بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 322-349
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الأول

صفحات 322-349
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

باطلة، ويعتقد أن ربه كذلك.
فالاعتقاد والتوهم، والتخيل الباطل، موجود في جانبي النفي والإثبات، والباطل في جانب النفي أكثر منه في جانب الإثبات؛ ولهذا يوجد من الجهمية النفاة، من يعتقد أن الله هو الوجود المطلق، وأنه وجود الموجودات أنفسها، وأنه بنفسه في كل مكان، وأن وجود الموجودات كلها وجود واحد.
ويقولون بوحدة الوجود [في] الخارج وأنه عين ذلك الوجود، ونحو ذلك من الاعتقادات، التي يقولون: إنها حصلت لهم بالكشف والمشاهدة، وهي خيالات وأوهام باطلة: إما أن لا يكون لها حقيقة في الخارج، أو يكون لها حقيقة، لكن تكون هي أمر مخلوق، لا تكون هي الخالق سبحانه.
وكما يتخيلون ويتوهمون، أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا كذا ولا كذا، مما هو عند أهل العقول السليمة خيالات باطلة، وأوهام فاسدة، لا تنطبق إلا على المعدوم، بل على الممتنع؛ ولهذا يوجد في هؤلاء من يعبد المخلوقات، ومن يعتقد في كثير من المخلوقات، أنه الله،

أضعاف أضعاف ما يوجد في أهل الإثبات، كما قد رأينا وسمعنا من ذلك ما لا يسع هذا المكان ذكر عُشره، فلهذا هم أعظم الناس اختيالًا وتكبرًا، حيث قد يختال أحدهم في نفسه أنه الله ويعظمون فرعون في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ﴾ [النازعات: 24] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] ونحو ذلك من الاختيال الباطل، الذي هو أفسد اختيال وأعظم فرية على الله.
تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وأما إن أراد أنه على خلاف ما يصدق به، ويعتقده ويظنه، ويتوهمه ويتخيله، ويقوله ويصفه، وينعته الأنبياء والمؤمنون به، فهذا باطل، فإن اعتقاد هؤلاء فيه اعتقاد مطابق حق، وإن سمي ظنًّا ونحوه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 45-46] وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) [الحاقة: 19-20] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرًا» وفي صحيح مسلم، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» فمن ظن وتوهم في ربه، أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، كان هذا الظن والتوهم حقًّا، وإن كان الواجب تيقن ذلك، بخلاف من ظن وحسب، أنه لا يسمع سره ونجواه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) ﴾ [الزخرف: 80] وقال: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ

يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) } [الكهف: 104] . بل لفظ الرؤية، وإن كان في الأصل يكون مطابقًا، فقد لا يكون مطابقًا كما في قوله: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8] وقال: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13] . وقد يكون التوهم والتخيل مطابقًا، من وجه دون وجه، فهو حق في مرتبته، وإن لم يكن مماثلًا للحقيقة الخارجة، مثل ما يراه الناس في منامهم.
وقد يرى في اليقظة من جنس ما يراه في منامه، فإنه يرى صورًا وأفعالًا، ويسمع أقولًا، وتلك أمثال مضروبة لحقائق خارجة، كما رأى يوسف سجود الكواكب والشمس والقمر له، فلا ريب أن هذا تمثله وتصوره في نفسه، وكانت حقيقته سجود أبويه وإخوته، كما قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: 100] وكذلك رؤيا الملك، التي عبرها يوسف، حيث رأى السنبل بل والبقر، فتلك رآها متخيلة متمثلة في نفسه، وكانت حقيقتها وتأويلها من الخصب والجدب.
فهذا التمثل والتخيل حق وصدق في مرتبته، بمعنى أن له تأويلًا صحيحًا، يكون مناسبًا له، ومشابهًا له من بعض الوجوه؛ فإن تأويل الرؤيا مبناها على القياس والاعتبار والمشابهة والمناسبة.
ولكن من اعتقد أن ما تمثل في نفسه، وتخيل من الرؤيا، هو مماثل لنفس الموجود في الخارج،

