من أجود المقاييس العقلية، لمن
فهمها، وهذا لأن كون الشيء القائم بنفسه، غير مماس لغيره، ولا مباين له، لما كان ممتنعًا في بديهية العقل -وادعى الجهمي إمكان ذلك في حق الله تعالى- لزمه أن يجوز كل الممتنعات التي تناظره.
وكذا ذكر الإمام أحمد في أثناء ردّه على الجهمية لما تكلم على معنى «مع» في القرآن، قال: «فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله عز وجل، أنه مع خلقه في كل شيء، قال: هو غير مماس للشيء ولا مباين منه.
فقلنا للجهمي: إذا كان غير مباين أليس هو مماس؟ قال: لا.
فقلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس للشيء؟ فلم يحسن الجواب.
فقال: بلا كيف، فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، فقلنا له: إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة والنار، والعرش والكرسي والهواء؟ قال: بلى.
قلنا: وأين يكون ربنا؟ قال: يكون في كل شيء، كما كان، حيث كان في الدنيا في كل شيء.
فقلنا: فإن في مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله
جل وعلا».
وقال أيضًا الإمام أحمد: «إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله، حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء، خلقه في نفسه، أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل:
[لا بد له من] واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الخلق والشياطين وإبليس في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر [رديء] وإن قال خلقهم خارجًا من نفسه ثم لم يدخل
فيهم، رجع من قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة».
[فبين] أن كون المخلوق إما داخلًا في الخالق، أو خارجًا منه، تقسيم ضروري، لا بد من القول بأحدهما، وكذلك كون الخالق، إمَّا داخلًا في الخلق أو خارجًا منهم، وأنه إذا كان كذلك، فالقول بدخوله في الخلق أو دخول الخلق فيه ممتنع، فتعين أنه خارج من الخلق والخلق خارجون منه، فقول الإمام أحمد: «إذا كان غير مباين أليس هو مماس؟» استفهام إنكار، يتضمن أن العلم بمباينته إذا لم يكن مماسًا علم ضروري، لا يحتاج إلى دليل، بل ينكر على من نفاه، ولهذا لما نفى الجهمي قال: قلنا فكيف؟ فقال: بلا كيف.
قال: فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، وذلك لأن الصفات السمعية المعلومة بإخبار الرسل عليهم السلام، يقال فيها: بلا كيف، لأنا نحن لم نعلم بعقولنا كيفيتها، لعدم علمنا بذلك.
وكذلك ما علمنا بعقولنا أصله دون كيفيته، حسن أن نقول فيه، بلا كيف «أي: نعلم ثبوت هذا الأمر، ولا نعلم كيفيته، فأراد الجهمي أن يستعمل ذلك فيما علمنا انتفاءه بفطرة عقولنا،
وادعى خلو الموصوف عن النقيضين في المعنى جميعًا، اللذيْن هما ضدان في النفي، كما هما ضدان في الإثبات، فلما قيل له: كيف ذلك؛ أي: كيف يعقل؟ قال: بلا كيف.
وهذا إنما ينخدع به الجهال، اللذين لا يفرقون بين الشيء الذي علمنا انتفاءه، أو لم نعلم ثبوته، إذ ادعى المدعي ثبوته، وقال: بلا كيف.
لم يقبل، وبين الشيء الذي علمنا ثبوته، ولم نعلم كيفيته، إذا قيل له: بلا كيف حقًّا.
ومما يبين ذلك أن خلوه عن هاتين الصفتين، لو كان كما ادعاه الجهمي لكان معلومًا عنده بالعقل، إذ العقل هو الذي دلَّ عنده على هذا السلب، لا يقول إن السمع جاء بذلك، فما كان إنما علم بالعقل فقط، والعقل يحيله، لم يقل فيه بلا كيف كسائر الممتنعات، وهذه السبيل التي حكاها الإمام أحمد عن الجهمية، هي التي سلكها هذا المؤسس وأمثاله، فإنه ادعى فيما ذكره من هذه الحجج العشر، جواز وصف الرب بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وما في ضمن ذلك من أنه لا مماس ولا مباين، ونحو ذلك، مدعيًا أن العلم الإلهي [لا ينفي ذلك و] لم يحسن الجواب أي: لم يكن له جواب يحتج به على
إمكان قوله، وإمكان أن يكون معقولًا، ولهذا لم يكن فيما ذكره «الرازي» حجة على إمكان ما ذكروه في نفسه، ولا إمكان أن يكون معلومًا.
فصل
قيل للإمام الرباني «عبد الله بن المبارك»: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته، على عرشه بائن من خلقه.
