الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
أصلاً فهو من جنس الاعتقادات الفاسدة والخواطر البالية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله وقال الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق كذا فيقول الله حتى يقول من خلق
الله فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله وحده أو قال فليستعذ بالله وينته في حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يسألونكم حتى يقولوا الله خلق كل شيء فمن خلق الله قال أبو هريرة قد سألني اثنان وهذا الثالث وكذلك اشتباه معنى الكلام فقد ذهبت الملاحدة الإسماعيلية ونحوهم إلى تأويل الصلاة والصيام والحج
بأن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج هو السفر إلى شيوخهم المقدسين وهذا وإن كان بعضهم يعلم أنه متعمد للكذب في ذلك فكثير من عوامهم راج ذبك عليهم وظنوه حقًّا وانه من العلوم الباطنة المكتومة التي لا يعرفها إلا الخواص وان هذا من المحكم ومعلوم أن قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 97] وقوله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [البقرة 158] هو البيت الذي بمكة وان الحج هو الحج المعروف وكذلك الصيام قد بين أنه صوم شهر رمضان وشهر رمضان هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وصيامه الصيام المعروف وعند طائفة كبيرة من النصيرية أن رمضان اسم لعدد من شيوخهم وهم يعتقدون ذلك وطائفة ظنت قوله تعالى وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) [الطور 44] هو شخص من الغلاة زعم أنه
ينزل من السماء وآخرون ظنوا أن قوله تعالى وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل 82] أن الدابة اسم لعالم ينطق بالحكمة وادعى ذلك غير واحد وطائفة ظنوا أن موسى والسحرة صدّقوا فرعون في قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) [النازعات 24] وأن موسى رضي بعبادة العجل وأقرهم على ذلك وأنكر على هارون كونه أنكر عليهم وقالوا إن قوله تعالى مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا
نَارًا [نوح 25] أن خطاياهم خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وأن أهل النار لا يتألمون في النار بل العذاب مشتق من العذوبة فيجدونه عذباً وإن عاداً لما جاءتهم الريح التي فيها العذاب أحسنوا ظنهم فكان فيها روحهم وفيها ما يستعذبونه وأن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) [البقرة 6] المراد به خواص أولياء الله الذين أسروا علم الحقيقة فسواء عليهم أأنذرتهم بالشريعة أم لم تنذرهم لا يؤمنون بها لأنهم قد عرفوا الحقيقة فلم يقبلوا ما يخالفها وهذه التفاسير وأعظم منها موجودة في كتبٍ يُعظَّمُ مصنفوها ويُجعلون أفضل من الأنبياء ويجعلون معرفة هذه التأويلات للقرآن هي من خواص علم أولياء الله تعالى ومعلوم أن الآيات التي اشتبهت عليهم قد أحكمها الله غاية الإحكام وبين مراده الذي عرفه الخاص والعام قال تعالى فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحج 46] وقال أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) [الجاثية 23] وقال وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام 111] وكذلك طائفة تأولت الشمس والقمر والكواكب بأن المراد بها ما بيّنه بعض الفلاسفة من العقل والنفس وطائفة تأولت جبريل بأنه خيال يكون في نفس النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الله تعالى يقول إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) ثم قال وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) [التكوير 19-23] فأخبر أنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وقال إن الرسول رآه بالأفق المبين وقال في الآية الأخرى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)
