الجزء الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
في محاجة الكافر حين قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] الآية: لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم والله ليس بجسم، لأن كل جسم محدث، كما يقول الأشعرية وكذلك كان يكتفي بذلك موسى عليه السلام، عند محاجته لفرعون في دعواه الإلهية، وكذلك كان يكتفي صلى الله عليه وسلم في أمر الدجال، في إرشاد المؤمنين إلى كل ما يدعيه من الربوبية، في أنه جسم والله ليس بجسم، بل قال عليه السلام: «إن بكم ليس بأعور» فاكتفى
في الدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة، التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه.
فهذه كلها كما ترى بدع حادثة في الإسلام، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق، التي أنبأنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أنها ستفترق أمته إليها.
فإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور، لا بأنه جسم ولا بأنه غير جسم، فما عسى أن يجابوا به في جواب «ما هو» ؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس يقدر أن ينفك عنه، ولذلك ليس يقنع الجمهور، أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به أنه لا ماهية له، لأنه ما لا ماهية له لا ذات له؟
قلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم: إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه
العزيز على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35] وبهذا الوصف وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت فإنه جاء أنه قيل له عليه السلام: «هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه» [و] في حديث الإسراء أنه لما قرب صلى الله عليه وسلم من سدرة المنتهى، غشى السدرة من النور، ما حجب بصره عن النظر إليها، أو إليه سبحانه، ففي مسلم «إن لله حجابًا من نور لو كشف لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره» وفي بعض روايات هذا الحديث «سبعين حجابًا من نور» . وينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه، لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الأوهام، مع أنه ليس بجسم والموجود عند الجمهور، إنما هو المحسوس، والمعدوم عندهم هو غير
المحسوس.
والنور لما كان أشرف المحسوسات وجب أن يُمثل به أشرف الموجودات.
وهنا أيضًا سبب آخر موجب أن يسمى به نورًا.
وذلك أن حال وجوده في عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل، هي حال الأبصار عند النظر إلى الشمس بل حال عيون الخفافيش، وكان هذا الوصف لائقًا عند الصنفين من الناس.
وأيضًا فإن الله تبارك وتعالى لما كان سبب الموجودات، وسبب إدراكنا لها، وكان النور مع الألوان هذه صفته -أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل، وسبب رؤيتنا له- فالحق ما سمى الله تبارك وتعالى نفسه نورًا.
وإذا قيل: إنه نور لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد.
فقد تبين لك في هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه الشريعة في هذه الصفة، وما حدث في ذلك من البدعة، وإنما سكت الشرع عن هذه
الصفة، لأنه لا يعترف بموجود في الغائب ليس بجسم، إلا من أدرك ببرهان أن في المشاهد بهذه الصفة -وهي النفس- ولما كان الوقوف على معرفة هذا المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور، لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم، فلما حجبوا عن معرفة النفس، علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري سبحانه وتعالى» .
قلت: وقد تبين في هذا الكلام أنه في الباطن يرى رأي الفلاسفة في النفس أنها ليست بجسم، وكذلك في الباري؛ غير أنه يمنع أن يخاطب الجمهور بهذه؛ لأنه ممتنع في عقولهم، فضرب لهم أحسن الأمثال وأقربها، كما ذكره في اسم النور، وهذا قول أئمة الفلاسفة في أمثال هذا، من الإيمان بالله واليوم الآخر، وقد بين بالحجج الواضحة أن ما يذكره المتكلمون في النفي مخالف للشريعة، وهو مصيب في هذا باطنًا وظاهرًا، وقد بين أن ما يذكره المتكلمون في نفي الجسم على الله بحجج ضعيفة، وبين فسادها، وذكر أن ذلك إنما يعلم إذا علم أن النفس ليست جسمًا.
ومعلوم أن هذا الذي يشير إليه، هو وأمثاله من المتفلسفة، أضعف مما عابه على المتكلمين: فإن المتكلمين أفسدوا حججهم هذه أعظم مما أفسدوا به حجج المتكلمين.
