الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
منهما لم تكن مبينة ولا هادية ولا محكمة ولا نوراً وهذا كلفظ القرء الذي مَثّل به إن قيل إنه يستعمل في الحيض وفي الطهر ففي الآية ما يبين المراد من وجوه متعددة والأمة متفقة على هذا لم يقل أحد منهم بتكافؤ دليل هذا وهذا بل منهم من رجح دليل هذا ومنهم من رجح دليل هذا فاتفقوا على أن الشارع نصب الدليل المبين للمراد لكن إحدى الطائفتين عرفته والأخرى لم تعرفه وظنت الآخر هو المراد وهذا لا يكون إلا لدليل صحيح فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على الحق المراد لكن يكون الدليل الصحيح خفي عنها إما عجزاً وإما تفريطاً فظنت ما ليس بدليل دليلاً وإن قال بل التوقف والاستواء في نفس الأمر لانتفاء الدلالة على أحدهما في نفس الأمر أو لتكافؤ الدليلين يقال هذا ممنوع فَلِمَ قلت إن الأمر كذلك ومعلوم أن توقف الذهن قد يكون لقصوره أو لتقصيره وقد يكون لعدم
بيان الدليل وعدم بيان المتكلم لمراده فلِمَ أحلت عدم العلم لنقص بيان القرآن دون أن تحيله على نقص فهم الأذهان مع أن الله تعالى وصفه بأنه مبين ومحكم وهدىً ونور وغير ذلك من الأسماء التي تدل على أنه تعالى قد بين به المراد ودل به العباد وهدى به إلى الرشاد وأيضا فنحن قد رأينا أكثر الناس يتوقفون في فهم آية أو يفهمون منها خف ما دلت عليه لقصورهم أو تقصيرهم كما يصيبهم ذلك في الأدلة العقلية وفي كلام العلماء فهذا ضرب من الاشتباه واقع كثيراً وأما وجود آية اشتبه فيها المراد بغيره ولم يبينوا فيها ذلك البتة فهذا مما يمتنع وجوده ولم يقدر أحد أن يقيم دليلا على وجوده بل كل ما ادعاه إن ذكرنا أنه قد بين المراد به اندفع السؤال وإن عجزنا عن ذلك أمكن أن يكون من القسم المشتبه وعدم معرفة المراد لقصورنا لا لقصور في بيان الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم كما قيل وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وكما قيل عليَّ نحت القوافي من أماكنها وما عليَّ بأن لا تفهم البقر
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه وروى الزهري عن أنس أنه سمع
عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية قوله تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) [عبس 24] ثم قال كل هذا قد عرفناه فما الأبّ ثم رقص عصا كانت بيده فقال هذا من باب التكلف وما عليك أن لا تدري ما الأبّ ثم قال اتبعوا ما بُيّن لكم في هذا الكتاب وما لا فدعوه فقوله اتبعوا ما بُيّن لكم أي ما تبين لكم وإلا فالله تعالى قد بينه كله لكن قد يخفي لعض ما فيه على بعض الناس وعمر خفي عليه الأبّ كما خفي عليه الكلالة
وقد عرفه غيره من الصحابة ومن بعدهم كما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال الأبّ ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وفي رواية عكرمة عنه قال الأبّ الحشيش
للبهائم وكذلك عن سعيد بن جبير وأبي مالك ومجاهد قالوا الأبّ الكلأ قال مجاهد الفاكهة ما يأكل الناس وعن عطاء قال كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أبّ وعن الضحاك كل شيء أنبتت الأرض سوى الفاكهة وذكره غيره عن عكرمة قال الفاكهة ما يأكل الناس والأبّ ما يأكل البهائم ومثله عن قتادة قال الفاكهة لكم
والأبّ لأنعامكم وهذا قول اللغويين قاطبة قالوا الأبّ المرعى قال الجوهري وغيره الأبّ المرعى وقال الزجاج هو جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية وعلى قول الضحاك قد يقال إنه يدخل فيه سائر النبات غير الفاكهة وبعضهم يقول ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس والأنعام والأول هو المعروف عند جمهور السلف وأهل اللغة فإن قيل ذكر أبو الفرج فيه قولين أحدهما ما ترعاه البهائم قاله ابن عباس وعكرمة واللغويون والثاني أنه الثمار الرطبة رواه الوالبي عن ابن عباس
قيل هذا عند غيره غلط فإن ابن أبي حاتم ذكر هذا في تفسير الفاكهة فذكر عن الوالبي عن ابن عباس وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) [عبس 31] يقول الثمار الرطبة فجعل هذا تفسير الفاكهة وهذا هو الصواب فإنه الثمار الرطبة وأما كون الأبّ هو الثمار الرطبة فهذا غلط لم يقله أحدٌ ولأجل هذا قال مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) [عبس 32] وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا التمثيل بأن خفاء بعض معاني القرآن على بعض أكابر العلماء لا يمنع أن يكون غيره قد عرفه كما يقع مثل ذلك في الحديث والفقه وقد يخفى على بعض الأكابر من الصحابة ومن بعدهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الأحكام ما يعلمه من دونهم ولهذا رجع أبو بكر وعمر وغيرهما إلى من دونهم من الصحابة في معرفة أحاديث سمعوها من الرسول وهم لم يسمعوها منه
وإذا كان كذلك لم يكن لأحد الجزم بأن ما توقف فيه ذهنه وأذهان من هم أعلم منه فلم يفهموه أن ذلك لنقص في البيان أو لكونه لم يذكر ما يدل على المراد بل كل ذلك قد يكون لنقص علم المستمع الوجه الثاني قوله إنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن المرجوح يكون حقّا والراجح باطلاً يقال رجحان أحدهما في أصل الوضع إنما يكون إذا كان مجرداً عن القرينة كما يترجح عند الإطلاق لفظ الأسد والحمار والبحر والسيف أن المراد هو السبع والبهيمة والماء والحديد وأما إذا قيل عن خالد إنه سيف سلّه الله عز وجل على المشركين كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك
وكما قال كعب بن زهير في قصيدته المشهورة بانت سعاد التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال فيها إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
وقيل في أبي قتادة إنه أَسَدٌ من أُسْدِ الله كما قال فيه أبو بكر لا تعمد إلى أَسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه
وقال في الفرس إنه بحر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس أبي طلحة إن وجدناه لبحراً فهنا لم يفهم أحد أن المراد الماء ولا الحديد ولا السبع وإذا كان كذلك فكلام
الحكيم من الناس الذي أراد به الإفهام لابد إذا أراد غير معناه عند الإطلاق من أن يأتي بقرينة تبين بعض المراد أو قرينة تبين المراد ويصير اللفظ بها ظاهراً بل نصًّا لا يحتمل المعنى الآخر فلا يكون المعنى الآخر الذي لم يرده المتكلم راجحاً بل ولا يحتمله اللفظ وهذا هو الموجود في عامة كلام العلماء فكيف بكلام رب العالمين فالمعنى الذي أراده هو الذي جعل اللفظ دالا عليه والمعنى الذي لم يرده لا يدل عليه كلامه بل قد يكون فيه ما ينفيه وهذا كلفظ البشارة فإنه عند الإطلاق يراد به الإخبار بما يسر كقوله تعالى مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة 213] ونحو ذلك ومع التقييد يراد به الإخبار بما يسوء فيقال فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) [آل عمران 21] وكذلك الإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالله وإذا قيد بـ غير ذلك كقوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ
الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء 51] لم يحتمل هذا اللفظ الإيمان بالله ومثل هذا كثير الوجه الثالث أن ما ذكره مبني على أن ثم وضعا للألفاظ غير الاستعمال الموجود في الكلام وهذا قد يمكن ادعاؤه في بعض الأسماء كأسماء الأعلام وأما الألفاظ الموجودة في كلام العرب التي نزل بها القرآن من ادعى أن جماعة من العرب وضعوها لأصناف قبل أن يستعملوها فيها احتاج إلى نقل ذلك ولا سبيل إليه ولو كان هذا موجودا لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولم يدّع أن اللغات كلها اصطلاحية بهذا الاعتبار إلا أبو هاشم الجبائي وما علمت أحداً قال هذا القول قبله وبسط هذا له موضع آخر الوجه الرابع الكلام على ما ميّل بع فإنه قال مثاله في القرآن قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء 16] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن
يفسقوا ومحكمه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف 28] فيقال هب أن ظاهره أنهم أمروا بالفسق لكن قد عرف أن الأمر في القرآن نوعان أمر تكليف كالأمر بالشرائع التي بعث بها الأنبياء وأمر تكوين كقوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) [يس 82] وقوله تعالى وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) [الأحزاب 38] أي مأموره وقوله تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل 1] أي مأموره أمر التكوين الذي قدره وقضاه من إظهار الإيمان والثواب والعقاب ونصر المؤمنين وعقوبة الكافرين ومنه قوله تعالى وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) [القمر 50] ونحو هذا وإذا كان الأمر نوعان فهنا إنما أراد أمر التكوين والآي نفسها وما اتصل بها قبلها وبعدها تدل على الواقع كدلالة غيرها من القرآن فإنه قال قيل هذه الآية وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا (15) [الإسراء 13-15] فدل بهذه الآيات على أن من عمل صالحاً فلنفسه عمل ومن عمل شيئاً فعليه وانه لا يعاقب إلا بذنبه لا يحمل عليه ذنب غيره ولا يعذب حتى يبعث إليه الرسول وهذا المعنى مذكور في القرآن في غير موضع أنه لا يعذب أحداً ولا يهلكه إلا بذنبه وبعد إرسال الرسول إليه كقوله تعالى وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) [الشعراء 208-209] وقوله تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) [الشورى 30] وقوله تعالى وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء 79] وقوله تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم 41] وقوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) [القصص 59] ومثل هذا كثير وقد قال تعالى في هذه السورة وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) [الإسراء 58] فلما ذكر ما تقدم من الآيات أن كل عامل يلزمه عمله خيراً كان أو شرًّا وان هداه لنفسه وضلاله عليها وأنه لا يحمل
عليه ذنب غيره ولا يعذب حتى يبعث إليه الرسول ذكر بعد هذا انه إنما اقتضت حكمته ومشيئته إهلاك قرية كيف يفعل أنه لا يعذبهم بغير ذنوبهم كما أخبر بذلك فقال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء 16] فقد أخبر أن هذا الأمر إنما يكون إذا أراد هلاكهم وما شاء الله عز وجل كان فلابد من وقوع هلاكهم والهلاك إنما يكون بالذنوب وأمر التكليف الذي هو الأمر بالحسنات والنهي عن السيئات لا يستلزم وقوع المعصية بل قد يأمرهم فيطيعون فلا يستحقون العذاب بخلاف أمر التكوين كما قال تعالى فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) [الشمس 8] وكما قال تعالى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) [مريم 83] وقال تعالى فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف 5] وقال تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام 110] وقال تعالى وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) [الأنعام 125] وفي الحديث إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن
الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً فالمترفون من أهل القرى الذين قال فيهم الله عز وجل وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) [هود 116] وقال في أصحاب المشأمة إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) [الواقعة 45-46]
يعاقبون على ذلك بأن يجعل في قلوبهم دواعي إلى الفسق الذي يستحقون به العذاب فهذا أمر المترفين بأن يفسقوا فيها وحينئذ يحق عليهم القول فيدمرها تدميراً فقوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء 16] دل على أن هذا الأمر أريد به إهلاكهم وأمر التكليف ليس كذلك وقوله تعالى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا دل على أنه ليس أمراً عاماً وأمر التكليف ليس كذلك فالأمر بالإيمان والعمل الصالح عام لا يختص بالمترفين على أن مقصود الآية إنا لا نهلكهم إلا بذنوبهم كما قال تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) [الإسراء 15] فإذا أردنا إهلاكهم لم نهلكهم إلا بذنب بل يلهمهم فجورهم فيستحقون بذلك العذاب فقد تبين في نفس الآية أنه لم يرد أمر التكليف والتشريع الذي أرسل به الرسل فإنه لا يأمر أحداً بفسق ولا معصية وقد دل القرآن في غير موضع على أنه إنما يأمر بالأعمال الحسنة لا يأمر بالشر بل ينهى عن أنواع الشر وما يسمى فسقاً ويذم ذلك ويتوعد عليه كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل 90]
وقال تعالى وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ [الحجرات 11] وقال تعالى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) إلى قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة 18-20] وقال تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) [الكهف 50] وقال تعالى وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام 120] وقال تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة 2] وقال تعالى إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) [المجادلة 9] ومثل هذا كثير وقد بسط الكلام على هذه الآية ونحوها في غير هذا الموضع وبين أن لفظ الأمر والإرادة والإذن والحكم والقضاء والكتاب والكلمات والتحريم والبعث والإرسال وغير ذلك ينقسم إلى ديني وكوني شرعي وقدري فالرب تعالى له الخلق والأمر وعلينا أن نؤمن بدينه وبشرعه ونؤمن بقضائه وقدره فلفظ الإرادة يكون بمعنى المحبة والرضى لما شرعه وبمعنى المشيئة لما يخلقه
والأول هو كقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 185] وقوله مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة 6] وقوله يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء 26] وقوله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب 33] والثاني كقول نوح عليه السلام وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود 34] وقوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام 125] وأمثال ذلك ولفظ الإذن الشرعي كقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) [الأحزاب 45-46] وقال تعالى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) [الحشر 5] وأما الإذن الكوني المحض فقوله تعالى وَمَا هُمْ
بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة 102] والحكم الديني كقوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) [المائدة 1] والحكم الكوني كقوله يعقوب عليه السلام وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) [يوسف 67] والقضاء بمعنى الشرع كقوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] وبمعنى الخلق كقوله تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت 12] والبعث الديني كـ قوله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة 2] والكوني كـ قوله تعالى بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء 5] والإرسال الديني كقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) [الفتح 8] وقوله إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ
رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ [المزمل 15] والكوني وقوله أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) [مريم 83] وبسط هذا له موضع آخر وأما الآية الأخرى فقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة 67] وقوله تعالى قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) [طه 126] وقوله تعالى وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية 34] لا يقتضي أنه لا يعلم أحوالهم بل الأمر كما قال السلف أنهم نسوا في الخير دون الشر كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس نَسُوا اللَّهَ تركوا أنفسهم فَنَسِيَهُمْ يقول تركهم من كرامته وثوابه وفي تفسير
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر وهو كما قالوا فإنه من المعلوم أنهم إذا عذبوا فهو الخالق لعذابهم وبمشيئته يكون والمشيئة مستلزمة للعلم فلا يشاء إلا ما علمه بل قدر ذلك وكتبه قبل أن يكون وهو عالم به وبكل شيء بعدما يكون كما أخبر في غير موضع أنه يعلم أحوال العبد واستعمال النسيان في مثل ذلك لا يستلزم عدم العلم
يقول القائل لمن أعطى الناس أو مدحهم أو أكرمهم أو ولاهم نسيتني فلم تفعل ما فعلت بفلان ولا يكون غافلاً بل يكون ذاكراً له لكن تركه على عمد لأنه لا يستحق ذلك ويقال لمن عاقب غيره فجعله في السجن ونحوه نسيت فلانا وهو يخطر بقلبه ويشعر به لكنه لا يذكره بخير كما يذكره غيره فإن النسيان ضد الذكر كما قال تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف 24] ويقال إذا نسي ذكره أتذكر كذا أم نسيته والذكر المطلوب من الغير لا يراد به مطلق الذكر بل يراد به تذكره بخير ثناءً عليه وإما إحسانا إليه وقد يراد بلفظ الذكر الذكر بالشر والذم كقوله تعالى وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) [الأنبياء 36] أي يذكر آلهتكم بالذم والعيب وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الذي يستحقه وهو الذكر بالمدح والثناء هُمْ كَافِرُونَ
وهذا يعرف بما يقرن باللفظ فإذا ذكر من يبغض الشخص ويعاديه وقيل هو يذكره علم أنه يذكره بالشر وإذا ذكر من يحبه ويواليه وقيل إنه يذكره علم أنه يذكره بالخير وقد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبغض آلهتهم قلما قالوا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء 36] عرف أن المراد ذكرها بالشر ولما ذمهم على أنهم كافرون بذكر الرحمن علم أن المراد ما يستحقه من الذكر كما قال عز وجل وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر 45] وقال وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) [الإسراء 46] والذين نسوا الله قد كان يخطر بقلوبهم ويشعرون به ويدعونه عند الضرورة وإذا سئلوا من خلقهم قالوا الله عز وجل لكنهم لم يذكروه الذكر الذي يستحقه فلم يذكروا كتابه المنزل وأمره ونهيه وخبره كما قال تعالى في الآية الأخرى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) [طه 124-126] فالآيات كما أتته ولم يذكرها بل أعرض عنها وإن كان شاعراً بها فكان الجزاء من جنس العمل لا يذكر بما
يذكر به المؤمنون من الجزاء بالحسنى بل ينسى فلا يذكر هذا الذكر وإن كان معلوماً لله لا يجوز أن يكون مجهولاً له وهو كما قال قتادة نُسوا من الخير لم ينسوا من الشر ومما يبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا الذكر هو جزاء ذكره وهو عالم به سواء ذكره أو لم يذكره ومن لم يذكر الله بل أعرض عن ذكره فإن الله
تعالى يعرض عن ذكره بالخير وهذا نسيان له من الخير فتبين أن لفظ النسيان المضاف إلى الله لا يدل على عدم العلم ألبتة وهذا كلفظ الرؤية والسمع فإن السمع متعلق بالأقوال والقول خبر وطلب والمطلوب من سمع الخبر صدقه ومن سمع الطلب إيجابة الطالب فلهذا يعبر بالسمع عن التصديق والإجابة كقول المصلي سمع الله لمن حمده أي أجاب دعاه ولو أريد السمع المجرد أو السمع مع نقص المسموع فهو يسمع لمن حمده ولمن لم يحمده كما قال تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران 181] وقال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] وقال الملك للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك
وقد قال الخليل إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) [إبراهيم 39] فهذا كقوله سمع الله لمن حمد أي أجاب دعاه فإنه يجيب الداعي كما قال تعالى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) [سبأ 50] وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً وقال تعالى في ذم قوم
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة 42] وقال سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [المائدة 41] أي مطيعين لهم يستجيبون لهم كما قال تعالى وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة 47] أي مطيعون لهم ويقال فلان ما سمع كلام فلان إذا كان لا يصدقه فيما يخبر به ولا يطيعه فيما يأمر ويشير وهو يسمع كلام فلان إذا كان يصدقه ويقبل منه ما يشير به وكذلك الرؤية فالنظر يراد به نظر المحبة أو الرحمة والعطف ومنه قوله تعالى وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران 77] إذ كان المحبوب والمرحوم ينظر إليه والبغيض يعرض عنه وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان
وملك كذاب وعائل مستكبر وقد قال الله تعالى للمنافقين وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة 105] وقال تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) [يونس 14] وهو يعم عمل الخير والشر وكل موضع من هذه المواضع فمع اللفظ ما يدل على المراد به ولا يستوي هذا وهذا وكذلك لفظ النسيان وغيره والنسيان المناقض للعلم قد أخبر في غير موضع بما يوجب تنزيهه عنه مثل قوله عز وجل وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) [مريم 64] وفي قوله تعالى فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) [طه 52] بل في نفس الصورة التي قال فيها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) [طه 126] قال تعالى لَا يَضِلُّ رَبِّي