وأن تلك الأمور هي بعينها رآها، فهو مبطل، مثل من يعتقد أن نفس الشمس، التي في السماء والقمر والكواكب انفصلت عن أماكنها وسجدت ليوسف، وأن بقرًا موجودة في الخارج، سبعًا سمانًا أكلت سبعًا عِجَافًا: فهذا باطل.
وإذا كان كذلك، فالإنسان قد يرى ربه في المنام، ويخاطبه.
فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه، مثل ما رأى في المنام؛ فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا، ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده حقًّا، أُتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.
قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة، كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله.
وما زال الصالحون وغيرهم، يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلًا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه؛ إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من

المعتزلة وغيرهم، إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام؛ ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم، نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة، كسائر ما يرى في المنام.
فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها؛ بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه.
وقول من يقول: ما خطر بالبال، أو دار في الخيال فالله بخلافه، ونحو ذلك إذا حمل على مثل هذا كان محملًا صحيحًا، فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور، أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة، لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه ويقظته.
وإن كان ما رآه مناسبًا مشابهًا لها؛ فالله تعالى أجل

وأعظم.
وهؤلاء النفاة من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ونحوهم، يزعمون أن الرسل فيما أخبروا به من صفات الرب، خيلوا ومثلوا، حتى أخرجوا المعقول في مثال المحسوس، وكذلك يقول هؤلاء المتفلسفة أن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، أمثال مضروبة لتفهيم المعاد العقلي، واللذة والألم العقليين، ويقول الفارابي وأمثاله: «إن خاصة الأنبياء جودة التخيل والتخييل» . والكلام على هؤلاء وبيان خطئهم، وضلالهم في هذا التخيل والتوهم، الذي هو غير مطابق له، موضع غير هذا، ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم، على أن المعقول المجرد، يكون له وجود في الخارج، وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات، التي هي أمور كلية، إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان، وأن الخارج لا يكون فيه شيء، مما هو معقول مجرد، وهي الأمور الكلية، إلا أن يراد بالمعقول في قولهم: مثلوا المعقول في صورة المحسوس؛ ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده، فهذا في الحقيقة محسوس موجود، لكن بالحس الباطن، والوجد الباطن، ليس معقولًا محضًا، ولا في تمثل أن الإنسان يحس جوعه، وشبعه ولذته، وألمه، أنه ينتقل حكمه من

الباطن إلى الظاهر، كما ينتقل حكم الحس بالظاهر إلى الباطن، وإذا قدر وجود النفس بغير بدن، فهو يحس بما يجده من لذة وألم، وذلك أمر محسوس لها، وبجنس أسباب ذلك، لا يكون لها معقولًا مجردًا كليًّا، فإن ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد، ولا بد له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقًّا.
ومن المعلوم أن هذا الظن، أن النفس تلذذ بهذه الأمور، دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن، وهو كقول من يقول: إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس، والمشتهى دون المباشرة لحقيقته الخارجة، فقولهم: يمثل المعقول في صورة المحسوس، كلام لا حقيقة له، لكن لو قال: يمثل الغائب، في صورة الشاهد، ويمثل الغيب في صورة الشهادة، كان هذا حقًّا؛ فإن الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به، بالقياس، والتمثيل لما شاهده، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة، ليس في أنفسها مما يحس، بل يعقل عقلًا مجردًا، فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله.
الوجه الخامس والثلاثون: أن يقال: إن الصحابة والتابعين وسائر سلف الأمة وأئمتها، وأئمة أهل الحديث والفقهاء، والصوفية والمتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية والأشعرية،

وغيرهم من طوائف المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم على إثبات هذه الصفات الخبرية، وبقية الصفاتية النفاة لها، في الصفات التي يسمونها الصفات العقلية، كالحياة والعلم والقدرة، لكن من هؤلاء الصفاتية من يجعل تلك الصفات الخبرية، صفات معنوية أيضًا، قائمة بالموصوف مثل هذه، وإنما يفرق بينهما، لافتراق الطريق التي بها عُلِمَتْ، فتلك عُلِمَتْ مع الخبر الصادق بالعقل، وهذه لم تُعْرَف إلا بالخبر.
وأما السلف والأئمة وأهل الحديث، وأئمة الفقهاء والصوفية، وطوائف من أهل الكلام، فلا يقولون: إن هذه من جنس تلك، لا يسمونها أيضًا صفات خبرية؛ لأن من الصفات المعنوية ما لا يُعْلَم إلا بالخبر أيضًا، فليس هذا مميزًا لها عندهم، ومنهم من يقول: هذه معلومة بالعقل أيضًا.
وعلى القولين سواء كانت صفات عينية [أ] ومعنوية: فيقال من المعلوم أن الموجودات في حقنا، إما أجسام كالوجه