وهذا مستفيض عنه تلقاه عن أئمة الهدى بالقبول، كالإمام «أحمد» و «إسحاق بن راهويه» و «البخاري» صاحب
الصحيح، ومن شاء الله من أئمة الإسلام، حتى قال «محمد بن إسحاق بن خزيمة»: من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ثم ألقي في مزبلة، لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملّة، ولا أهل الذمة.
وقد ذكر ذلك عنه «الحاكم أبو عبد الله النيسابوري»
وشيخ الإسلام «أبو عثمان الصابوني» وغيرهما.
فصل
قال «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» في كتابه المشهور «الإبانة» بعد الخطبة: «فصل في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة أما بعد: فإن كثيرًا من الزائغين عن الحق، من المعتزلة وأهل القدر، مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم، تأويلًا لم ينزل الله به سلطانًا ولا أقام به برهانًا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين، وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، تواترت بها الآثار،
وتتابعت بها الأخبار، وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين، وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، ودانوا بخلق القرآن، نظيرًا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) ﴾ [المدثر: 25] [فزعموا أن القرآن كقول البشر] وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرًا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقيْن: أحدهما يخلق الخير [والآخر يخلق الشر، وزعمت القدرية أن الله عز وجل يخلق الخير] والشيطان يخلق الشر، وزعموا أن الله يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافًا لما أجمع عليه المسلمون، من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردًا لقوله عز وجل ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29] فأخبر أنا لا نشاء شيئًا [إلا] وقد شاء الله أن نشاءه، ولقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: 253] ولقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13] ولقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) ﴾ [البروج: 16] ولقوله تعالى مخبرًا عن نبيه «شعيب» أنه قال:
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: 89] ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم، وزعموا أن للخير والشر خالقيْن، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله، كما قالت المجوس، و [زعموا] أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم دون الله، ردًا لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 188] وإعراضًا عن القرآن، وعما أجمع عليه [أهل] الإسلام، وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله تعالى.
فكانوا مجوس هذه الأمة، إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقاويلهم، ومالوا إلى أضاليلهم، وقنطوا الناس من رحمة الله تعالى، وأيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافًا لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 116] وزعموا أن من دخل النار
لا يخرج منها، خلافًا لما جاءت به الرواية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليخرج قومًا بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حممًا».
ودفعوا أن يكون لله وجه، مع قوله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾ [الرحمن: 27] وأنكروا أن يكون لله يدان، مع قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ] [ص: 75] وأنكروا أن يكون له عينان، مع قوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: 14] [ولقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) ﴾ ] [طه: 39] وأنكروا أن يكون لله علم، مع قوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: 166] وأنكروا أن يكون لله قوة، مع قوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾ [الذريات: 58]
ونفوا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا»، وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك جميع أهل البدع؛ من الجهمية والمرجئة والحرورية، وأهل الزيغ فيما ابتدعوا خالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأجمعت عليه الأمة، كفعل المعتزلة والقدرية وأنا أذكر ذلك بابًا بابًا [و] شيئًا شيئًا إن شاء الله وبه المعونة» ثم قال «الأشعري»: «فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية والجهمية، والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي [به] تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له:
قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم، [وعلى جميع أئمة المسلمين] وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاؤوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور،
وأن الله مستوٍ على عرشه، كما قال عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] وأن له وجهًا، كما قال ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾ [الرحمن: 27] وأن له يديْن، بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] وأن له عينيْن بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: 14] وأن من زعم أن أسماء الله غيرُه كان ضالًا، وأن لله علمًا، كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: 166] وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: 47] ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج، ونثبت لله قوة، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15] ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له: كن [فيكون] كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (40) ﴾ [النحل: 40] وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل، وأن أحدًا لا يستطيع شيئًا قبل أن
يفعله ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله، وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله، ومقدرة، كما قال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) ﴾ [الصافات: 96] وأن العباد لا يقدرون يخلقون شيئًا، وهم يخلقون، كما قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3] وكما قال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) ﴾ [النحل: 20] و] كما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: 17] وكما قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) ﴾ [الطور: 35] وهذا في كتاب الله كثير، وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، [كما قال تبارك وتعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) } ] [الأعراف: 178] وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم، حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا [كافرين] كما علم، وخذلهم وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره [وأن نؤمن بقضاء الله وقدره] خيره وشره، وحلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بالله كما قال عز وجل، ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، كما جاءت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه، إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
لَّمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين: 15] وأن موسى [عليه السلام سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا، وأن الله سبحانه وتعالى تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه] لا يراه في الدنيا، وندين بأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كالزنا والسرقة وشرب الخمور، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر، مثل الزنا والسرقة، وما أشبههما، مستحلًا لها غير معتقد لتحريمها، كان كافرًا، ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلَّ إسلام إيمانٌ، وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب، [وأن القلوب] بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، وأنه عز وجل يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندين بأن لا ننزل أحدًا من أهل التوحيد، والمتمسكين بالإيمان، جنة ولا نارًا، إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنَّار معذبين، ونقول: إن الله عز وجل يخرج قومًا من النار بعد أن امتحشوا، بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصديقًا لما
جاءت به الروايات، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وبأن الميزان حق والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله عز وجل يوقف العباد، في الموقف، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم للروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي رواها الثقات، عدلًا عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندين بحب السلف، الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونثني عليهم، بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين، ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، وأن الله أعزَّ به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأن الذين قاتلوه، قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافتهم خلافة النبوة، ونشهد بالجنة للعشرة، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ونتولى سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونكف عما شجر بينهم، وندين الله بأن الأئمة [الأربعة] خلفاء راشدون مهديون، فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي [يـ] ثبتها أهل النقل، من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل.
ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) ﴾ [الفجر: 22] وأن الله عز وجل يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ﴾ [ق: 16] وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) ﴾ [النجم: 8-9] ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات، خلف كل بر وغيره، وكما رُوي أن «عبد الله بن عمر» كان يصلي
خلف الحجاج» وأن المسح على الخفين سنة، في الحضر والسفر، خلافًا لقول من أنكر ذلك، ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، ومساءلتهما المدفونين في قبورهم، ونصدق بحديث المعراج، ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك تفسيرًا، ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرًا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا، وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وموارثتهم، ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات
وقتل فبأجله مات وقتل؛ وأن الأرزاق من قبل الله عز وجل، يرزقها عباده حلالًا وحرامًا، وأن الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه ويتخبطه، خلافًا لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] وكما قال: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) [مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ] ﴾ [الناس: 4-6] ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصّهم الله عز وجل بآيات يظهرها عليهم: وقولنا في أطفال المشركين: «إن الله يؤجج لهم في الآخرة نارًا، ثم يقول لهم: اقتحموها» كما جاءت بذلك الرواية، وندين الله بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم
صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين، ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرنا من قولنا، وما بقي منه، مما لم نذكره بابًا بابًا، وشيئًا شيئًا».
قلت: وهذه الجمل التي ذكرها في الإبانة، هي الجمل التي ذكرها في كتاب «المقالات» عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يقول بذلك، كما تقدم نقل «ابن فورك» لذلك، لكنه في «الإبانة» بسطها بعض البسط، بالتنبيه على مأخذها لأنه كتاب احتجاج لذلك، ليس هو كتاب حجة لنقل مذاهب الناس فقط، وقد تكلم في مسألة الرؤية لله، ومسألة القرآن بما احتج به في ذلك، ثم قال: «باب ذكر الاستواء على العرش، إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟
قيل له: نقول: إن الله عز وجل مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] وقد قال الله عز وجل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] وقال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158] وقال عز وجل: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: 5] وقال حكاية عن فرعون: {يَا هَامَانُ
ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36-37] كذّب موسى عليه السلام في قوله إن الله عز وجل فوق السموات، وقال عز وجل: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: 16] فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات، قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش، الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات، فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: 16] ولم يرد أن القمر يملأهن جميعًا، وأنه فيهن جميعًا، ورأينا المسلمين جميعًا، يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله عز وجل مستو على العرش، الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض» ثم قال: «فصل وقد قال قائلون من
المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى: قول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] إنه: استوى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه، كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى: الاستيلاء -وهو عز وجل مستوْلٍ على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش، وعلى الأرض وعلى السماء، وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله عز وجل مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها، وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان،
فلزمهم أنه في بطن مريم، والحشوش والأخلية، وهذا خلاف لدين الله تعالى عن قولهم» ثم قال: «مسألة: ويقال لهم: إذا لم يكن مستويًا على العرش، بمعنى يختص العرش دون غيره، [كما] قال ذلك أهل العلم، ونقلة الآثار وحملة الأخبار، وكان الله بكل مكان، فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض، فالأرض فوقـ[ـه] والسماء فوق الأرض، وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا: أن الله تحت التحت والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما [هو] فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا المحال المتناقض تعالى الله عن افترائكم علوًا كبيرًا.
دليل آخر: ومما يدل أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه دون الأشياء كلها: ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر».