الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
الإشراك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام في الأحداث وقال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة والشافعي أشار إلى كلام حفص الفرد وأمثاله وكان على طريقة ضرار بن عمرو وأحمد أشار إلى كلام هذا وأمثاله فإنه كان أفضل من ناظر وأبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وهو من أتباع
حسين النجار وكلام أولئك خير من كلام هؤلاء الذين جمعوا إلى تعطيل أولئك إلحاد الفلاسفة مع أن أولئك لم يظهروا كل ما في قلوبهم للأئمة فالجهمية لم تكن تظهر لهم لا داخل العالم ولا خارجه وإنما أظهروا أنه في كل مكان فالأئمة استعظموا ما أظهروه فكيف ما أبطنوه والذي أبطنه أولئك هو خير من قول الملاحدة الذين جمعوا بين أقوال الجهمية والفلاسفة الدهرية وقد كان الثقة يحدث عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه لما رأى
قوله إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين لعنه على ذلك وقال هذا تعطيل الإسلام وقد بسط هذا في مواضع والمقصود هنا أن يتبين أن دعواه أن كل دليل سمعي موقوف على مقدمات ظنية دعوى باطلة معلوم فسادها بالاضطرار ولو صح هذا لكان لا يجزم أحد بمراد أحد ولكان العلم بمراد كل متكلم لا يكون إلا ظنًّا وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار وإذا كان آحاد العامة قد بين مراده بكلامه حتى يقطع بمراده فالعلماء أولى بذلك وإذا كان العلماء المصنفون في العلوم يقطع بمرادهم في أكثر ما يقولونه كما يقطع بمراد الفقهاء والأطباء والحُسّاب وغيرهم فالرسول الذي هو أكمل الخلق علماً وبياناً ونصحاً أولى أن يبين مراده ويقطع به وكلام الله تعالى أكمل من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وأكمل بياناً فهو أولى
بالقطع بمراد الرب فيه من كلام كل أحد ومعاني الكلام منقولة بالتواتر معلومة بالاضطرار أعظم من ألفاظه والمسلمون كلهم يعلمون بالاضطرار أن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس في الوضوء وبالاغتسال من الجنابة وبالتيمم وأن الله تعالى أمر بالصلاة إلى الكعبة وأمر بالحج إلى البيت الذي بمكة والطواف به والتعريف بعرفات وصوم شهر رمضان وامتناع الصائم من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك من معاني القرآن وأكثرهم لا يحفظون حروف القرآن فمعانيه التي دلت عليها هي معلومة عندهم بالاضطرار منقولة بالتواتر أعظم من العلم بألفاظه الدالة على تلك المعاني ولا يحتاجون في ذلك إلى نقل اللغة ولا نفي المعارض بل الأمر موقوف على مقدمة واحدة وهو العلم بمراد المتكلم وهذا قد يعلم اضطراراً وقد يعلم بأدلة قطعية وقد يكون ظنًّا كذلك العلم بما أخبر له الرسول صلى الله عليه وسلم من أسماء الرب وصفاته ومن اليوم الآخر كثير منه أو أكثره معلوم عند الأمة اضطراراً نقلاً متواتراً
وإن كان أكثرهم لا يحفظون حروفه وإذا سمعوا حروفه علموا قطعاً أنها دالة على تلك المعاني المعلومة عندهم كما إذا سمعوا قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 97] علموا أن المراد بلفظ البيت البيت الذي بمكة وإذا سمعوا شهر رمضان علموا أن المراد بهذا اللفظ بالشهر التاسع الذي بين شعبان وشوال وإذا سمعوا خلق السموات والأرض علموا أن المراد بذلك أنه هو الذي أحدثهما وابتدأهما وأنشأهما لا أنهما قديمتان ملازمتان له وإذا سمعوا قوله تعالى كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة 73] وقوله كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) [فاطر 9] علموا أن المراد بذلك إحياء الموتى للقيامة وإذا سمعوا قوله تعالى وتقدس إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] علموا أن ذلك معنى أنه سميع بصير وأمثال ذلك كثير الوجه السادس عشر أن هذا القول مضمونه جحد
الرسالة في الحقيقة وإن أقر بها بلسانه بل مضمونه أن ترك الناس بلا رسول يرسل إليهم خير من أن يرسل إليهم الرسول وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهتد به أحد في أصول الدين بل ضل به الناس وإنما اهتدوا بعقلهم الذي لم يحتاجوا فيه إلى الرسول وذلك أن القرآن على ما زعمه هؤلاء لا يستفاد منه علم ولا حجة بل إذا علم بالعقل شيء اعتقد ثم القرآن إن كان موافقاً لذلك أقر لكونه معلوماً بذلك الدليل الذي استنبطناه لا لكون الرسول أخبر به ولا لكونه أرشد إلى دليل عقلي يدل عليه وإن كان الظاهر مخالفاً للعقل اتبعنا العقل وكان ذلك الظاهر وجوده كعدمه إما نصًّا وإما ظاهراً فاحتاجوا إما إلى التأويل وإما إلى التفويض لئلا يضلوا وغيرهم ضل باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم مقتضياً لضلال قوم فكانت الطائفتان
بسببه في ضلال وسعر وإنما اهتدوا بعقلهم الذي لم يحتاجوا فيه إلى الرسول فهذا حقيقة قول هؤلاء الملحدين وسيأتي اعترافه بهذا وجوابه عنه بجواب الملحدين الوجه السابع عشر أن هذا وأمثاله يتناقضون فتارة يقول نحن نعلم انتفاء الظاهر لكن لا نعلم المراد وتارة يقول بل الرسول صلى الله عليه وسلم خاطب العامة بما يوافق ما عندهم فلو خاطبهم ابتداء بإثبات ما ليس بجسم ولا متحيز ولا يشار إليه قالوا هذا عدم محض فوقعوا في التعطيل فكان الصلح أن يأتي بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما لزمهم وهذا كلام من يريد من العامة فهم تلك المعاني وهي باطلة في نفس الأمر عند هؤلاء وعلى هذا فقد أراد
منهم فهم الباطل الذي دل عليه بلفظه وهذه طريقة أهل التخييل الذين يقولون أرادوا أن يتخيلوا ما ينفعهم وإن لم يكن حقًّا وطريقة أهل التأويل نفي إرادة هذا المعنى والجهل بما أراد وهذا يناقض هذا وهذا وأمثاله يتناقضون فتارة يجعلونه هكذا وتارة هكذا في كلا الأمرين على الباطل وقد نزه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يريد المعاني الباطلة أو أن يقصر في بيان ما أراده فالأول كذب وإضلال وتلبيس وإظهار ما هو كذب وإن قيل إنه لم يقصد الكذب بل الرسول كما أنه أعلم اخلق بالحق فهو أنصحهم لهم وأعظمهم رغبة في تعريفهم وتعليمهم وهداهم وهو أحسنهم بياناً وأتمهم برهانا قال تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى
اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى 52-53] وقال تعالى فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) [النمل 79] وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) [يوسف 108] فإن قيل فإذا كان ما ذكره فاسداً لا يحصل به الفرق بل هو عزل القرآن بالكلية فما الفرق بين المحكم والمتشابه قيل المتشابه نوعان أحدهما ما يكون بسبب المستمع لقصور منه أو تقصير فهذا لا يختص بنوع من الكلام بل قد يعرض في جميع أنواعه لكن ما يكون فيه من التشابه يكون هذا فيه أقوى فإنه يبقى التشابه من الطرفين وصاحب هذا المقام هو مأمور أن يعمل بما تبين له معناه ويؤمن بما اشتبه عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وابن ماجه رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت أما وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجْرة إذا ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول بهذا أمرتم بهذا هلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً فما
عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه اتبعوا ما تبين لكم من الكتاب وما لا فدعوه وإذا كان القرآن نزل يصدق بعضه بعضاً فمن الممتنع أن يكون فيه تناقض واختلاف تضاد فمن فهم آية فآمن بها وظن أن الأخرى تناقضها فليعلم أنه مبطل في ذلك وأن معنى الأخرى يوافقها لا يخالفها وإن لم يفهم معنى الآيتين آمن بهما ووكل علمهما إلى الله تعالى وأما التشابه الذي يكون في نفس الآية فهذا لا يكون إلا مقرونا بالإحكام والبيان والهدى فإن الله تعالى قد أحكم كتابه كله وبينه وجعله هدى وأمر بتدبره لكن من الآيات ما لا اشتباه
فيه بوجه ومنها ما فيه اشتباه من بعض الوجوه وإن كان ذلك مع الإحكام والبيان مثل لفظ إنا ونحن ونحو ذلك وكل آية فقد أراد الله تعالى وتقدس بها معنى وعلى ذلك المعنى دل فلا يجوز أن تكون دلالة القرآن على ما أراده الرب تعالى وعناه وعلى غيره سواء بل هذا لا يجوز في كلام آحاد العلماء فكيف في كلام رب العالمين وإذا كان القرآن لا تناقض في دلالته فالمذهبان إن كان القرآن دل عليهما فكلاهما حق كقول من يقول إن العبد فاعل لفعله وقول من يقول إن الله تعالى هو الذي جعله فاعلاً فكلاهما حق والقرآن قد دل على هذا ولى هذا فأخبر أن العباد فاعلون وأنهم هم الذين يكفرون ويؤمنون ويعملون وقال الخليل وابنه عليهما الصلاة والسلام رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ [البقرة 128] ونحو ذلك وقال رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ
ذُرِّيَّتِي [إبراهيم 40] وأمر عباده أن يقولوا اهدنا الصراط المستقيم ونحو ذلك وإن كان كلاهما باطلاً فالقرآن ينفيهما جميعا كقول من يقول إن العبد لا قدرة له ولا مشيئة ولا فعل وقول من يقول بل هو الذي يخلق فعله دون الله فالقرآن ينفي هذا وهذا بل نفس الآيات إذا كانت دالة على ما يقول فهي تدل كما يدل أمثال ذلك من الكلام والأدلة وإلا لم تدل ودلالة الكلام على المراد تعرف تارة بالضرورة وتارة بالاستدلال ويستدل على ذلك بما نقله الأئمة وبما كان يقوله السلف يفسرون به القرآن بدلالة السنة وبدلالة سائر الآيات وغير ذلك كما أن النصارى لما ادعوا أن قوله إنا ونحن تدل على قولهم إن الآلهة ثلاثة وقالوا في قوله تعالى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة 133] أن الآلهة ثلاثة كان في هذا تشابه فإن لفظ نحن يستعمل في الواحد الذي له شركاء وفي الواحد المعظم المطاع الذي له مماليك تطيعه والعطف يكون لتغاير الصفات ويكون لتغاير الذوات فهو أمر متشابه والمحكم في القرآن كقوله تعالى وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة 163] وقوله تعالى وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل 51] وقوله تعالى أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ
مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنعام 19] وقوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء 110] وقوله تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة 73] وأمثال ذلك فيرد إليه المتشابه ويعلم أن قوله إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ [البقرة 133] عطف لتغاير الصفات كقوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد 3] وكقوله تعالى رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) [الدخان 7-8] وقوله تعالى إنا ونحن لعظمة الرب تعالى وان ما سواه مخلوق مملوك له من الملائكة وغيرهم فهو أحق بنون العظمة ممن استعمل هذا اللفظ فيه من الملوك وإن كان اللفظ نفسه لا اشتباه فيه وإذا اشتبه على هذا لقصور فهمه بُيّن له ذلك بنظائره ولهذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم يسمون ما أشكل على بعض الناس حتى فهم منه غير المراد متشابهاً
كما صنف الإمام أحمد رحمه الله تعالى كتاباً في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله فهو لم ينكر عليهم مسمى التأويل بل إنه أنكر أن يتأولوه على غير متأوله وهو التأويل الباطل والمراد بالتأويل التفسير وليس المراد صرفه إلى الاحتمال المرجوح وقوله فيما شكّت فيه من متشابه القرآن هو ما تشابه عليها وإن كان الله تعالى قد أحكم ذلك وبينه لكن
لقصورهم وتقصيرهم تشابه عليهم حتى شكوا فيه فهذا هذا والله تعالى أعلم الوجه الثامن عشر أن هذا القول في تأويل القرآن ومعناه يضاهي قول المشركين في تنزيل القرآن ولفظه ومعناه ولا ريب أن المقصود من الألفاظ هو المعنى فمن وافق المشركين في معاني القرآن على ما قالوه فإنما آمن بلفظ فقط فهو منافق يظهر الإسلام بلفظه به دون قلبه من جنس الذين قال الله تعالى فيهم إنهم يقولون للرسل نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون 1] قال الله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) [المنافقون 1] ومن جنس الذين قالوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ
قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) [البقرة 8-13] وإذا لقوا الآيات ونظائرها وذلك أن المشركين وكل من كذب لما كذّبوا بأن القرآن منزل من الله وكذّبوا الرسول بما جاء به حادوا واختلفوا ماذا يقولون في الكتاب والرسول وقالوا أقوالا متناقضة يظهر فسادها لكل من تأملها وآخرون منهم لما رأوا هذه الأقوال متناقضة أمسكوا عنها فلم يقولوا شيئا منها لكنهم اقتصروا على تكذيب القرآن والرسول لما زعموا أنه قام عندهم أدلة تدل على أنه ليس برسول الله ولا القرآن منزل من الله تعالى فعلموا بموجب تلك الأدلة ثم بعد ذلك قالوا فليكن أي شيء كان وليس علينا تعيين ما هو فهكذا الذين جوزوا معاني القرآن التي أرادها الله تعالى ورسوله بالكتاب والسنة صاروا في القرآن والحديث حزبين حزباً يحملون كلام الله ورسوله على معان أخر يظهر للمتأمل أن الله لم يردها ولا هي معنى كلامه وقال آخرون يكفينا أن تنفى تلك المعاني وبعد
هذا فليدل القرآن والحديث على أي شيء دل ليس علينا أن نعرف ما دل عليه فهم مشتركون في جحد المعاني التي أرادها الله تعالى ورسوله ثم ادعى بعضهم معاني أنها هي المرادة والاعتبار بين أنها ليست مرادة فالذي أراده الله تعالى ورسوله جحدوه وقالوا إن الدليل عندنا بنفيه والذي حملوا عليه كلام الله ورسوله لم يرده الله تعالى ولا رسوله فقال آخرون نحن نوافقكم على جحد ما جحدتموه من تلك المعاني وأما ما فسرتم به القرآن والحديث فقد ظهر بطلانه أيضا فنحن نعرض عن تدبر القرآن والحديث وفهم معناه ولا يضرنا بعد ذلك دلالته على أي شيء دل فهؤلاء يأمرون بالجحد لمعاني التنزيل وبالجهل البسيط في تفسير القرآن وتأويله وأولئك يأتون بالجهل المركب في التفسير والتأويل فهؤلاء كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] وأولئك كظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) [النور 40]
وأهل العلم والإيمان الذين أوتوا القرآن والإيمان هم كما قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) [النور 35] فإن هذا النور هو نور الإيمان والقرآن جميعا كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى 52-53] وبذلك فسره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم كما روى عبد بن حميد حدثنا عبد الله بن يوسف عن أبي
جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] قال بدأ بنور نفسه فذكره ثم ذكر نور المؤمنين فقال مثل نوره أي مثل نور المؤمن قال ولذلك كان أبي يقرؤها مثل نور المؤمن قال هو عند جعل الإيمان والقرآن في صدره قال المشكاة قال صدره فيها مصباح فالمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره قال الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ قال فالزجاجة قلبه قال الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قال فقلبه بما استنار بالقرآن والإيمان كأنه كوكب دري يقول يضيء يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ
مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ قال الشجرة الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له قلت هذا نظير الحديث المأثور من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وهو معروف من مراسيل مكحول وقد ذكره أحمد بن حنبل وغيره وقد روي
متصلاً بإسناد فيه مقال قال لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ قال فمثله كمثل الشجرة التفت بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فكذلك هو المؤمن قد أخبر أنه يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها فيثبته الله تعالى فيها وهو بين أربع خلال عن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات قال نُورٌ عَلَى نُورٍ فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة ثم ضرب مثل الكافر فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] قال فكذلك الكافر يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيراً فلا يجده فيدخله الله النار قال وضرب الله تعالى مثلا آخر للكافر
فقال أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ [النور 40] قال هو يتقلب في خمس من الظلمة فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات إلى النار وهذا قد رواه عامة من صنف في التفسير كما رواه ابن أبي حاتم وروي أيضا عن السدي فيها مصباح قال المصباح النور والإيمان والقرآن قال والزجاجة هي القلب والمشكاة هي الصدر فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء فكذلك أضاء القلب فأضاء البيت فكذلك نزل النور في الصدر فأضاء به الجوف كله فلم يدخله حرام نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ قال السدي نور النار ونور الزيت حيث اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحب فكذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه وفي كلام طائفة من السلف أن النور نور القرآن وفي كلام