واليد، وإما أعراض كالعلم والقدرة، فإذا كان أهل الإثبات متفقين على أن العلم والقدرة كلاهما ثابت لله، على خلاف ما هو ثابت للمخلوق، وإن لم يكن في ذلك نفيًا لحقيقته، ولا تمثيلًا له بالمخلوق، فكذلك إذا قالوا في هذه الصفات: إنا نثبتها على خلاف ما هو ثابت للخلق، أو لا فرق بين ثبوت ما هو عرض فينا، مع كونه غير مماثل للأعراض وبين ما هو جسم فينا مع كونه غير مماثل للأجسام؛ بل يقال: من المعلوم المتفق عليه بين المسلمين، أن الله حي عالم قادر مع كونه ليس من الأحياء العالمين القادرين، بل لا خلاف بين أهل الإثبات أنه موجود، مع كونه ليس مثل سائر الموجودات؛ بل العقل الصريح يقتضي وجود موجود واجب قديم.
ويقتضي بأنه ليس مماثلًا للموجود المحدث الممكن، وإلا للزم أن يجوز على الواجب، ما يجوز على المحدث، فبأوائل العقل يعلم أن من الموجود وجودًا واجبًا، وأنه ليس مثل الموجود الممكن، فالذي يثبتونه في جميع الصفات المعلومة، هو من جنس ما يثبتونه في الذات، وذلك أمر بَيِّن بأدنى تأمل، معلوم بالعقل الصريح؛ فليس المحكي عنهم في ذلك إلا ما اتفق العقلاء على نظيره، وما هو ثابت معلوم بصريح العقل.
وإن قال: بقية الطوائف بينهم نزاع في ذلك، قيل له: والحنابلة أيضًا بينهم نزاع: فمنهم من ينفي هذه الصفات، ويوجب تأويل النصوص، ومنهم من يجوز التأويل،

ولا يوجبه، ومنهم من يفوض معنى النصوص مع نفي، ومنهم من لا يحكم فيها بنفي ولا إثبات.
وهذه المقالات هي الممكنة الموجودة في غيرهم.
وأما قوله: «إنهم يصرحون بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق» فلا ريب أنهم يثبتونه [كذلك] وإلا لزم التمثيل والتشبيه، المنفي بالعقل والشرع، لكنهم لا يقولون نثبت معنى الجوارح والأعضاء، ولكن نثبت المعاني التي دل عليها الكتاب والسنة والإجماع.
قوله: «فأثبتوا لله وجهًا بخلاف وجوه الخلق، ويدًا بخلاف أيدي الخلق، ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال، فإذا عقل إثبات ذلك على خلاف الوهم والخيال، فأي استبعاد في القول بأنه تعالى موجود، وليس بداخل العالم ولا خارج العالم، وإن كان الوهم والخيال قاصرين عن إدراك هذا الموجود» . يقال له: أكثر ما في هذا أنهم أثبتوا ما لا يعلمون حقيقته، لقيام الأدلة الشرعية عليه، وهذا لا محذور فيه، كما أثبتوا ما أخبر به من الجنة والنار، وما فيهما والملائكة وصفاتها، وهم لم يعلموا حقيقة ذلك، فهم عن معرفة حقيقة الخالق أبعد، وأما إثبات ما ليس بداخل العالم ولا خارجه، فإنه ممتنع في الفطرة البديهية، والفرق واضح بين عدم العلم وبين العلم بالعدم، فأين إثبات شيء يعلم على سبيل الجملة ولا تعلم حقيقته على التفصيل، من إثبات شيء يعلم بالبديهة انتفاؤه؟! بل لو علم انتفاؤه بالنظر لم يجز إثباته، فكيف إذا علم بالبديهة ولم يرد بثبوته خبر، ولا نقل ثبوته عن أحد من السلف والأئمة، وأما ما أثبتوه فلم يعلم انتفاؤه، لا ببديهة ولا بنظر، باتفاق عقلاء الطوائف.
والرازي من أقول الناس بذلك، صرح في غير موضع من كتبه، كالمحصل والتفسير وغيرهما، بأنه لا يجوز نفي ما لا يعلم ثبوته من الصفات، وأن الظاهريين من أصحابه ينفون ما لم يقم