[النجم 5-9] إلى قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 13-18] فهذا الخبر فيه من الإحكام والإتقان والبيان الذي يمنع أن يكون جبريل في باطن النبي ما يطول وصفه وهذا ظن كثير من الفلاسفة ومن دخل معهم ممن يدعي التحقيق والمكاشفة من الصوفية ويدعي أنه أعلم من الأنبياء ومن هؤلاء من يظن أن فرعون مات على الإيمان وأنه لا يعذب في الآخرة ومنهم من يقول إن غرقه كان ليغتسل غسل الإسلام ويحتجون بقوله تعالى فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 98] قالوا فأوردهم وما دخل وهذه الآية اشتبهت على هؤلاء وعلى غيرهم حتى إنه لما ذهبنا إلى مصر وكان في شيوخهم من يقول هذا وصار لهم جاه سأل بعض ولاة الأمر لمن هو قاضي القضاة عن ذلك فقال ما في القرآن ما يدل على أنه كافراً
ومعلوم أن دخول فرعون النار معلوم بالاضطرار من دين المسلمين واليهود والنصارى والقرآن مملوء من الدلالات على ذلك نحوٍ من أربعين موضعا يبين عذابه في الدنيا والآخرة وأيضاً قوله فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 98] يدل على ذلك وأيضا فإنه قال يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ [هود 98] وإذا كان هو قادمهم فما دخلوا حتى دخل قبلهم ولو قُدّر أن هذه الآية لم تدل فقد دل غيرها ومما اشتبه عليهم أنه قال أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر 46] قالوا وفرعون ليس هو من آل فرعون وهذا الاشتباه من جهلهم بلسان العرب لا من عدم إحكام آيات الله تعالى بل قد أحكمها وقول القائل آل فلان يتناول نفسه ومن يؤول إليه كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) [آل عمران 33] وقوله تعالى فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) [الحجر 61-62] وقوله تعالى إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) [القمر 34-35] وقوله
تعالى إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ [الحجر 58-60] فلوط نفسه داخل في آل لوط وكذلك قول المصلي اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وهذا اللفظ في الصحيحين وهو أصح من غيره
وقوله صلى الله عليه وسلم للحسن إن الصدقة لا تحل لآل محمد وقول عبد الله بن أبي أوفى كان القوم إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بصدقتهم دعا لهم وإن أبي أتله بصدقته فقال اللهم صلِّ على
آل أبي أوفى وذلك أن الآل ما يؤول إلى الشخص ولا يضاف هذا الاسم إلا إلى معظم يكون آيلاً وسائسا لغيره
وأول من يؤول إلى الشخص هو نفسه وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال 41] ومعلوم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بالقتال ومكاسب المسلمين بالتجارة والصناعة لا تسمى غنيمة ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه يأخذون خمس مكاسب المسلمين وقد ظن بعضهم أنها غنيمة وخمسها وخص بالخمس طائفة معينة وهذا باب واسع وإذا عرف أن الاشتباه الإضافي قد يحصل لبعض الناس فالكلام وإن كان في غاية البيان والإحكام كان كل آية وإن كانت محكمة مبينة قد تشتبه على بعض الناس وعلى هذا فيكون قوله تعالى مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران 7] أن الآيات المحكمات لا تشتبه على أولئك بل هي أصل الكتاب الذي عرفوه بل اشتباه وأخر متشابهات عليهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند وغيره إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتهم به فكلوه إلى عالمه
فما علم الإنسان كان عليه أن يتبعه ويأتم به فهو في حقه إمام يأتم به وما جهل منه كالذي يشتبه عليه ولا يعرف معناه فإنه يكله إلى عالمه كما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال أيها الناس من علم علماً فليقل به ومن لم يعلمه فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم وإن الله تعالى قال لنبيه قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) [ص 86] وهذا
التشابه لا ينفي تشابه بعض الآيات في أنفسها فلفظ إنّا ونحن فيه اشتباه لكن ذاك التشابه مقرون بالإحكام فإن الله تعالى قد أحكم ذلك وبينه قلم يكن كرر لفظاً مما يشبه لفظاً مع اختلاف تعيينهما إلا وقد بين مراده وأحكمه بحيث صار بيناً محكماً مع ما فيه من الاشتباه وذلك الاشتباه لا يمنع كونه مبيناً محكماً وإن كان الراسخون في العلم يعلمون معناه وتفسيره دون غيرهم وهذا هو التشابه المعين وأما التشابه المطلق فهذا عارض لبعض الناس لنقص
فهمهم وعلمهم والذين في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولو كانوا أصحاء لابتغوا ما تبين لهم ولم يكن فيه اشتباه فعلموا به وما اشتبه عليهم إن أمكنهم أن يردوه إلى المبين لهم وإلا قالوا الله تعالى أعلم وهذا معنى قولهم يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه فإن الآيات الخبرية تتضمن عملاً محبة لله وخوفاً منه وتوكلا عليه ورجاء رحمته وخوفاً من عذابه واعتباراً بما مضى وغير ذلك من أنواع العمل وكلا النوعين التشابه العارض لبعض الناس والمعين لا يتصور أن يخلو منهما خطاب ولو كان في غاية البيان والفصاحة فلا خطاب أبين وأفصح من القرآن ولكن هذا من ضرورة نقص بني آدم فإنه ليس كل أحد يمكنه فهم كل كلام بل سبحان من يسر القرآن للذكر كما يسره للحفظ فيسر حفظه وفهمه أعظم مما يقع في نظائره وإلا فالكتابان المتقدمان التوراة والإنجيل لا يحفظان ولا يفهمان عشر عشر حفظ القرآن وفهمه وما صنفته الناس من العلوم أقل حفظاً وفهما من الكتب المنزلة فإن العناية بها أعظم وحرمتها في القلوب أعظم
وبهذا يحصل الجواب عن قول من قال لِمَ نُزِّلَ المتشابه وهذا التشابه الناشئ من نقص المستمع ونقص فهمه وعلمه وبه يحصل الجواب على ما ذكره الرازي من تقسيم المحكم والمتشابه فإنه ذكر أن كل طائفة تجعل ما تذهب إليه محكماً وما يذهب إليه مخالفوها متشابهاً ثم جعل هو المتشابه ما خالف الدليل العقلي والمحكم ما لم يخالف الدليل العقلي فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي لا صفة في الخطاب وكونه في نفسه قد أحكم وبُيِّن وفُصِّل مع أن المعارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جُوّز وقوعه في الجملة لا يخرجه عن كونه متشابهاً ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العلميات فلم يبق على قوله لهذه الآية مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران 7] معنى بحيث يرد التشابه إليها ولكن المردود إليه هو العقلي فما وافقه أو لم يخالفه فهو
المحكم وما خالفه فهو المتشابه وهذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب على رأي الملاحدة الذين يقولون إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق فخاطبهم بالتجسيم مع علمه أنه باطل وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد وقالوا خاطبهم أيضا بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم وهؤلاء جعلوا الفرق أن المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر
فصل قال الرازي وأما في عرف العلماء فاعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير المحكم والمتشابه وكتب من تقدمنا مشتملة عليهما والذي عندي فيه أن اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى إما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى أو لا يكون فإن كان موضوعاً لمعنى ولم يكن محتملاً لغيره فهو النص وإن كان محتملاً لغيره ذلك المعنى فإما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما أن لا يكون بل يكون احتماله لهما على السوية فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على احتماله للآخر كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً
فخرج من هذا التقسيم أن اللفظ إما أن يكون نصًّا أو ظاهراً أو مجملاً أو مؤولاً فالنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من النقيض والظاهر راجح غير مانع من النقيض فهذا القدر هو المسمى بالمحكم وأما المجمل والمؤول فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ غير راجحة إلا أن المجمل لا رجحان فيه بالنسبة إلى الطرف الآخر والقدر المشترك وهو عدم الرجحان بالنسبة إليه هو المسمى بالمتشابه لأن عدم الفهم حاصل فيه هذا الكلام عليه استدراكات كثيرة أحدها أنه مناقض لما فسّر به المحكم والمتشابه عقيب هذا الفصل فإنه ذكر في الفصل الذي بعده أن المتشابه