طائفة أخرى أنه نور الإيمان والنور يعمهما جميعاً كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى 52] كما أن في كلام طائفة من السلف أنهم جعلوا هذا مثلا للنبي صلى الله عليه وسلم وفي كلام الأكثرين أنه مثل لكل مؤمن والجميع صحيح فمحمد صلى الله عليه وسلم سيدهم وإمامهم وما فيه من وصف الشجرة بأنها بين الشجر هي قول طائفة وطائفة أخرى قالوا بل هي في الصحراء لا تزال الشمس عليها وهو أصفى الزيت وقيل بل هي متوسطة تطلع عليها وقت الطلوع والغروب وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن من كان يجحد معاني القرآن التي أرادها الله تعالى به فإنه لا يحصل له هذا النور لا نور القرآن ولا نور الإيمان فتلك الأنوار المعاني الشريفة ثم إذا جحدها كان في ظلمة الجحود والتعطيل ومن فسرها بغير المراد كان مثله كظلمات في بحر لجي ومن لم يعرفها ولا قال شيئا فهو كسراب بقيعة وهذا وإن كان عمومه يتناول من كذب بمعاني
القرآن التي جاءت بها الرسل كالملاحدة فمن كذب ببعضها وجحده فله نصيب من ذلك بحسب ما كذب به وجحده وإن كان له نصيب من الإيمان ببعضها من وجه آخر فقد يجتمع في الرجل شعبة إيمان وشعبة نفاق كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة
الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وكذلك أهل التكذيب بالقرآن والرسول اختلفوا فيه فقيل ساحر وقيل مجنون وقيل شاعر وقيل كاهن كما قيل في القرآن إنه سحر وإنه شعر وإنه أساطير الأولين اكتتبها وإنه إفك افتراه فجعلوا القرآن عضين قال تبارك وتعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) [الفرقان 1-9] وكذلك قال تعالى وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) [الإسراء 45-48] فهم لما جحدوا الحق أرادوا أن يشبهوه ويجعلوه من جنس السحر أو الشعر أو الكذب أو غير ذلك فكانوا ضالين لا يستطيعون مع هذا الضلال سبيلاً من السبل الهادية كالتائه عن الطريق الذي
لا يستطيع معرفة وهكذا أهل الجحد لمعانيه منا قال فيهم الإمام أحمد رحمه الله فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب وقد قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) [البقرة 176] فإن قيل فقد اختلف السلف في بعض معانيه قيل السلف لم يكن فيهم من جعل عمدته في الباطن على شيء يخالف القرآن ثم القرآن إما أن يتأوله على هواه وإما أن يعرض عن معناه ويهجره كما قال تعالى عن الرسل وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)
[الفرقان 30] وهجر معانيه أعظم من هجر ألفاظه بل السلف كلهم كانوا مقرين بما تبين لهم منه وهو المحكم الذي هو أم الكتاب كذلك يشتبه على بعضهم بعضه فإما أن يعلم تفسيره ويعلم معناه الموافق لمعنى المحكم وإما أن لا يعلم لكنه يعلم أن معناه لا يناقض معنى نص المحكم فبكل حال لم يكونوا يجعلون غير الرسول صلى الله عليه وسلم معارضا له مقدما عليه آراؤهم وأهواؤهم وعقولهم ومقاييسهم وأذواقهم ولا كتابا آخر مخالفا له وأما أهل الإلحاد فيجعلون عقولهم ومقاييسهم وأذواقهم هي الأم والأصل الذي يعتمدون ثم القرآن إن وافق ذلك وإلا سلكوا فيه أحد المسلكين إما ضرب الأمثال الباطلة وإما هجره والإعراض عنه وقد اجتمعت للمكذبين للرسل من مشركي العرب وغيرهم كما أن من عارضه بكتاب آخر
وقدم ذلك عليه فهم من جنس اليهود والنصارى ومكذبو الرسل الذين يقدمون آراءهم على ما أنزل الله أسوأ حالاً وأضعف عقلاً وإيماناً وأشد كفراً من أهل الكتاب الذين يوجبون كتاباً آخر غير القرآن عليهم فإن هؤلاء من جنس من يحتج بنص منسوخ أو ضعيف الدلالة ولكن يظن أنه من قول الرسول عليه الصلاة والسلام أو يعارض قوله بما يظن أنه معارض له من قوله وهذا مازال في الناس بخلاف من يعارض قوله بما يعلم أنه ليس من قوله وإنما هو قول غيره فهذا لم يؤمن بالرسول ولا بما جاء به ولهذا لم يُعرف عن أحد من السلف أنه عارض آية أو حديثاً إلا بما يظن أنه معنى آية أو حديث آخر سواء كان مصيباً في المعارضة أو مخطئاً فالمصيب الذي يعارض المنسوخ بالناسخ كما كان الصحابة ومن بعدهم من العلماء يقولون في قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة 184] دل على أن المقيم المطيق يخيّر بين الصيام والافتداء وهو منسوخ بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ [البقرة 185] وهذا معلوم بالتواتر وإجماع الأمة أن الصيام واجب على المقيم القادر لا يخيّر بينه وبين الافتداء كما كان في أول الأمر وقد قال كثير من السلف هذه الآية ليست منسوخة وأرادوا أن فيها أحكاماً غير منسوخة كما قد يستدل بها على افتداء العاجز والمرضع والحامل لكن الحكم الأول قد اتفقوا على نسخه وقد يعارضون ما يفهم من آية بما يدل على نقيض ذلك المعنى ليبين أنه لم يفرد وقد يسمون هذا نسخاً كما عارض ابن مسعود وغيره عموم قوله تعالى في المتوفى عنها زوجها يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة 234] بأن سورة الطلاق وقد سماها سورة النساء القصرى نزلت بعد ذلك وفيها وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق 4] وكان علي وابن عباس ومن اتبعهم رضي الله تعالى عنهم يقولون تعتد أبعد
الأجلين وكان عمر وابن مسعود وغيرهما يقولون إذا وضعت حلت وجاءت السنة الصحيحة بذلك في قصة سُبيعة الأسلمية لما توفي عنها زوجها سعد بن خولة عام حجة الوداع ووضعت بعده بليال وقال لها أبو السنابل بن بعكك ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشراً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال كذب أبو السنابل حللت فانكحي فاتفق
عامة العلماء على اتباع السنة وإن كان القرآن يدل على مثل ذلك لكن القرآن قد يخفى على الأكابر وأما السنة فصريحة لا تخفى على أحد بلغته وعائشة لما عارضت قوله إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه عارضت ذلك بقوله تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر 18] لم تعارضه بالمعقول وأن هذا ظلم ووافقها على
هذا كثير من العلماء وبعضهم رد الحديث كما اختاره الشافعي رحمه الله تعلى في مختلف الحديث وقال إن عائشة روت لفظين أحدهما يوافق هذا الحديث وهو قوله إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله
والثاني قوله إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها وبعضهم تأوله على ما هو ذنب للموصي والقول
الآخر وهو الصحيح وهو أنه لا منافاة بينهما وإن هذا التعذيب ليس هو حملاً لذنب لنائحة على غيرها بل ذنبها بالنياحة باق عليها ولا هو عقوبة للميت على نياحتها لكونه لم ينه عنها ونحو ذلك بل هذا من نوع الألم والأذى الذي يحصل بذلك كما يتأذى الميت بغير ذلك كما قد بسط في مواضع ولهذا قيل يعذب ولم يقل يعاقب والعذاب يقال في
مطلق الأذى كما روي إن السفر قطعة من العذاب وعارضه بعضهم بقوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) [النجم 43] كما نقل عن ابن عباس وهؤلاء يجعلون الإضحاك والإبكاء مما يفعله الرب تعالى كالإماتة والإحياء فلا ينهى عنه وهو ضعيف أيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد استفاضت عنه الأحاديث بالنهي عن النياحة ونحوها من البكاء وقوله إن الله تعالى لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه
وقال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودها بدعوى الجاهلية وقال أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة
وقال إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب وسربالاً من قطران وبايع النساء على أن لا ينحن وهو من تأويل قوله وَلَا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ [الممتحنة 12] وقد ذم سبحانه وتعالى الضحك ودعا إلى البكاء في هذه السورة التي قال تعالى فيها وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) [النجم 43] بقوله تعالى أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) [النجم 59-60] وكذلك لما عارضت قوله عليه السلام ما أنتم بأسمع لما أقول منهم