دليل على ثبوته وردَّ ذلك، فإن ما لم يقم دليل بثبوته وعدمه لا يجوز نفيه ولا إثباته، وصرح بأن هذه الصفات الخبرية، كالوجه واليد، التي أثبتها الأشعري، وغيره من أصحابه، إنما لم يثبتها لعدم دليل ثبوتها، لا لدليل عدمها، وزعم أن أدلة الشرع لا تثبتها فلا يجوز إثباتها.
وأما ثبوت صفات في نفس الأمر، لم نعلمها فإنه لا ينفي ذلك، ويخطئ من ينفيه.
وهؤلاء يدعون ثبوت صفاته في نفس الأمر، ثم إذا قال أحدهم: إنا لا نعلم كيفيتها أو لا نعلم كنهها وحقيقتها، كان هذا كقوله في الذات، ولو قال أقلهم علمًا إنا لا نعلم معناها، لم يكن عدم علمه بالمعنى، مانعًا من ثبوته في نفس الأمر، فأين عدم العلم بالشيء إلى العلم بعدمه.
وهذا الذي ذكره عن ظاهريي أصحابه -هو وإن كان قول أبي المعالي الجويني وغيره، وقد نقل الإجماع فيه، وهو مما يقوله أبو الوفاء بن عقيل ونحوه- فالصواب هو الذي ذكره أبو عبد الله الرازي، وهو الذي عليه المحققون، وهو أحد قولي ابن عقيل؛ بل هو آخر قوليه كما هو في الكفاية

[حيث قال] : «فصل عجيب يخفى على كثير من الأصوليين، وذلك أنه كما لا يجوز الإغراق في الإثبات مجاوزة لما أثبته الشرع ودل عليه، كذلك لا يجوز الإغراق في النفي، ولا الإقدام على نفي شيء عن الله إلا بدليل؛ لأن النفي أيضًا، لا يؤمن معه إزالة ما وجب له سبحانه.
فالنفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فكما أن إثبات ما لا يجب له كفر، فنفي ما يجوز عليه خطأ وفسق، ومثال ذلك أن يغرق هؤلاء الخطباء والقصاص، في نفي النقائص عنه، ثم يدرجون فيها نفي ما وردت به السنن، ويقولون ليس بفوق، ولا تحت، ولا يدرك، ولا يعلم، ولا يعرف، ولا، ولا.
فربما ساقوا في نفيهم نفي صفة وردت بها السنة» . قلت: وهذا هو الصواب عند السلف والأئمة وجماهير المسلمين، أنه لا يجوز النفي إلا بدليل كالإثبات، فكيف ينفي بلا دليل، ما دل عليه دليل؛ إما قَطعي، وإما ظاهري؟! بل كيف يقال: ما لم يقم دليل قطعي على ثبوته من الصفات، يجب نفيه، أو يجب القطع بنفيه، ثم يقال في القطعي: إنه ليس بقطعي؟

فهذه المقدمات الفاسدة، هي وسائل الجهل والتعطيل وتكذيب المرسلين؛ وإنما اعتمد على ذلك أبو المعالي لما خالف أئمته في إثبات صفة اليد وغيرها، فقا [ل] في «الإرشاد» : «فصل ذهب أئمتنا إلى أن اليدين، والعينين والوجه، صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع، دون قضية العقل» قال: «والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود» قال صاحبه أبو القاسم، النيسابوري، الأنصاري، شارح «الإرشاد» شيخ أبي الفتح الشهرستاني، صاحب «الملل والنحل»