ما عارضه الدليل العقلي القاطع وما لم يعارضه دليل قاطع عقلي فهو المحكم وقال لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح إلا عند قيام الدليل القاطع أن ظاهره محال ممتنع وإذا كان كذلك فما عارضه الدليل العقلي وجب تأويله وإن قيل هو نص أو ظاهر لاسيما وهو يقول الأدلة اللفظية ليس فيها قاطع فلا نص عنده ويكون عنده متشابهاً من القسم المؤول وما لم يعارضه عقلي فهو محكم يكون إما نصًّا وإما ظاهراً وحينئذ فالمجمل الذي يحتمل المعنيين على السواء هو لا يدل على أحدهما بعينه فلا يتصور أن يعارضه العقل فيكون محكماً وقد جعله هنا من المتشابه والاحتمال المرجوح إن لم يوافقه العقلي القاطع لم يجز حمل اللفظ عليه وإن خالف أدلة سمعية أقوى منه مع كونه مرجوحاً والظاهر بضد ما ذكره هناك لا نص ولا مجمل بل إما ظاهراً وإما مؤولاً وهذا يناقض تقسيمه إلى
الأربعة الثاني أن تفسيره المحكم بالنص والظاهر والمتشابه بالمجمل والمؤول معروف م قول طائفة من أهل العلم وقد ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأنه قال المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان فليس تفسيره بذلك مما اختص به لكن هو يتناقض بخلاف أولئك الثالث أنه جعل مورد التقسيم اللفظ الموضوع لمعنى إما أن يحتمل غيره أو لا يحتمل ومعلوم أن اللفظ قد يكون محتملاً في الوضع مثل أن لفظاً مشتركاً مختصًّا كلفظ سهيل والثريا إذا أريد بهما الكوكبان والزوجان من قول الشاعر
أيها المنكح الثريا سهيلاً فإن سهيلاً كثيراً ما يسمى به الرجل والثريا تسمى به المرأة وكذلك من أسماء الأعلام كلاب ومرة وكعب ولؤي وأمثال ذلك من الأعلام المنقولة وهذه مشتركة بين ما سميت به وبين ما نقلت منه وهو اشتراك لاختلاف الوضع ومثل هذا الاشتراك لا ينكره عاقل مع احتماله في الوضع
فالمستعمل له إما مستعملاً بقرينة لفظية تبين المراد مثل قولنا سهيل بن عمرو وكلاب بن مرة فإن هذا الرجل لا يحتمل الكوكب ولا الكلاب جمع كلب وقوله الثريا كواكب صغار وسهيل هو الكوكب الذي يطلع في الشمال قريباً من القطب الجنوبي نص في الكوكب لا يحتمل إلا معنى واحداً وكذلك سائر الألفاظ فيجب الفرق بين الاحتمال في نفس الوضع وبين الاحتمال في نفس استعمال المتكلم ودلالة المخاطب على المعنى المراد وفهم المخاطب واستدلاله على المراد وحكمه إياه على المراد والمقصود من
الكلام هو الدلالة في الاستعمال وإذا قدر وضع متقدم فهو وسيلة إلى ذلك وتقدمة له وحينئذ فاللفظ لا يكون غير نص ولا ظاهر لكونه في الوضع محتملاً لمعنيين وهو في الاستعمال نص في أحدهما فتبين أن ما ذكره من الأسماء والأحكام مما ذكره في الأقسام ليس كما ذكره فإنه جعل كل ما كان موضوعاً لمعنى محتمل بغيره ليس بنص والموضوع لمعنيين على سبيل البدل وهو المشترك بنص مع أنه في عامة الكلام يكون نصًّا في المراد لا يحتمل غيره كقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران 110] وقوله تعالى إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام 38] وقوله تعالى كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد 30] وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [البقرة 134] وقول النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم وأمثال هذه الكلمات فيها لفظ الأمة نص في
الصنف من الناس أو من الدواب وإن كان لفظ الأمة يراد به الملة والقدوة الذي يؤتم به ويعلم الخير
في مثل قوله تعالى وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون 52] وقوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل 120] فاللفظ في الوضع يحتمل أكثر من
معنى واحد ولكن لما ذكر في الكلام المؤلف كان اقترانه بما ذكر معه يوجب أن يكون نصًّا لا يحتمل إلا معنى واحداً وكذلك لفظ الإمام في مثل قوله تعالى وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) [الحجر 74-79] وهذا نص في أن الإمام المبين هو الطريق الواضح كما قال جمهور أهل العلم قال ابن قتيبة قيل للطريق إمام لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقد قال ابن الأنباري وإنما أي لوطاً وشعيباً لبطريق من الحق يؤتم به وقيل وإنهما لفي كتاب مبين وهذان القولان وإن كان كل شيء على طريق مستقيم وكل شيء أحصاه الله عز وجل في الإمام المبين وهو اللوح
المحفوظ لكن هذان القولان في تفسير هذه الآية إما مرجوحان وإما باطلان وبكل حال فاللفظ لا يحتمل الإمام من الناس بخلاف قوله تعالى لإبراهيم إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة 124] وقوله تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء 73] ونحو ذلك فإنه نص في ذلك لا يحتمل غيره ومثل هذا كثير يكون اللفظ إذ جرد محتملاً لمعان فإذا أكد ونطق به مع غيره يعين بعض تلك المعاني فلم يحتمل غيره فهذا نص وإن كان موضوعاً لمعنى الوجه الرابع أن يقال الكلام إما أن يدل بمجرده وهو الذي تسميه حقيقة وإما أن لا يدل إلا مع القرينة وهو المسمى المجاز وهذا لا يكون المتكلم به مريداً لمعناه إلا مع القرينة وحينئذ فاللفظ في الحال الأول لا يحتمل إلا الحقيقة وفي الثانية لا يحتمل إلا المجاز فما بقي لفظ مستعمل يحتمل معنيين في نفس الأمر الوجه الخامس قوله إن اللفظ إذا احتمل معنيين كان بالنسبة إلى كل منهما مجملاً وبالنسبة إليهما مشتركاً وحصر
الألفاظ في النص والظاهر والمجمل والمؤول فيقال له المجمل قد لا يكون مشتركاً بين معنيين بل يكون عديم الدلالة على أحدهما لقوله تعالى وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام 141] وقوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة 103] وقوله تعالى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج 77] وقوله تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) [الحج 29] وقوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة 196] فإن لفظ السجود ليس مشتركاً بين واحدة وبين ثنتين وثلاث وأربع ولا لفظ الطواف مشتركاً بين أعداد معينة ولا لفظ الفدية مشتركاً في الصيام بين أيام معينة بل هذه الألفاظ لا تدل بمجردها على شيء معين من المقادير فهي مجملة فلما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن السجود سجدتان والطواف سبع والفدية من الصيام صيام ثلاثة أيام ونحو ذلك كان هذا تفسيراً لمجمل القرآن باتفاق العقلاء مع أن المجمل ليس بمشترك الوجه السادس قوله إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما أن لا يكون بل هو يحتملهما على السوية
فيقال له هذا التساوي والترجيح متى يكون إما أن يكون في الوضع وإما أن يكون في الاستعمال فأما كونه في الوضع فلو كان حقًّا لم يقترن به شيء إذ المقصود دلالة اللفظ على المعنى وهذا إنما يكون باستعماله فيه لا بمجرد وضع متقدم فكيف وتقدير وضع غير الاستعمال مما لم يقم عليه دليل وأيضاً فالوضع لكل منهما إما أن يكون مع التجريد وإما أن يكون مع التقييد والأول ممتنع إلا من واضعين وحينئذ فالمخاطب إن كان قد عرف منه أنه لا يتكلم إلا بوضعه الذي هو لغته وعادته فإنه لا يحتمل إلا ذلك المعنى وإن كان يتكلم بهذا تارة وبهذا تارة صار من القسم الثاني وهو أنه لا يكون موضعاً لأحدهم إلا مع التقييد المعين له ومع التقييد لا يدل على غيره فلم يبق للفظ المستعمل حال
يحتمل فيها معنيين على السواء الوجه السابع أن احتمال المعنيين إما أن يكون بالنسبة إلى عناية المتكلم وإرادته وإما أن يكون بالنسبة إلى فهم المستمع وتصوره والأول باطل فإن المتكلم الذي عنى باللفظ معنى لا يكون ذلك المعنى وغيره بالنسبة إليه سواء بل ولا يحتمل اللفظ بالنسبة إليه إلا ما عناه وأراده به لا يحتمل غير ذلك وإن كان بالنسبة إلى المستمع فهذا قد يكون لقصوره وعجزه ونقصه عن فهم اللفظ وأما إن اقترن به ما يدل على مراد المتكلم فلا يكون كلام المتكلم يحتمل معنيين لا على التساوي ولا على الترجيح وإذا كان كذلك فهذا ممكن بل واقع في جميع الألفاظ وكل خطاب قد يكون المستمع لنقصه لم يفهم المراد بل هو وغيره محتمل على السواء أو أحدهما راجحاً وعلى هذا فبقي كونه نصًّا