وَلَا يَنْسَى (52) [طه 52] فإنه أخبر أنه يوم القيامة يحاسب العباد بأعمالهم ويثيبهم بها على وجه التفصيل وهو قد أحصاها وهم نسوها قال تعالى يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) [المجادلة 6] وهو مع ذلك قد أمر الملائكة بكتب أعمالهم وهو سبحانه وتعالى الذي أنطق الأعضاء وجعلها تخبر بما كان فمن جعل الأعضاء عالمة شاهدة بما مضى كيف لا يكون هو عالم بما مضى شاهد به وهو سبحانه وتعالى لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء
فصل قال الرازي الفصل الثالث في الطريق الذي يعرف به كون الآية محكمة أو متشابهة اعلم أن هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات الموافقة لمذهب خصمه متشابهة فالمعتزلة تقول إن قول الله تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف 29] محكمة وقوله تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان 30] متشابهة والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلابد هاهنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب
فنقول إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيداً وخرج القرآن عن أن يكون حجة ثم ذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيًّا أو عقليّا وأما القسم الأول فنقول هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما لإبقاء الآخر بأولى من العكس اللهم إلا أن يقال أحد الدليلين قاطع والآخر ظاهر فالقاطع راجح على الظاهر أو يقال كل واحد منهما وإن كان ظاهراً إلا أن أحدهما أقوى إلا أنا نقول أما الأول فباطل لأن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها
موقوفة على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والتصريف وعلى عدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والإضمار وعلى عدم المعارض العقلي والنقلي وكل واحدة من هذه المقدمات مظنونة والموقوف على المظنون أولى أن يكون ظنيّا فثبت أن شيئاً م الدلائل اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًُّا وأما الآخر وهو أن يقال أحد الدليلين الظاهرين أقوى من الآخر إلا أنه على هذا التقدير يصير ترك أحد الظاهرين لتقرير الظاهر الآخر مقدمة ظنية والظنون لا يجوز التعويل عليها في المسائل العقلية القطعية فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره
محال ممتنع فإذا حصل هذا المعنى فعند ذلك يجب على المكلف أن يقطع بأن مراد الله تعالى من هذا اللفظ ليس ما أشعر به ظاهره ثم عند هذا المقام من جوز التأويل عدل إليه ومن لم يجوزه فوّض علمه إلى الله تعالى وبالله التوفيق وقال في تفسيره في تتمة هذا الفصل فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وبترجيح تأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلالة اللفظية وأنها ظنية كما بينا لاسيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في
غاية الضعف ومثل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال قال فلهذا التحقيق المتين ذهبنا إلى أن بعد إقامة الدلائل العقلية على أن حمل اللفظ على ظاهره محال ولا يجوز الخوض في تعيين التأويل فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب فيقال في هذا الفصل من التناقض والفساد والإلحاد ما الله تعالى أعلم به ولكن ننبه على بعضه فإن ما ذكره في هذا الفصل هو عمدة لأهل الإلحاد وذلك بوجوه الأول أن ما ذكره من أن كل أهل مذهب يجعلون
ما وافق قولهم محكماً وما وافق قول خصمهم متشابهاً إنما هو لاعتقادهم أن الدليل العقلي يدل على قولهم دون قول خصمهم لا لاعتقادهم أن في نفس الآيات ما يبين الاشتباه عما احتجوا به دون ما احتج به منازعوهم فإن الاشتباه العارض حاصل من الجميع إذ قد اشتبهت هذه الآيات على قوم وهذه على قوم وأما الاشتباه العام اللازم الذي يرجع إلى دلالة اللفظ فهذا يشترك الناس في العلم به لا يكون هذا متشابهاً عند طائفة محكماً عند طائفة وبالعكس وإذا كانت كل طائفة تجعل قولها محكماً لأنه هو الموافق للدليل العقلي عندهم فهذا هو القول الذي فرّق به بين المحكم والمتشابه لأن كل طائفة تدعي أن العقل معها ويكون الذي أنكره هو الذي قرره
يبين ذلك الوجه الثاني وهو أن يقال معلوم أن كل طائفة من الطوائف المنازعين في مسائل الأصول مثل الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية والمتفلسفة وغيرهم تدعي كل طائفة أن العقل يدل على صحة قولها وأن ذلك أدلة قطعية