و «نهاية الإقدام» وغيرهما: «هذا ما قاله الإمام.
واعلم أن مذهب شيخنا أبي الحسن أن اليدين صفتان، ثابتتان، زائدتان، على وجود الإله سبحانه ونحوه، قالـ[ـه] عبد الله بن سعيد، ومال القاضي أبو بكر في «الهداية» إلى هذا المذهب» . قلت: هو قول القاضي في جميع كتبه «كالتمهيد» و «الإبانة» وغيرهما.
قال أبو القاسم النيسابوري: «وفي كلام الأستاذ أبي إسحاق، ما يدل على أن التثنية في اليدين، ترجع إلى اللفظ لا إلى الصفة، وهو مذهب أبي العباس القلانسي، قال الأستاذ: أما العينان فعبارة عن البصر، وكان في العقل ما يدل عليه، وأما اليد والوجه، فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليهما، قال قائلون: قد كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين، يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق، وبالأخرى الاختيار بالتقريب في التكليم والإفهام، لكنه لم يكن في العقل دليل على تسميته، فورد الشرع ببيانها، يسمي الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق

يدًا، والصفة التي يقع التقريب في التكليم وجهًا، وقالوا: لما صح في العقل، التفضيل في الخلق والفعل بالمباشرة، والإكرام، والتقريب بالإقبال، وجب إثبات صفة له سبحانه، يصح بها ما قلناه من غير مباشرة ولا محاذاة، فورد الشرع بتسمية إحداهما يدًا، والأخرى وجهًا، ومن سلك هذه الطريق، قال: لم يكن في العقل جواز، ورود السمع بأكثر منه، وما زاد عليه من جهة الأخبار، فطريقة الآحاد التي لا توجب العلم، ولا يجوز بمثلها إثبات صفة القدم، وإن ثبت منها شيء بطريق يوجب العلم، كان متأولًا على الفعل» . قال: «وقال آخرون طريق إثباتها السمع المحض، ولم يكن للعقول فيه تأثير فإذا قيل لهم: لو جاز ورود السمع، بإثبات صفات لا يدل العقل عليها، لم يأمن أن يكون لله صفات، لم يرد الشرع بها، ولا صارت معلومة، ووجب على القائل بذلك جواز ورود السمع بصفات الإنسان أجمع لله تعالى؛ إذ لم تكن واحدة منها شبيهة بصفته.
كان جوابهم أن يقولوا: لما أخبر الله المؤمنين بصفاته الكاملة له، حكم لهم بالإيمان بكماله عند المعرفة بها، لم يجز أن يكون له صفة أخرى لا طريق إلى معرفتها، لاستحالة أن يكون المؤمن مؤمنًا يستحق المدح، إذا

لم يكن عارفًا بالله معنى وبصفاته أجمع، فلما وصفهم بالإيمان، عند معرفتهم لما ورد من الشرع، ثبت أنه لا صفة أكثر مما بين الطريق إليه بالعقل والشرع.
قال الأستاذ أبو إسحاق: والتعويل على الجواب الأول، فإن فيه الكشف عن المعنى.
قال أبو المعالي: «فمن أثبت هذه الصفات السمعية، وصار إلى أنها زائدة على ما دلت عليه دلالات العقول، استدل بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] » وذكر أنهم قرروا ذلك بتخصيص آدم بالخلق، وبأنه ثنى اللفظ، وكلاهما يمنع من حمله على القدرة، وتكلم على ذلك إلى أن قال: «والذي يحقق ما قلناه، أن الذي ذكره شيخنا أبو الحسن والقاضي، ليس يوصل إلى القطع بإثبات صفتين زائدتين، على ما عداهما من الصفات، ونحن وإن لم ننكر في قضية العقل صفة سمعية، لا يدل مقتضى العقل عليها، وإنما يتوصل إليها سمعًا، فبشرط أن يكون السمع مقطوعًا به، وليس فيما استدل به الأصحاب قطع، والظواهر المحتملة لا توجب العلم، وأجمع المسلمون، على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل أو سمع، وليس في اليدين، على ما قاله شيخنا، نص لا يحتمل التأويل، ولا إجماع، [وإنما في