وظاهراً ومجملاً ومؤولاً بالنسبة إلى شخص دون شخص فمن عرف المراد جازماً به لا يحتمل غيره عنده فهو عنده نص ومن ظهر له معنى وجوَّز غيره فهو عنده ظاهر ومن كان هو وغيره عنده سواء في الاحتمال فهو مجمل عنده ومن كان المراد عنده هو الاحتمال المرجوح فهو عنده مؤول فهذه تقسيمات بالنسبة إلى فهم المستمعين ليس تقسيمات للفظ بالنسبة إلى عناية المتكلم ولا دلالة المستمع وعلى هذا فكل كلام عنى به صاحبه معنى صحيحاً ودل عليه فهو محكم وإن كان متشابهاً عند من لم يعرف دلالته ولا يكون هذا التقسيم صفة لازمة للكلام بل يجب أن يكون بعضه لا يكون إلا محكماً وبعضه لا يكون إلا متشابهاً الوجه الثامن أنه إذا كان المتشابه هو المجمل والمشترك وكلاهما لا يفهم منه المراد ولا يدل عليه لم يكن واحد منهما بياناً ولا هدى ولا مبيناً ولا يعلم أنه المراد وقد
تقدم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى وبيان ومبين ونحو ذلك من الأسماء فدل على أنه ليس فيه هذا الذي جعله متشابهاً وهو المجمل والمشترك والمؤول بخلاف المجمل الذي يدل على جنس الحكم دون قدره أو وصفه فإن ذلك دل على ما أريد به فهو هدى وبيان له ولكن ثم أمور أخرى لم يدل عليها وليس كل لفظ يدل على كل شيء بخلاف المشترك الذي لا يدل على المراد فإنه لا يحصل به هدى وبيان وما ذكر يدل على أنه ليس في القرآن لفظ يحتمل معنيين على السواء لم يبين المراد به ولا لفظ يحتمل المراد به احتمالا مرجوحاً ولم يبين المراد به بل لابد أن يقترن به ما يبين المراد فيصير المراد هو الذي يدل عليه اللفظ مع تلك القرينة ولا يكون حينئذ مرجوحاً بل ظاهراً أو مقطوعاً به
فإن قيل القرينة هي الدليل العقلي الدال على امتناع إرادة المعنى الباطل قيل أولاً هذا لا يدل على معنى اللفظ المراد به وإنما دل إن دل على امتناع إرادة معنى آخر والدلالة على نفي غير المراد ليست هي الدلالة على المراد فقد يعلم بأدلة عقلية وسمعية انه لم يرد معنيين وإن لم يعلم مراده واللفظ الذي تكلم به لابد أن يدل على المراد إما بمجرده وإما مع القرينة فإن لم يدل لم يكن من الكلام المستعمل إذ لابد من مغنى أريد به وحينئذ فإذا كان المجمل والمتشابه كلاهما لا يدل على المراد ولا يفهم منه لم يكونا من أقسام الكلام ولاسيما ولهم قولان أحدهما أن معنى المتشابه غير معلوم فلا يكون اللفظ قد دل على المراد والثاني أنه يحتمل أموراً متعددة ولا يجزم بواحد منها والمراد على هذا التقدير غير معلوم فدل على أنه لم يدل القرآن على مراد الرب سبحانه وتعالى لا بنفسه ولا مع قرينة وهذا القول من جنس قول من يقول لا معنى له أو له معنى لا يمكن العلم به وقد عرف فساد هذا وهو من جنس أقوال الملحدين
لا المؤمنين الموحدين وهؤلاء وإن قالوا إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فهم عند أنفسهم ليسوا من الراسخين في العلم لا يعلمون المراد ولا يجزمون به بل إما أن لا يعلموه ولا يظنوه وإما أن يظنوه أحد معانٍ متعددة وليس ذلك علماً به ولا ظنًّا بعينه وغايتهم أن يعينوا معنى يظنونه ويرجحونه أو لا يعرفون غيره وهذا ظن ليس بعلم فعلى كل تقدير لم يعلموا تأويله فلم يكونوا من الراسخين وكيف يكونون من الراسخين والراسخ الثابت يقال رسخ رسوخاً إذا ثبت وهذه صفة من يثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهؤلاء أهل شك وريب واضطراب
لا أصحاب رسوخ وثبات ويقين بل قد يدعون اليقين بنقيض وليس عندهم فيه إلا الشك والحيرة أعظم من حيرتهم في معاني القرآن كما صرحوا بذلك وكما هو مبسوط في موضعه الوجه التاسع أنه إذا كان المجمل والمؤول كل منهما لم يدل على المراد ولم يفهم منه المراد بل هما مشتركان في عدم الفهم للقدر المشترك وهو هذا العدم تشابها فيقال له لا تشابه هنا إلا التشابه الإضافي وهو كون المستمع اشتبه الأمر عليه فلم يعرف المراد لا أن هنا لفظين تشابها وإنما يكون اللفظان المتشابهان إذا كان اللفظ يستعمل تارة في معنى وتارة في معنى آخر وإن كان مع القرينة فهذا تشابه فيكون القدر المشترك هو أن اللفظ يستعمل في المراد وفي غير المراد الذي لم يظهر منه المراد ليس القدر المشترك عدم الرجحان وهو المسمى بالمتشابه بل التشابه أمر ثبوتي وهو كون كل منهما يستعمل في المراد وفي غير المراد فقد اشتبه