فيؤخذ من تحقيق الطائفتين بطلان حجج الفريقين على نفي الجسم، مع أن دعوى الفلاسفة أن النفس ليست بجسم، ولا توصف بحركة ولاسكون ولا دخول ولا خروج، وأنه لا يحس إلا بالتصور لا غير، يظهر بطلانه، وكذلك قولهم في الملائكة.
وظهور بطلان قول هؤلاء أعظم من ظهور بطلان قول المتكلمين بنحو ذلك في الرب.
ثم قال القول في «الجهة» : «وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعها على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] ومثل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255] ومثل قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) ﴾ [الحاقة: 17] ومثل قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ﴾ [السجدة: 5] ومثل قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 4] الآية، ومثل قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) } [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا.
وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء.
وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قرب من سدرة المنتهى، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك.
والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها، هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم؛ فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة، وبهذا نقول» .
فصل قال الرازي: «وأما «الحنابلة» الذين التزموا الأجزاء والأبعاض» . فيقال: إن أردت بهذا الكلام أنهم وصفوه بلفظ الأجزاء والأبعاض، وأطلقوا ذلك عليه من غير نفي للمعنى الباطل، وقالوا إنه يتجزأ أو يتبعض، وينفصل بعضه عن بعض، فهذا ما يعلم أحد من الحنابلة يقوله، هم مصرحون [بنفي ذلك] وإن أردت إطلاق لفظ البعض على صفاته في الجملة -فهذا ليس مشهورًا عنهم، لا سيما الحنابلة أكثر اتباعًا لألفاظ القرآن والحديث من الكرامية ومن الأشعرية (بإثبات لفظ الجسم من الحنابلة) - فهذا مأثور عن الصحابة والتابعين، والحنبلية وغيرهم متنازعون في إطلاق هذا اللفظ كما سنذكره إن شاء الله، وليس للحنبلية في هذا اختصاص، ليس لهم قول في النفي والإثبات إلا وهو وما أبلغ منه موجود في عامة الطوائف وغيرهم، إذ هم لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث والائتمام بمن كان بالسنة أعلم، أبعد عن الأقوال
المتطرفة في النفي والإثبات، وإن كان في أقوال بعضهم غلط في النفي والإثبات فهو أقرب من الغلط الموجود من الطرفين في سائر الطوائف الذين هم دونهم في العلم بالسنة والاتباع.
وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية، مثل: الوجه واليد، وذلك يقتضي تجزئة التبعيض، أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسمًا، والجسم متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا هو جسم.
فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها.
وفي الجملة فإثبات هذه الصفات هو مذهب الصفاتية من جميع طوائف الأمة مثل الكلابية وأئمة الأشعرية، وهو مذهب الكرامية.
ومن المعلوم أن بين إثبات الأشعرية ونحوهم له، وبين إثبات بعض الكرامية ونحوهم له فرقًا.
وكثير منهم ينفي ذلك، ومنهم من لا ينفيه ولا يثبته، ومنهم من أثبت ما جاء.
وهذا إمام طائفته أبي الحسن الأشعري، وهو من أعلم الناس بمقالات أهل الكلام، قد ذكر في غير موضع من كتبه، أن هذا
مذهب أهل السنة والحديث، وقال: «إنه به يقول» . كما قد ذكرنا لفظه في غير هذا الموضع، وهذه الكتب التي صنفها مصنفوهم كأبي الحسن التميمي وأهل بيته، والقاضي أبي يعلى، وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني
وذكروا فيها ما جرت عادة المتكلمة الصفاتية بذكره، كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأمثالهما من إثبات الصفات، ونفي التجسيم، قد بينوا فيها ذلك، كما بينه هؤلاء، ونحوهم في هذه الصفات العينية الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما.
ومن أشهر مصنفيهم في ذلك أبو الحسن بن الزاغوني قال في كتابه «الإيضاح في أصول الدين» : «فصل وقد وصف الباري نفسه في القرآن بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾ [الرحمن: 27] وأمثال ذلك في الكتاب والسنة، ويراد بذلك إثبات صفة تختص باسم يزيد على قولنا: ذات.
وذهبت المعتزلة إلى أن المراد بالوجه الذات، فأما صفة زائدة على ذلك فلا» ولم يذكر خلافًا مع الأشعرية، لأن المشهور عنهم إثبات هذه الصفة.
قال: «والدلالة على ذلك أنه قد ثبت في عرف الناس، وعاداتهم في الخطاب العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة، أن تسمية الوجه في أي محل وقع، في الحقيقة والمجاز، يزيد على قولنا: ذات، وأما في الحيوان، فذلك مشهور حقيقة لا يمكن
دفعه، ولا يسوغ فيه غير ذلك، وأما في مقامات المجاز فكذلك أيضًا؛ لأنه يقال: فلان وجه القوم.
لا يراد به ذات القوم، إذ ذوات القوم غيره قطعًا ويقينًا، ويقال: هذا وجه الثوب.
لما هو أجوده، ويقال: هذا وجه الرأي.
أي أصحه وأقومه، وأتيت بالخبر على وجهه أي على حقيقته.
إلى أمثال ذلك مما يقال فيه الوجه، فإذا كان هذا هو المستقر في اللغة، وجب حمل هذه الصفة في حق الباري تعالى على ظاهر ما وضعت له، وهو الصفة الزائدة على تسمية قولنا: ذات، وهذا جلي واضح» .
قال: «وتمهيد هذا الكلام وتقريره، أنه لا يجوز أن يقال بوجه الله على ما قيل في وجه القوم أنه سيدهم، والمعرب عنهم، والمشار إليه دونهم، لأن ذلك يقتضي بمثله في حق الله أن يقال: سيد الله، والمشار إليه، وهذا في حقه محال، ولا يجوز أن يراد به ما أريد من قولهم هذا وجه الثوب أي: أحسنه وأجوده لما ذكرنا أيضًا، ولأنه لا يجوز أن يضاف إلى ذاته ولا إلى غيره، لأنه تعالى ليس موصوفًا بالحسن والجودة.
ولا يجوز أن يراد به ما أريد بأنه وجه الرأي أنه صوابه، لأنه لا يعبر بذات الله عن الصدق في الخبر والصحة في الرأي.
فإذا بطلت هذه الأقسام وجب أن تحمل على إثبات صفة هي الوجه التي يستحقها الحي.
قالوا: إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر، وبطل أن يراد بها إلا الوجه، الذي هو صفة يستحقها الحي، فالوجه الذي يستحقه الحي، وجه هو عضو وجارحة، يشتمل على كمية تدل على الجزئية، وصورة تثبت الكيفية، فإن كل ظاهر الأوصاف عندكم إثبات صفة تفارق في الماهية، وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه.
وقد ثبت بالدليل الجلي، إبطال قول المجسمة والمشبهة، وما يؤدي إلى مثل قولهم فهو باطل.
قلنا: الظاهر ما كان متلقى في اللفظ على طريق المقتضي، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم.
حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك، عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية، وهذا كما نقول في ألفاظ الجموع
وأمثالها: إن ظاهر اللفظ يقتضي العموم والاستغراق، وكما نقوله في الأمر: إن ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضي الوجوب، إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه إلى الظاهر في المتعارف.
فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مِرْية على ما بينا أن الظاهر في إثبات صفة هو إذا أضيف إلى مكان أريد بها الحقيقة، أو أريد بها المجاز، فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع، أن المراد بها جميع الذات، التي هي مقولة عليها، وهذا مما لا نزاع فيه.
والمقصود بهذا إبطال التأويل، الذي يدعيه الخصم، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون صفة خاصة، بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات، ولا وضعت لها لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز.
فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي، ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية وكيفية.
فهذا لا يلزم: من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث، لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات، فيما ثبت للذات من الماهية المركبة، بكمياتها وكيفياتها وصورها،
وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات، فكانت الصفة مساوية للذات في موضوعها، بطريق أنها منها، ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى البارئ تعالى، فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه، أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية، ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا، والله يتنزه عن ذلك.
ولو جاز لقائل أن يقول: ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك من صفات الذات، لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها، بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات، لكان
من الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك، فإن العلم في الشاهد عرض، قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق البارئ، لأنه مخالف للشاهد في الذاتية وغير مشارك في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا الكلام واضح جلي.
وأما قولهم: إن أردتم إثبات صفة تقارب الشاهد، فيما يستحق مثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه.
فنقول لهم: المقاربة تقع على وجهين: أحدهما: مقاربة في الاستحقاق لسبب موجبه التمام والكمال، وتنفي النقص.
الثاني: مقاربة في الاستحقاق لسبب تقتضيه الحاجة ويوجبه الحس، ومحال أن يراد به الثاني؛ لأن الله تعالى قد ثبت أنه غني غير محتاج، ولا يوصف بأنه يحتاج إلى الإحساس؛ لما في ذلك من النقص.
فيبقى الأول، وصار هذا كإثبات الصفات الموجبة للكمال ودفع النقص.
وأما قولهم: إن ذلك يوجب إثبات الجوارح والأعضاء.
فليس بصحيح من جهة أنه يكتسب بها، ما لولا ثبوتها له لعدم الاكتساب له مع كونه محتاجًا إليه؛ ولهذا سميت الحيوانات المصيودة، كسباع الطير والبهائم جوارح، لأنها تكتسب
الصيود، والبارئ مستغن عن الاكتساب، فلا يتصور استحقاقه لتسميته جارحة، مع عدم السبب الموجب للتسمية.
فأما تسمية الأعضاء، فإنها تثبت في حق الحيوان المحدث، لما تعينت له من الصفات الزائدة على تسمية الذات، لأن العضو عبارة عن الجزء؛ ولهذا نقول: عضيته.
أي جزيته وقسمته، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) ﴾ [الحجر: 91] أي: قسموه فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فإذا كان العضو إنما هو مأخوذ من هذا، فالبارئ تعالى ليس بذي أجزاء يدخلها الجمع، وتقبل التفرقة والتجزئة، فامتنع أن يستحق ما يسمى عضوًا، فإذا ارتفع هذا بقي أنه تعالى ذاته لا تشبه الذوات، مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما تستحقه، فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف، تُلقيَ في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له مثل ما يستحقه، ولا يعدل به عن حقيقة الوصف، إذ ذاته تعالى قابلة للصفات، وهذا واضح بَيِّن لمن تأمله» .
فهذا لفظه ولفظ أمثاله من المصنفين على هذا الوجه.
وقال أيضًا.
بعد ذلك:
«فصل وقد وصف البارئ نفسه في القرآن باليدين، بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] قال: «وهذه الآية تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين» . قال: «وذهبت المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعمتين، وذهبت طائفة منهم إلى أن المراد باليدين هاهنا القدرة» . قال: «والدلالة على كونهما صفتين ذاتيتين، تزيدان على النعمة وعلى القدرة، أنا نقول: القرآن نزل بلغة العرب، واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم، المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف، لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها، مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا، ولهذا يقولون: لفلان عندي يد.
فيراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة اليد، وإنما فهم ذلك بإضافة اليد إلى قوله «عندي» ويقول ذلك وبينهما من
البعد والحوائل، ما لو أراد اليد الحقيقية لكان كاذبًا: ولهذا لو كان بحيث أن يكون عنده يده الحقيقية، وهو أن يكونا متماسكين في الاجتماع ويحيط بهما ثوب، أو على صفة يمكن إدخال يده إلى باطن ثوبه، فقال حينئذ: لفلان عندي يد.
لا يصرف القول فيه [غير] ، إلى اليد الحقيقية: لأن شاهد الحال قد قطع عمل القرينة.
والإطلاق في التعارف، أكثر من شاهد الحال في القرب، من جهة أنه يجوز أن يتجوز به للقرينة، لكن على من شاهد الحال [لاغية] عليه، بما لإطلاقه ذلك أحق وأولى.
وكذلك القول في التعبير باليد عن القدرة، إنما يثبت ذلك بقرينة، وهو أن يقول: لفلان علي يد.
فقوله: «علي» قرينة تدل على أن المراد باليد القدرة، وهي أيضًا مع شاهد الحال لاغية على ما قدمنا في النعمة، وهذا جلي واضح.
ودليل آخر، وهو أنا إذا تأملنا المراد بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] امتنع فيه أن يكون المراد به النعمة والقدرة، وذلك أن الله تعالى أراد تفضيل آدم على إبليس، حيث افتخر عليه إبليس بجنسه، الذي هو النار، وأنه بذلك أعلى من التراب والطين، فرد الله عليه افتخاره، وأثبت لآدم من المزية
والاختصاص ما لم يثبت مثله لإبليس، بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] وفي ذلك ما يدل على أن المراد فيها الصفة التي ذكرنا من وجهين:
أحدهما: أن إبليس عند الخصم، خلق بما خلق به آدم، من القدرة والنعمة، فلولا أن آدم خالف إبليس في ذلك، لما كان فيه إثبات فضيلة، وهذا كلام صدر على سبيل الحاجة في إثبات الفضل، فلو تساويا في السبب لما ثبت الحجة لله تعالى على إبليس في ذلك، وذلك مما لا يخفى عليه، فكان يسعه أن يقول: وأنا فقد خلقتني بما خلقت به آدم، فأي فضيلة له عليّ بما ذكرته، وما يؤدي إلى تعجيز الله عن حجته، وإزالة المميز بين الشيئين، فيما قصد التمييز به، بالمخالفة بينهما قول باطل ومحال.
والثاني: أنه أضاف الخلق وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد، فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل، وليس إلا اليد التي ذكرنا، وهذا جلي واضح.
ودليل آخر نقول: لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعترض على الحقيقة مانع، يمنع من إجرائها
على ظاهر الخطاب.
الثاني: أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها.
والثالث: أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة، أو المعنى الذي أضيفت إليه الحقيقة لا يصلح لها، فينتقل عنها إلى مجازها.
فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقية، التي هي صفة لله تعالى، ممتنع لعارض يمنع.
فليس بصحيح؛ من جهة أن الباري تعالى، ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات؛ فإن الباري تعالى في نفسه ذات، ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض، ولا ماهية له تعرف، وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية.
وإذا كان الكل مرتفعًا، والمثل بذلك ممتنعًا: فالنفار من قولنا: «يد» مع هذه الحال، كالنفار من قولنا: ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات مع ما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع، الملزم للإقرار بالذات، على ما هي عليه مما ذكرنا، فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم، عن نفي يد هي صفة تناسب الذات، فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه.
وإن قالوا: من جهة أنه اقترن بها قرينة، تدل على صلاحية نقلها، عن حقيقتها إلى مجازها.
فذلك محال من جهات:
أحدها: أنا قد بينا أن إضافة الفعل إلى اليد، على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة.
والثانية: أن القرائن قد ذكرناها، وهو أنه إذا أريد باليد النعمة قال: لفلان عندي يد.
فعند [ي] قرينة تدل على النعمة.
وإذا أريد بها القدرة، قال: لفلان علي يد «فعلي» هي القرينة الدالة على القدرة وكلاهما معدومان هاهنا.
والثالث: أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد، من إثبات العضو والجارحة والجسمية، والبعضية والكمية والكيفية، الداخل على جميع ذلك، فحصل مثل وشبيه.
وقد بَيَّنَّا أن ذلك محال في حقه: لأن نسبة اليد إليه تعالى كنسبة الذات إليه، على ما تقرر.
فإذا ارتفع هذا بطل السبب المعارض للحقيقة، النافي لإثباتها والموجب لإبدالها بالمجاز.
وإن قالوا: إن المحل الذي أضيفت إليه اليد -وهو ذات الباري- لا يصلح لإثبات اليد الحقيقية.
فهذا محال، من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة الصفات الذاتية على
سبيل الحقيقة، كالوجود والذات، والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من صفات الإثبات، على ما قدمناه.
وإن قالوا: إن المعنى الذي أضيف إلى الصفة، لا يصلح إضافة اليد الحقيقية إليه من جهة أن آدم كان جسمًا، وإضافة الفعل باليد إليه، يقتضي إثبات المماسة باليد الفاعلة، وذلك محال؛ من جهة أن يد الباري وذاته لا تقبل المماسة للأجسام.
وهذا قول باطل؛ من جهة أنا إذا أثبتنا اليد، التي هي صفة لله تعالى، على مثل ما وصفنا انتفت المماسة، والفعل المضاف إليها نطقًا ونصًا ثابتًا بطريق مقطوع عليه، فنفينا ما نفاه الإجماع، وأثبتنا ما أثبته النص والنطق، وجرى ذلك مجرى الذات قولًا واحدًا في الحكم.
والثاني: أن هذا إنما يلزم، إذا كان الفعل وكل الأحوال، لا بد له من المماسة وقد وجدنا فعلًا يؤثر وجوده في محل من محل آخر، ولا مماسة بينهما مع تساويهما في الجسمية؛ وذلك كما تراه من حجر المغناطيس؛ فإنه يؤثر في حركة الحديد، وانتقاله عن محله من غير مماسة، تقع بين الفاعل والمفعول، والعلة في ذلك قد تكون بين الفاعل والمفعول، وتستغني بذلك عن المماسة، ومثل هذا ظاهر لا خفاء به.
فلما ثبت أنه لا سبيل
إلى إثبات المماسة، أثبتنا الفعل للنص عليه، واستغنينا عن المماسة بواسطة.
قالوا: الأصل في اليد الفاعلة، أن تكون جارحة، عند التعارف والإطلاق، فانتقلنا عن ذلك إلى تأويلها في حق آدمي بما يصلح وهو النعمة.
واليد في اللغة تقال: ويراد بها النعمة والمنة: ولهذا يقال: له عندي يد.
وله عندي أيادٍ.
والله تعالى له في خلق آدم عليه السلام نعمتان: نعمة دين، ودنيا، فاقتضى ذلك تأويلها على ماذكرناه.
قلنا: قد أبطلنا وجه الحاجة إلى التأويل، أو الوجه الموجب اعتراض سبب مانع من إثبات الكلام على أصله وحقيقته، وما يبدر إليه الفهم والتعارف، في عادات أهل الخطاب، ولم يوجد ذلك هاهنا؛ ولأنه لو أراد باليد النعمة لقال: لما خلقت يدي لما خلقت نعمتي فإن نعمة الدين والدنيا خلق لها.
ومما يحقق هذا أن الخلق بنعم الدين لا يصلح؛ لأن نعم الدين: الإيمان، والتعبد، والطاعة.
وكل ذلك عندهم مخلوق، والمخلوق لا يخلق به.
وكذلك نعم الدنيا هي اللذات من الشهوات، وهذه كلها مخلوقة، وبعضها أعراض، وهذا بطريق القطع لا يجوز أن يخلق به، فكان هذا التأويل من هذا الوجه باطل.
قالوا: إنما أضاف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفًا وتعظيمًا على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف؛ ولهذا قال في ناقة صالح [ناقة الله] ويقال في مكة: بيت الله، فجعل هذا التخصيص تشريفًا، وإن كان ذلك لا يمنع من تساوي أنها كلها لله، وكذلك البيوت، ومثله هاهنا.
قلنا: التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة، اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة، التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته.
لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله، اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة، ولا يكون مجرد النسبة واجب منها الصفة، فكذلك هاهنا لما كان ذكر التخصيص، مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة.
وهذا لا شك فيه ولا مرية، وبهذا يبعد عما ذكروه» .
قال: «وأما قوله (بيدي) قدرتي؛ لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة، ولهذا أنشد في ذلك:
فسلمت وما لي بالأمور يدان
ويحقق هذا ويوضحه أن الخلق من جهة الله، إنما هو مضاف إلى قدرته، لا إلى يده، ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته، ويستغني عن يد وآلة، يفعل بها مع قدرته.
قلنا: قد بينا هذا فيما مضى، وأبطلنا وجه الحاجة إلى التأويل به، إذ الحاجة مرتفعة، ولأن قدرة الله واحدة، لا تدخلها التثنية والجمع، وإذا امتنعت التثنية منها وضعًا امتنع عنها ذلك لفظًا.
قالوا: قد يرد لفظة التثنية والجمع والمراد به الواحد؛ ولهذا «العالم» اسم توحيد والمراد به الجمع، وقال تعالى ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) ﴾ [ق: 24] والمراد به ألق، ومثله هاهنا.
قلنا: إثبات القدرة واحد لله تعالى، أصل ثبت بالأخبار والنقل، وهو مما يعتري القصر والتخصيص فيه، وحمل اليد عليه يقتضي إدخال الشك في أصل عظيم، يكفر مخالف الحق فيه، فكان مراعاة هذا الأصل، بحراسته عن مقام شك أولى من إدخال التأويل هاهنا، وهذا يكفي في الإعراض عن مثل هذا التأويل.
وأما قولهم: «العالم» اسم جمع توحيد.
فليس كذلك؛ بل العالم اسم [جمع] لا واحد له من لفظه ولا يقع على الواحد.
قال: وأما قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] فإن ما احتجنا فيه إلى الانتقال عن لفظه لما ثبت أن المأمور واحد، فصار قوله (ألقيا) بمعنى ألق.
وقد بينا هاهنا امتناع التأويل وإبطال سببه، وأن القائلين بهذه التأويلات، يجوزون أن يكون المراد بالانتقال غيرها، وإنما دخلوا فيها على سبيل الظن، ومحال نفي صفة لله تعالى بطريق هو على هذه الصفة» .
ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف: صنف يثبتونها، وينفون التجسيم والتركيب، والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم
وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي
الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة- يصرحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزئ والانقسام، ونحو ذلك.
وأول من عرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم، والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه (أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد) ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض.
وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته.
بمعنى انفصال شيء منه عن شيء.
وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة، وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية،
على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ماجاء به الأثر، وما كان في معناه.
وصنف ثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم.
وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
وصنف رابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم.
فلفظ «الجسم» لم يتكلم به أحد من الأئمة والسلف في حق الله لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا ذموا أحدًا ولا مدحوه بهذا الاسم، ولا ذموا مذهبًا ولا مدحوه بهذا الاسم، وإنما المتواتر عنهم ذم الجهمية الذين ينفون هذه الصفات، وذم طوائف منهم كالمشبهة، وبينوا مرادهم بالمشبهة.
وأما لفظ «الجزء» فما علمت أنه روي عن أحد من السلف نفيًا ولا إثباتًا، ولا أنه أطلقه على الله أحد، من الحنبلية ونحوهم في الإثبات، كما لا أعلم أن أحدًا منهم، أطلق عليه لفظ الجسم في الإثبات، وإن كان أهل الإثبات لهذه الصفات، منهم ومن غيرهم، يثبت المعاني التي يسميها منازعوهم تجسيمًا، وتجزئة
وتبعيضًا، وتركيبًا وتأليفًا، ويذكرون عنهم أنهم مجسمة بهذا الاعتبار، لإثباتهم الصفات التي هي أجسام في اصطلاح المنازع.