ذلك أدلة] عقلية، فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه يعني القدرة، والظاهر من لفظ يدين، حملهما على جارحتين، فإن استحال حملهما على ذلك، ومنع من حملهما على القدرة، أو النعمة، أو الملك، فالقول بأنها محمولة على صفتين، قديمتين لله، زائدتين على ما عداهما من الصفات، تحكم محض» . قال أبو المعالي: «وأما العينان، والوجه، فقد اختلف جواب شيخنا أبي الحسن في ذلك، فقال مرة: هما صفتان على نحو ما قال في اليدين، وقال مرة: العينان محمولتان على البصر، وهذا أظهر قوليه.
وعليه حمل الأعين، في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: 14] أي تجري السفينة؛ بمرآى منا، وقيل: بحفظنا، وحمل الوجه على وجود الباري، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27] والباقي بعد فناء الخلق هو الله.
قال أبو المعالي: وهذا هو الصحيح من جوابيه عندنا، وإنما اختلف جوابه، من حيث كان التعليق بالظاهر في اليدين أظهر» . قال أبو القاسم النيسابوري: «وقول أبي الحسن: في أن الوجه صفة زائدة، على الوجود أظهر، وقوله في العينين: أن المراد بذلك البصر أظهر.
قال أبو المعالي: «ومن سوغ من أصحابنا إثبات الصفات بظواهر هذه الآيات، ألزمه بثبوت كلامه أن يجعل الاستواء، والنزول والجنب من الصفات، تمسكًا بالظاهر، وإن لم يبعد تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضًا طريق التأويل، فيما ذكرناه» قال أبو القاسم: «هذا ما قاله الإمام» . وقد رأيت في بعض كتب الأستاذ أبي إسحاق قال: ومما ثبت من الصفات بالشرع، الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة، بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) ﴾ [الفجر: 22] ومما ثبت بالأخبار الصحيحة «النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة» وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» «ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا» الحديث قال: وأجمع أهل النقل، على قبول هذين الخبرين، وما هذا وصفه، كان موجبًا للعمل وقبولًا في مسائل القطع.
هذا ما ذكره الأستاذ في هذا الكتاب» . قال أبو القاسم: «ولا نظن بالأستاذ أبي إسحاق، أنه اعتقد أن النزول والمجيء والإتيان من صفات ذات الإله

سبحانه؛ فإنه سبحانه لا يوصف بهذه الأوصاف في أزله، ويستحيل قيام حادث بذاته.
فما حكيناه عنه أنه قال: ومما يثبت في الصفات بالسمع كذا، وكذا.
فيحتمل أنه أراد بذلك صفات الأفعال، ويحتمل أنه أراد به الصفات الخبرية، التي لا بيان لها أكثر مما ورد به الخبر» . قال: «وقال الأستاذ أبو بكر -يعني ابن فورك-: من أصحابنا من قال: الاستواء وصف خبري، لا مجال للعقل فيه، وكذلك الفوقية، والواجب أن يتوقف في ذلك [إلى] أن يرد بمعناه خبر، قال: وهذا مذهب أئمة السلف، وقد روي عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء ثابت بلا كيف، وهذا قول مالك بن أنس، والأوزاعي، وغيرهما من الأئمة، وحكى شيخنا

أبو الحسن قولين لأصحابنا في الاستواء أحدهما: [أنه] من صفات الذات.
والثاني: أنه من صفات الأفعال.
فمن صار إلى أنه من صفات الذات اختلفوا فيه، فصار الأكثرون منهم، إلى أن الاستواء على العرش، هو العلو عليه من جهة القهر، والغلبة، والانفراد بنعوت الجلال، وهذا المعنى وإن كان مدركًا بالعقل ولكن تسميته بالاستواء مستقاة من الخبر.
قال أبو الحسن: من قال الاستواء صفة الذات فإنه سَمَّى الله به، حين خلق العرش، لأجل أن الاستواء يقتضي [تقريبه] إليه [ليـ]ـستوي عليه، ولم يكن في الأزل غير الله، فلم تكن تسميته به.
قال: وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: ويمكن أن يقال: لم يزل كانت له صفة الاستواء مطلقًا، بمعنى أنه على صفة يصح بها الاستواء على العرش إذا خلقه، كما يقول لم يزل الله قادرًا، وإن كان تعلق القدرة بالأحداث، يختص بحال الحدوث، وصار آخرون إلى أن الاستواء صفة خبرية يتوقف معناها إلى أن يرد خبر ببيانها» .