دلالته على المراد بدلالته على غير المراد لا أن هذا العدم هو الاشتباه وقد قيل أو قاله في موضع آخر إن ذلك يسمى متشابهاً إما بأن الذي لا يعلم يكون النفي عنده مشابهاً للإثبات في الذهن وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم فأطلق لفظ التشابه على ما لم يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب فيقال النفي لا يشتبه بالإثبات إلا لاشتباه دليل هذا بدليل هذا وإذا عدم دليل كل منهما حصل في النفس شك والاشتباه أخص من الشك فليس كل من شك يكون هناك ما اشتبه عليه وإنما يكون الاشتباه إذا وجد ما بينهما تشابه وكذلك عدم العلم لا يسمى عدم كل علم تشابهاً ومن لم يتصور المسألة ولم يعرفها هو جاهل بها ولا يقال اشتبه عليه ومن لم يسمع الكلام لم يعرف مراد المتكلم ودلالة الكلام ولا يقال اشتبه عليه فإن الاشتباه أخص وإنما يكون الاشتباه عند وجود قدر مشترك حصل بسببه الاشتباه كمن رأى شيئاً من بعيد واشتبه عليه هل هو حيوان أو غيره ومن رأي شيئاً في السماء واشتبه عليه هل هو الهلال أو غيره وأمثال ذلك والله تعالى أعلم
فصب قال الرازي واعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فهو هنا يتوقف الذهن مثل القرء بالنسبة إلى الحيض والطهر وإنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن الراجح يكون باطلاً والمرجوح حقًّا مثاله في القرآن قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء 16] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ومحكمه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف 28] ردًّا على الكفار فيما حكى عنهم وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا
[الأعراف 28] وكذلك قوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة 67] قال وظاهر النسيان ما كان ضد العلم ومرجوحه الترك في قوله تعالى فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر 19] ومحكمه قوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) [مريم 64] وقوله تعالى لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) [طه 52] قال فهذا تلخيص الكلام في تفسير المحكم والمتشابه وبالله التوفيق وعلى هذا استدراكات أحدها قوله إن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فهنا يتوقف الذهن فيقال استواء المفهومين إن كان مع إرادتهما فاللفظ علم شامل وإن كان مع إرادة أحدهما فالاستواء إما أن يكون لاستواء دليلهما بحيث لا يختص المراد بما يدل عليه بل يكون الدليل على المراد وغير المراد سواء وإما أن يكون الاستواء في ذهن المستمع لكونه لم يعرف رجحان دليل المراد وهكذا توقف
الإنسان في سائر العلوم ومعرفة الأحكام الشرعية إنما يكون لانتفاء الدليل المرجح للحق في نفس الأمر فتكون الأدلة متكافئة في نفس الأمر ويكون على كل واحد منهما دليل وإما أن يكون التكافؤ في ذهن الناظر لكونه لم يعرف الدليل الراجح لعجزه عن معرفته أو تفريطه وتركه النظر والبحث التام فإن كان التساوي لهذا المعنى وهو قصور الناظر أو تقصيره فهذا موجود في كل كلام وفي كل دليل ولا يلزم من ذلك أن يكون الأمر بالنسبة إلى المفهومين على السواء بل اللفظ دل على أحدهما دون الآخر لكن المستمع الناظر لم يعرف دلالته وحينئذ فعلى هذا التقدير القرآن كله محكم قد بين المراد به وإنما الاشتباه في بعض الآيات لنقص فهم الناظر وقد أخبر الله تعالى أنه أحكم آياته وأنها مبينة وأنها هدى وأنها نور وهذا إنما يكون إذا كانت مبينة لما أراده وعناه وأما إذا كان لا فرق فيها بين المراد وغيره لا يدل على واحد