وأما لفظ «البعض» فقد روي فيه أثر يطلقه بعض الحنبلية، وينكره بعضهم.
ومع هذا ففي الحنبلية طوائف، تنكر ثبوت هذه الصفات الخبرية في الباطن، كما ينكرها غيرهم.
ثم منهم من يتأولها إما إيجابًا لتأويلها، وإما تجويزًا لتأويلها، كما يفعل ذلك متأولو النفاة من مستأخري الأشعرية ونحوهم.
ومن ينفي مدلولها ويفوض معناه، كما يفعل ذلك طوائف من هؤلاء وغيرهم، ويسمون ذلك طريقة السلف، كما فعل ذلك المؤسس وغيره.
وفيهم وفي غيرهم طوائف لا تحكم فيها بنفي ولا إثبات؛ بل تطلق ألفاظ النصوص الواردة بها، وتقف عن إثبات هذه المعاني ونفيها: إما شكًّا وإما إعراضًا عن الفكر في ذلك.
وقد بينا مقالات الناس منهم ومن غيرهم في [غير] هذا الموضع.
والمقصود بهذا الكتاب الكلام على ما ذكره من حجج
فريقي النفاة والمثبتة.
وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد: الذي لا جوف له ولفظ بعضهم: لا يخرج منه شيء كما روى ابن أبي عاصم، والطبراني عن عكرمة من وجوه أنه قال: الصمد الذي لا جوف له ومن رواية ابن أبي شيبة عن
غندر عن شعبة [عن] عطاء عن ميسرة قال: المصمت، وقال مجاهد: هو المصمت الذي لا جوف
له، وعكرمة قال: الذي لا يخرج منه شيء، ورواه الطبراني أيضًا من حديث عبد الله بن إدريس عن شعبة، وروى الطبراني قال حدثنا زكريا، حدثنا القاضي، حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي،
حدثنا أحمد الدينوري، حدثنا الحكم بن ظهير، عن معمر، عن أبي بن كعب قال: الصمد الذي لم يخرج منه شيء، ولم يخرج من شيء، الذي لم يلد ولم يولد، وذكر عن عطاء.
وعن الحسن وقتادة قالا: الباقي بعد فناء
خلقه، وفي رواية أنه قال الحسن: الدائم.
مع أن الحسن قال أيضًا، كما قال عكرمة ومجاهد، وسعيد بن جبير وعطية، والضحاك والسدي، وغير هؤلاء.
ورووه ليس
بأجوف، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، وقال أبو صالح: الذي ليس له أمعاء، وروى
الطبراني عن ابن مسعود قال: الصمد الذي ليس له أحشاء، وعنه أيضًا: أنه السيد الذي انتهى سؤدده، وهذا قول أبي وائل، وهو من تفسير الوالبي عن ابن عباس.
وقد بسطنا هذا
في غير هذا الموضع.
وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه، وأن يخرج منه شيء؛ إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو مما احتج به في أنه جسم مصمت، وقد ذكره المؤسس في حجج منازعيه وأجاب عنه، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
وقد قال أبو القاسم لما روى عبارات الصمد قال: «وهذه الصفات كلها، صفات ربنا جل جلاله، ليس يخالف شيء منها -يعني في- هو المصمت، الذي لا جوف له، وهو الذي لا يأكل الطعام، وهو الباقي بعد فناء خلقه» .
الوجه الرابع عشر: أن قولك عن الحنابلة وغيرهم أنهم التزموا الأجزاء والأبعاض؟ أو ما هو في معناه في اصطلاح المتكلمين أو بعضهم؟
أما الأول: فإن لفظ الأجزاء والأبعاض، إذا أريد به أنه يتجزأ أو يتبعض التبعيض والتجزئ المعروف بمعنى وقوع ذلك،