قلت: ما نقله من لفظ الأشعري فمعروف، وما فسره.
قال: «وقال الإمام -يعني أبا المعالي- وكنا على الإضراب عن الكلام على الظواهر، فإذا عرض فنشير إلى جمل منها في الكتاب والسنة، وقد صرح بالاسترواح إليها المجسمة وأصحاب الظواهر» قال: «وأجمع المسلمون، على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل، لا يتوصل فيها إلى قطع بعقل أو سمع.
قال وأجمع المحققون، على أن الظواهر يصح تخصيصها، أو تركها بما لا يقطع به، من أخبار الآحاد والأقيسة، وما يترك مما لا يقطع به، كيف يقطع به؟» . قلت: هذا الإجماع الذي ذكره أبو المعالي مرتين، هو الذي ذكره أبو عبد الله الرازي وغيره عن الظاهري من أصحابه وبين أنه فاسد، والذي قاله الرازي هو الذي عليه جماهير الناس، من المتقدمين والمتأخرين، قد صرح أئمة السلف بذلك وإن ما لم يعلم ثبوته، ولا انتفاؤه من الصفات، لا ننفيه ولا نثبته.

والإجماع الذي ذكره أبو المعالي لا أصل له؛ بل لم يقل ما ادعى فيه الإجماع أحد من أئمة المسلمين، لا من الفقهاء ولا أهل الحديث ولا السلف، وإنما قال هذا ابتداء من قاله من المعتزلة، واتبعهم على ذلك طائفة، ممن احتذى حذوهم في الكلام، من الأشعرية وغيرهم؛ وذلك لأن من أصلهم أنهم يقولون: إنهم عرفوا الله حق معرفته، وعرفوا حقيقة ذاته، فعلموا ما يوصف به نفيًا وإثباتًا.
فلو جوزوا أن يكون له صفة لا يعلمون نفيها، ولا إثباتها بطل هذا الأصل.
وهذا الأصل قد خالفهم فيه أبو المعالي، كما خالفهم فيه أئمته، وضرار بن عمر، وهم المخالفون فيه لسلف الأمة وأئمتها، وسائر أئمة العلم والدين، وقد حكينا ذلك في غير هذا الموضع، وأن أبا المعالي قال: «لا شك في ثبوت وجوده سبحانه، فأما الموجود [المرسل] من غير اختصاص بصفة تميزه عن غيره فمحال» قال: «ولكن ليس تتطرق إليها العقول، ولا هي علم هجمي، ولا علم مبحوث عنه، غير أنا لا نقول: إن حقيقة الإله لا يصح العلم بها؛ فإنه سبحانه يعلم حقيقة نفسه.
وليس للمقدور الممكن، من مزايا العقول عندنا، موقف ينتهي إليه، ولا يمتنع في قضية العقل مزية، لو وجدت لا قتضت العلم بحقيقة الإله» . وقد تقدم أن هذا قول أئمة أصحابه، كالقاضي وغيره، وهذا تصريح منه بأن لله صفة تميزه عن غيره لا تعلم بالعقول لا بضرورة ولا نظر، وصرح بإمكان علمنا بها إذا أعطينا مزية نعلمها بها، وقد حكى هو عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال: «حقيقة الإله صفة تامة، اقتضت له التنزه عن مناسبة الحدثان» وذكر عن القاضي أبي بكر، أنه ذكر مذهب ضرار، أن لله مائية لا يعلمها في وقتنا إلا هو وأن القاضي قال: «لا بعد عندي فيما قاله ضرار؛ فإن الرب يخالف خلقه بأخص صفاته، فيعلم على الجملة اختصاص الرب سبحانه بصفة يخالف بها خلقه، ولا سبيل إلى صرف الأخص إلى الوجود والقدم، ولا شك في امتناع صرفها إلى الصفات الحقيقية» وأن القاضي تردد في أن الذين يرون الله سبحانه في الدار الآخرة، هل يعلمون تلك الصفة، التي يسميها أخص وصفه وسماها ضرار مائية؟

وذكر عن طائفة من الكرامية، أنهم أثبتوا لله مائية وكيفية.
فقد يقال: إذا كان أبو المعالي، قد أوجب ثبوت صفة لله، يمتنع علمنا بها الآن، كيف يصح أن يقال علمنا جميع ما يثبت له وينفى عنه من الصفات، وإذا كان قول طوائف بثبوت صفات له لا تعلم، وتجويز ذلك، كيف يحكي إجماع المسلمين على خلاف ذلك.
هذا تناقض منه في كتبه.
وقد يُقال: لم يتناقض، لأن الذي نفاه بالإجماع، تقدير صفة مجتهد فيها، لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل أو سمع، وهو هنا قاطع بما أثبته، لا مجوز له فلا تناقض.
وقد يقال: بل إذا وجب إثبات حقيقة لا تعرف، لم يمتنع أن يكون لتلك الحقيقة صفة لا تعرف، فالجزم بنفي ذلك مع الجزم بثبوت تلك الحقيقة تناقض، وسواء كان تناقضًا، أو لم يكن تناقضًا فبطلان هذا الإجماع الذي ادعاه ظاهر، لكل من له من العلم أدنى نظر، وإنما هو كثير الاستغراق، في كلام المعتزلة وأتباعهم، قليل المعرفة والعناية بكلام السلف، والأئمة، وسائر طوائف الإسلام، من أهل الفقه والحديث والتصوف، وفرق المتكلمين أيضًا فحكى الإجماع، كما يحكي أمثال هذه الإجماعات الباطلة، أمثال هؤلاء المتكلمين، ولو كان الأمر كما ادعاه، فدعواه أن دلالة القرآن، والأخبار على ذلك،

ليست قطعية، يخالفه في هذه الدعوى أئمة السلف، وأهل الحديث والفقه والتصوف، وطوائف من أهل الكلام من أصحابه وغيرهم؛ فإن عندهم دلالة النصوص على ذلك قطعية.
وأما الأخبار، فمذهب أكثر أصحابه، أنها إذا تلقيت بالقبول أفادت العلم، كما تقدم ذكرهم لذلك عن الأستاذ أبي إسحاق، وهو الذي ذكره أبو بكر ابن فورك، وهو معنى ما ذكره الأشعري في كتبه، عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه قوله، وأن الإيمان بموجب هذه الأخبار واجب.
وإذا كان يمكن أن يكون له صفات لا تعلم بمجرد العقل، وكان كثير من المثبتين لهذه الصفات الخبرية، من أئمته، ومن الحنبلية، وغيرهم يثبتون ما لا يعلمون معناه، أو ما لا يعلمون حقيقته، ولم يثبتوا ما يعلمون انتفاءه، ظهر ما تقدم من الجواب، من الفرق بين ما يعلم امتناعه، وهو وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وبينه ما لا تعلم حقيقته، كهذه الصفات عند هؤلاء.
الوجه السادس والثلاثون: أن ما أثبتوه من الصفات، جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد تقول طوائف: إن العقل أيضًا يوجب ثبوت أصل هذه الصفات وإن لم يثبتها مفصلة، كما أنه في العلو يعلم علوه، لكن لا يعلم

[كيفيته] وما نفوه من كون الخالق ليس داخل العالم، ولا خارجه، جاء فيه الإثبات [في] الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، مع حكم العقل الصريح به، فهم في كلا الموضعين آمنوا بالله وكتبه ورسله، وأقروا ما شهدت به الفطرة، وما علمه العقل الصريح، وأقروا بموجب السمع والعقل، ولم يكونوا من أصحاب النار الذين يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾ [الملك: 10] فأين هذا ممن خالف صريح العقل، بإثبات موجود لا داخل العالم، ولا خارجه، وخالف مع ذلك الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ونفي مع ذلك الصفات التي أثبتتها النصوص المتواترة، والإجماع السلفي، وعلم فساد نقيضها بالعقل الصريح أيضًا، بأن الله لا مثل له، وأن حقيقته مخالفة لحقيقة العالم؟! كما أنه قد يحصل العلم بأنه ليس مماثلًا للخلق، بل مخالف له، قبل العلم بأنه مباين للعالم، ممتاز عنه منفرد؛ فإن «باب الكيف» غير «باب الكم» و «باب الصفة» غير «باب القدر» . وإذا كانت

المباينة بالقدر، والجهة تعلم بدون هذه، علم أنها أيضًا ثابتة، وإن كانت تلك أيضًا ثابتة، وأنه مباين للخلق بالوجهين جميعًا؛ بل المباينة بالجهة والقدر أكمل، فإنها تكون لما يقوم بنفسه، كما تكون لما يقوم بغيره؛ لأن عدم قيامه بنفسه، يمنع أن يكون له قدر، وحيز وجهة، على سبيل الاستقلال ومن هنا تبينا: الوجه السابع والثلاثون: وهو أن من المعلوم، أن

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل