بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 756-795
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم

صفحات 756-795
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

الآخر لم يجز أن يسبقه شيء أو يتأخر عنه شيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء لكن الأول والآخر لا ابتداء له ولا انتهاء وإذا لم يكن له نهاية ولا حد من الوجهين جميعًا ظهر فيه امتناع أن يكون قبله أو بعده شيء بخلاف المتناهي المحدود من الأحياز ولكن هذا الفرض جاء من خصوص المكان والزمان بدليل أن أهل الجنة لا آخر لوجودهم بل هم باقون أبدًا وإن كانوا متحيزين فلا حد ولا نهاية لآخرهم وإن كانت ذواتهم محدودة متناهية في أحيازها وأماكنها ولهذا لما أراد جهم أن يَطْرُد دليله في وجوب النهاية لكل مخلوق أوجب فناء الجنة والنار

ولما أراد أبو الهذيل أن يطرد دليله في تناهي الحوادث أوجب انقطاع حركات أهل الجنة والنار والمقصود هنا أن وجوب تناهي البقاء والأمد وإن كانت الأحياز متناهية أو كان المتحيز متناهيًا لم يجب أن يكون فوقه شيء إذ ليس وراء الموجود شيء موجود إلى غير نهاية وقد تقدم إبطاله لذلك وأيضًا فيقال له أنت لم تذكر حجة على امتناع ذلك لم يكن هذا الوجه دليلاً وأما قولك لا يكون هو فوق جميع الأشياء بل تكون الحياز أشد فوقية فهذا تمسك بإطلاق لفظ مع أنك لا تقول بمعناه فهو عندك أيضًا ليس فوقه شيء من الأشياء فضلاً عن أن تكون فوقه جميعها إلا بمعنى القدرة والتدبير وهذا المعنى يثبته المنازع مع إثباته لهذه الفوقية الأخرى فيكون قد

أثبت ما تثبته من صفات الكمال ويثبت كمالاً آخر لم تثبته أنت وأيضًا فتلك الأحياز ليست شيئًا أصلاً لأن الأشياء هي الموجودة ولا موجود إلا الله وخلقه وهو فوق خلقه وإذا لم تكن أشياء لم يصح أن يكون شيء فوقه وكان هو فوق كل شيء وأما خلق جسم هناك فلم يذكر على امتناعه حجة إلا أن الخصم لا يقول به والخصم يقول ذلك ممتنع لامتناع أن يكون شيء موجود فوق الله فإن سلمت له هذه العلة كان ذلك جوابًا لك وإن لم تسلمها لم يكن مذهبه صحيحًا فلا تحتج به وقد تقدم كلامك على إبطال مثل هذه الحجة وهي الإلزامات المختلفة المآخذ وأيضًا فلو قال قائل بل ذلك جائز فلم تذكر على إبطاله حجة لاسيما وعندك أن النقص على الله تعالى لم يعلم امتناعه بالعقل وإنما علمته بالإجماع لاسيما إن احتج

بظاهر قوله تعالى يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] وبقوله كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء لاسيما وهذا لا ينافي الفوقية والعلو بالقدرة والقهر

والتدبير وعندك لا يستحق الله الفوقية إلا بهذا وهذاالمعنى ثابت سواء خلق فوقه شيئًا آخر أو لم يخلقه فإذا لم يكن هذا مستحيلاً على أصلك لم يصح احتجاجك باستحالته عند المنازع الذي ينازعك في المسألة بل قد يقول لك إذا لم يكن ما يمنع جواز ذلك إلا هذا فعليك أن تقول به لأن هذا ليس بمانع عندك الوجه الثاني أن يقال قد ذكرت أن الكرامية الذين قالوا إنه فوق العرش منهم من قال إنه ملاق للعرش ومنهم من قال إنه مباين عنه ببعد متناه ومنهم من قال إنه مباين عنه ببعد غير متناه وهذا القول يتضمن أن بين الله وبين العرش بعدًا غير متناهٍ وقد ذكر الأشعري في المقالات قول طوائف ممن يقول إنه لا نهاية لذاته مع قولهم إنه ممتد في الجهات فقال بعد ذكر مقالات المعتزلة هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم قال قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن

الباري ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية ونحن الآن نخبر عن أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم قال واختلفوا فيما بينهم في التجسيم وهل للباري قدر من الأقدار وفي مقداره على ستة عشر مقالة فذكرقول هشام إنه جسم أن له مقدارًا وأنه ذو لون وطعم ورائحة ومجسَّة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون قال ولم يثبت لونًا غيره وأنه يتحرك يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد وهذا قد يقال إنه يناسب قول من قال من الصفاتية

إنه يدرك بالحواس قال وحُكِي عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونُا ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة وأن يكون طويلاً أو عريضًا أو عميقًا وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت ما خلق الخلق وهذا قد يناسب قول من يقول إنه يدرك بالرؤية فقط فإن هذا يزعم أنه لايرى إلا اللون قال وقال قائلون إن الباري جسم وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون وطعم ورائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مماس له دون

ما سواه قال واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه مجسمًا فقال قائلون هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهن مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء وقال بعضهم مساحته على قدر العالم وقال بعضهم إن الباري جسم له مقدار من المساحة ولا ندري كم ذلك القدر وقال بعضهم هو في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا بالقليل القميء وحكي عن هشام أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه

وقال بعضهم ليس لمساحة الباري نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت قالوا وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا قطب وقال قوم إن معبودهم هو الفضاء وهو جسم تَحُل الأشياء فيه ليس بذي غاية ولا نهاية وقال بعضهم هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمة به فقد ذكر عن هاتين الفرقتين أنه لا نهاية لمساحته مع قول بعضهم إنه جسم وقول بعضهم إنه ليس بجسم كما ذكر عن آخرين من المجسمة أنه جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناهٍ وعن آخرين أنه بقدر العالم وأما القائلون بأنه على العرش فلم يذكر عنهم قولاً أنه لا نهاية لمساحته وذكر أيضًا عن زهير الأثري وأبي معاذ التومني

أنه فوق العرش وبكل مكان وقال فأما أصحاب زهير الأثري فإن زهيرًا كان يقول إن الله بكل مكان وأنه مع ذلك على عرشه أنه يرى بالأبصار بلا كيف وأنه موجود الذات بكل مكان وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول والمماسة ويزعم أنه يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿22﴾ [الفجر 22] بلا كيف فيقال له إذا نازعك إخوانك المتكلمون الجهمية من المجسمة وغير المجسمة الموافقون لك على أنه ليس فوق العرش الذين يقولون لانهاية لذاته ومساحته مع قولهم إنه جسم ومع قولهم إنه ليس بجسم فما حجتك عليهم وهذا هو القسم الأول وهذا ليس من أقوال من يقول إنه فوق العرش وكذلك ذكر أبو الحسن الأشعري لما ذكر اختلاف الناس هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان فقال قد ذكرنا قول من امتنع من ذلك وقال إنه في كل مكان حال وقول من قال لانهاية له أن هاتين الفرقتين أنكرتا القول إنه في مكان دون مكان

فأخبر أن القائلين بأنه لا نهاية له ينكرون أن يكون في مكان دون مكان فلا يقولون إنه فوق العرش لكن هذا المؤسس إن لم يبطل قول هؤلاء بالحجة وإلا خصموه فإنه ينكر أن يكون الله فوق العرش ويوافقهم على إطلاق القول بأنه لا نهاية له ولا حد ولا غاية وإن كان يفسر ذلك بتفسير آخر لكن نفي قولهم لابد له من حجة فأما الوجه الأول الذي ذكره فيقولون له لا نسلم أن الخط المتناهي يمكنه أن يسامت غير المتناهي فقولك زال عن الموازاة إلى المسامتة فرع إمكان ذلك والمحال المذكور إنما لزم من فرض مسامتة خط متناه لخط غير متناهٍ فلزم من ذلك أن يحصل في المتناهي نقطة هي أول نقطة المسامتة وأن لا يحصل لكن قولك إن هذا المحال إنما لزم من فرضنا أن ذلك الخط غير متناه ممنوع بل يقال هذا المحال إنما لزم من فرض مسامتة المتناهي لغير المتناهي فالإحالة كانت بفرض مسامتته له لا بفرض وجود غير المتناهي لِمَ قلت أن الأمر ليس كذلك وقد يقول لك أحد الفريقين من هؤلاء نحن نقول إنه غير

متناه وإنه غير جسم وحينئذ لا يمكن أن يفرض فيه خطوط ونقط فلابد من إقامة دليل على امتناع شيء ليس بجسم غير متناهٍ فإن أقمت دليلاً على ذلك بطل ما ذكرته في القسم الثالث من وجود أحياز خالية فوق الباري لأنه إذا وجب عندك تناهي الأبعاد وإن لم تكن أجسامًا وجب تناهي الأحياز فلم يجب أن يكون فوق الباري حيز ولا بعد كما ألزمتهم إياه في القسم الثالث وأما الوجه الثاني الذي احتججت به عليهم فقولك إذا كان القول بوجود بعد غير متناه ليس محالاً فعند هذا لا يمكن إقامة الدليل على كون العالم متناهيًا بكليته وذلك باطل بالإجماع يقولون لك أكثر ما يمكنك دعوى الإجماع على أن دليله امتناع بعد لا يتناهى ولايلزم من الإجماع على الحكم أن يكونوا مجمعين على دليل معين وأيضًا فلا يلزم من بطلان هذا الدليل بطلان سائر الأدلة كيف وقد ذكرت أنه مجمع عليه والإجماع من أعظم الأدلة إذ صحة الإجماع ليست موقوفة على إحالة أبعاد لا تتناهى

بدليل أن سلف الأمة وأئمتها يعترفون أن الإجماع حجة من غير أن يبنوا ذلك على أداة فيها هذه المقدمة التي قد لاتخطر ببال أكثرهم وقد يقول هؤلاء هَبْ إنْ قام دليل تناهي العالم وتناهي المخلوقات وتناهي الأبعاد التي فيها المحدثات فلم قلت إن ذلك محال في حق الباري وهذا يقوله مثبتة الجسم ونفاته كما تقدم ذكر القولين لهم وأما الوجه الثالث قولك لو كان غير متناه من جميع الجوانب أوجب أن لا يخلو شيء من الجهات والأحياز عن ذاته فحينئذ يلزم أن يكون العالم مخالطًا لأجزائه وأن تكون القاذورات والنجاسات كذلك وهذا لا يقوله عاقل فإن أردت أن ليس في المكلفين من العقلاء من يقوله فقد قاله منهم طوائف كما ذكرناه عن الأشعري أنه نقل ذلك عن

طائفتين ممن يقول إنه ليس مساحة طائفة تقول إنه جسم وطائفة تنفي الجسم وأيضًا فطوائف من الجهمية يقولون إنه بذاته في كل مكان وقد ذكر الأئمة والعلماء ذلك عن الجهمية وردوا ذلك عليهم وطوائف أخر يقولون إنه موجود الذات في كل مكان وأنه على العرش كما نقل الأشعري عن زهير وأبي معاذ وأيضًا هؤلاء الاتحادية يصرحون بذلك تصريحًا لا مزيد عليه حتى يجعلوه عين الكلب والخنزير والنجاسات لا يقولون إنه مخالط لها بل وجوده عين وجوده وهذا وإن كان من أعظم الكفر فالغرض أن إخوانه من الذين يقولون إن الله ليس فوق العرش قد قالوا هذا كله وما هو أكثر منه فلابد أن يرد قولهم بطرقه التي يسلكها وإلا لم يكن قوله أصح من قولهم بل

قولهم أقرب إلى العقل من قوله إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولهم في الجواب عن المخالطة من الكلام ما هو مع كونه باطلاً أقرب إلى العقل من كلامه مثل قولهم إنه بمنزلة الشعاع للشمس الذي لا يتنجس بما يلاقيه وبمنزلة الفضاء والهواء الذي لا يتأثر بما يكون فيه ونحو هذا من المثال التي يضربونها لله فهم مع كونهم جعلوا لله ندًّا وعدلاً ومثلاً وسميًّا في كثير من أقوالهم إن لم يكونوا أمثل منه فليسوا دونه بكثير وأما إن أردت أن العقل يبطل هذا القول فلم تذكر على بطلانه حجة عقلية أكثر ما ذكرت قولٌ تنفر عنه النفوس أو ما يتضمن نوع نقص وأنت تقول ليس في العقل ما ينفي عن الله النقص وإنما نفيته بإجماع فهذا الوجه في جانب من يقول بالقسم الثالث وأما القسم الثاني وهو التناهي من جهة دون جهة فما علمت به قائلاً فإن قال هذا أحد فإنه يقول إنه فوق العرش ذاهبَا إلى غير نهاية فهو متناه من جهة العالم غير متناه من الجهة الأخرى وهذا لم يبلغني أن أحدًا قاله ونقل الأشعري

يقتضي أن هذا لم يقله أحد بل كل من قال بعدم نهايته أنكر أن يكون فوق العرش الوجه الثالث أن يقال فَرْضُ بعد غير متناه لا يخلو إما أن يكون محالاً فإن كان محالاً بطل ما ذكر مما ذكرته في القسم الثالث من تجويز أحياز خالية فوقه إذاكان متناهيًا من جميع الجهات فإنه إذا وجب تناهي الأبعاد لم يجب أن يكون فوق العالم بعد فضلاً عن أن يكون فوق الباري بعد وإذا فرض ما ذكرته في القسم الثالث وهو أحد الوجهين نفي الوجه الأول وهو كون كل ماله قدر مخصوص يجب أن يكون محدثًا وقد تقدم الكلام عليه بما فيه كفاية وإذا بطل الوجهان بطل ما ذكرته على فساد القسم الثالث وإن كان فرض بعد غير متناه ممكناً ثبت إمكان القسم الأول وبطل ما ذكرته من الحجة على إحالة ذلك فقد ظهر على التقديرين أن ما ذكرته ليس بدليل صحيح الوجه الرابع أن القسم الثاني وهو أنه غير متناه من بعض الجوانب ومتناه من سائر الجوانب وإن كنا لم نعلم به قائلاً فلم تذكر دليلاً على إبطاله ولا استدللت على

إبطاله بنص أو إجماع فأما الدليل الذي ذكرته على امتناع بعد غير متناه فقد تقدم القول عليه مع أن تلك الوجوه لا تصلح هنا كما صلحت هناك أما الوجه الأول وهو امتناع وجود المسامتة وعدمها إذا قدر مسامتة غير المتناهي للمتناهي فإنه مع ما تقدم فيه إذا كان متناهيًا من بعض الجهات أمكن فرض المسامتة في تلك الجهة وحينئذ فتسامت النقطة الفوقانية من تحت الجهة قبل التحتانية لكن هذا لا يحصل إلا عند فرض مسامتٍ من الجهة التي لا تتناهى وأما الوجه الثالث وهو لزوم مخالطة ذاته للقاذورات فهذا لا يلزم إذا قيل إنه متناه من جانب الخلق دون الجانب الآخر فإنه حينئذ لا يكون مخالطًا لهم فبطل هذا الوجه هنا بطلاناً ظاهرًا وأما بطلان إقامة الدليل على تناهي العالم فقد تقدم الكلام عليه مع أن العالم في بقائه فيه متناه من أوله غير متناه من آخره ففيه تناه من وجه دون وجه لكن هذا ليس هو المتناهي في الجهة والمقدار والبعد

والفرض أن الوجوه الثلاثة هي في هذا القسم فيها نوع نقص عن ذلك القسم وأما الوجه الثاني وهو قولك إن الجانب الذي فرض أنه غير متناه والجانب الآخر إماأن يتساويا في الحقيقة والماهية وإما أن لا يكونا كذلك أما القسم الأول فإنه يقتضي أن يصح على كل واحد من هذين الجانبين ما يصح على الآخر وذلك يقتضي جواز الفصل والوصل والزيادة والنقصان فيقال لك مشاركة الشيء لغيره في حقيقته لا يقتضي مساواته له في المقدار كالمقادير المختلفة من الفضة والذهب وسائر الأجسام المتماثلة في الحقيقة فإنها تتماثل في الحقيقة مع اختلاف المقادير وحينئذٍ فهذه الأمور إنما يجوز على بعضها ما يجوز على بعض فيما تماثلت فيه وهو الصفة والكيفية وأماما يتعلق بالمقدار فليس الكبير في ذلك كالصغير ولايجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر بل للصغير أحكام لا تصح في الكبير وللكبير أحكام لا تصح على الصغير مثل شغل الحيز

الذي بقدره وغير ذلك وإذا كان كذلك فالبعد الذي يتناهى من أحد جانبيه دون الآخر وإنما تماثلت حقيقة الجانبين في الصفة والكيفية فلم تتماثل في المقدار لأن أحدهما أكبر من الآخر قطبًا فلا يلزم أن يجوز على غير المتناهي من النقص والفصل وأيضًا فإن لزم أن يحوز على أحدهما ما يجوز على الآخر فقولك ذلك يقتضي جواز الفصل والوصل والزيادة والنقصان على ذات الله تعالى هذا هو بعينه الدليل على امتناع كونه متناهيًا وهوأن المتناهي يقبل الزيادة والنقصان وقد قيل لك أن هذا ممنوع فيما وجوبه بنفسه فإن صفاته تكون لازمة لذاته فلا يمكن أن يكون على خلاف ما هو عليه كما نقول إن معلوماته أكثر من مقدوراته ومقدوراته أكثر من مخلوقاته ومراداته وهذا وإن لم يكن نظير ذلك والغرض التنبيه على تقدم الكلام في مثل هذا وأيضًا فلم تذكر دليلاً على امتناع الفصل والوصل والزيادة والنقصان فإن اعتصمت في ذلك بإجماع كانت الحجة سمعية وإن قنعت بنفور النفوس عن ذلك فنفور النفوس على

قولك أعظم مع أن هذا ليس حجة عندك وقولك وأما القسم الثاني وهوالقول بأن أحد الجانبين مخالف للجانب الآخر في الحقيقة والماهية فنقول إن هذا محال من وجوه الأول أن هذا يقتضي كون ذاته مركبة وهو باطل كما بيناه يقال لك قد تقدم الكلام على إبطال حجة التركيب بما يظهر به فسادها لكل عاقل لبيب فقولك الثاني أنا بينا أنه لا معنى للمتحيز إلا الشيء الممتد في الجهات المختصة بالأحياز وبينا أن المقدار يمتنع أن يكون صفة بل يجب أن يكون ذاتًا وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كان جميع المتحيزات متساوية وإذا كان كذلك امتنع القول بأن أحد جانبي ذلك الشيء يخالف الجانب

الآخرة في الحقيقة والماهية فيقال لك هذه حجة تماثل الأجسام وقد تقدم أنها من أبطل ما في العالم من الكلام وهي منشؤها من كلام المعتزلة والجهمية كما ذكره الأشعري وغيره كما أن الأولى من كلام الفلاسفة والصابئة وهي أيضًا من حجج المعتزلة والجهمية وقد تبين أن المقدار صفة للشيء المقدر المحدود وليس هو عين الشيء المقدر المحدود وتبين أيضًا أنه لو كان المقدار هو الذات لم يجب أن تكون المقدورات متساويات فإن بينها اختلافًا في صفات ذاتيات لها وهي مختلفة في تلك الصفات الذاتيات وإن كانت مشتركة في أصل

المقدار الذي جعلته الذات وغايتها أن تكون بمنزلة الأنواع المشتركة في الجني المتمايزة بالفصول وأيضًا فأنت وسائر الصفاتية بل وجميع العباد يثبتون لله معاني ليست متماثلة بل هذا واجب في كل موجود مثل إثبات أنه موجود بنفسه ومبدع بنفسه ومبدع لغيره وأنه عالم وأنه قادر وأنه حي وهذه حقائق مختلفة فالقول في اقتضائها للتركيب كالقول في اختلاف الجانبين كذلك كما تقدم ذلك وأما حجة تساوي الأبعاد وتماثلها فهذه الحجة إن صحت فهي كافية في نفي كونه كذلك سواء قيل إنه متناه أو غير متناه والحجة المستقلة بنفسها في المطلوب لا تصلح أن تجعل دليل بعض مقدمات دليل المطلوب لأن هذا تطويل وعدول عن سواء السبيل الوجه الخامس أنه أورد اعتراضًا من جهة المنازع بقوله فإن قيل ألستم تقولون إنه تعالى غير متناه في ذاته فيلزمكم جميع ما ألزمتموه علينا وقال في الجواب قلنا الشيء الذي يقال إنه غير متناه على

وجهين أحدهما أنه غير مختص بجهة وحيز ومتى كان كذلك امتنع أن يكون له طرف ونهاية وحد والثاني أنه مختص بجهة وحيز إلا أنه مع ذلك ليس لذاته منقطع وحد فنحن إذا قلنا إنه لا نهاية لذات الله عنينا به التفسير الأول فيقال المعقول المعروف إذا قيل هذا لا يتناهى أو لا حد له ولاغاية ولا نهاية أن يكون موجودًا أو مقدر الوجود ويكون ذلك الموجود أو المقدر ليس له حد ولا نهاية ولا منقطع بل لا يفرض له حد ومنقطع إلا وهو موجود بعده كما يقال في وجود الباري وبقائه فيما لم يزل ووجوده وبقائه فيما لا يزال بل في وجود أهل الجنة في الجنة فيما لم يزل فإنه لا ينتهي ذلك إلى حد إلا ويكون بعده شيء كما أن وجود الباري لا يقدر له حد ووقت إلا وهو موجود قبله وكذلك إذا

قدر أجسام وأبعاد لا تتناهى فإنه لا يفنى قبله وكذلك إذا قدر أجسام أو أبعاد لا تتناهى فإنه لا يفنى منها شيء أو يقدر فيها مقطع إلا وهي تكون موجودة بعده وكذلك ما يقدر في الذهن إلى حد ومقطع إلا ويقدر بعده شيء آخر وكذلك ما يقدر في الذهن منعدم التناهي من العلل وغيرها لتبين فساده هو من هذا الباب فالغرض أن الشيء الذي يوصف بعدم التناهي إما حقيقة وإما مقدارًا ممتنعٌ وإما تقديرًا غير ممتنع أو غير معلوم الامتناع كلها مشتركة في ذلك فأما وصف الشيء بأنه غير متناه بمعنى أن ليس له حقيقة تقبل التناهي وتقبل عدم التناهي فوصف هذا بأنه غير متناه مثل صفة المعدوم بأنه غير متناهٍ لأنه لا يمكن له نهاية وحد وطرف ولا يمكن أن يقال وذاته لا تقبل أن توصف بالتناهي وعدمه كما لا يقبل أن يوصف بالحياة وعدمها ولا بالعلم وعدمه ولا بالقدرة وعدمها

ولهذا يفرق من يفرق بين العدم المحض وعدم الصفة عما من شأنه أن يقبلها فإن الأعمى والأصم ونحو ذلك لا يوصف به المعدوم المحض ولايقال أيضًا للعدم المحض إنه جاهل أو عاجز أويثبت له أنه لا عالم ولا قادر بل كل صفة تستلزم الثبوت يمتنع أن يوصف بها المعدوم فإذا قيل الأعمى والأصم كان ذلك نفيًا للسمع والبصر عما يقبله لا عن المعدوم الذي يمتنع أن يوصف بثبوت فَفَرْقٌ بين نفي الصفة التي يمكن ثبوتها للموصوف في الذهن أوفي الخارج ونفي الصفة التي لا يكون لا في الذهن ولا في الخارج ثبوتها للموصوف فإذا قيل المعدوم لا يتناهى أو المعدوم غير متناهٍ كان المعنى أن المعدوم ليس له حقيقة تكون متناهية أو غير متناهية كما ليس له حقيقة تقبل أن تكون حية أوغير حية أو عالمة أو غير عالمة أو قادرة أو غير قادرة فإذا قيل قول القائل في الله إنه غير متناهٍ بمعنى أن ذاته لا تقبل الوصف بالنهاية وعدمها كان ذلك بمنزلة قول القائل إن الله ليس بأصم ولا ميت ولا جاهل بمعنى أن ذاته لا تقبل الوصف بهذه الصفات وعدمها فيكون المعنى حينئذ أنه لا يقال أصم ولايقال غير أصم ولا يقال ميت ولا يقال غير ميت وهذا شر من أقوال الملاحدة الذين يمتنعون من إثبات الأسماء

الحسنى له ونفيها فإن أولئك يقولون لا نقول حي ولا غير حي بل يسلبون أضدادها فيقولون هو ليس بميت ولا جاهل وإن كان هذا الذي قالوه يستلزم عدمه كما تقدم لكن ليس ظهور عدمه في ذلك كظهوره في قول القائل لا يوصف بالموت ولا بعدمه ولا بالعجز ولابعدمه كما لا يوصف بالقدرة ولا بعدمها ولا بالحياة ولا عدمها بمعنى أن ذلك لا يجوز أن يوصف لشيء من ذلك لا نفيًا ولا إثباتًا فإن هذا حال المعدوم المحض وإذا كان كذلك فقول القائل أنا أقول إن الله غير متناهٍ في ذاته بمعنى أن ذاته لا تقبل أن توصف بالتناهي وعدمه لأن ذلك من عوارض ذات المقدار كما لا يوصف بالطول وعدمه ولا بالقصر وعدمه ولا بالاستدارة والتثليث والتربيع وعدم ذلك لأن ذلك من عوارض المقدار وهو التجسيم والتحيز جمع بين النقيضين لأن قوله غير متناه في ذاته يفهم المقدار الذي لا يتناهى وهو البعد الذي لا يتناهى كما إذا قيل إنه لا نهاية له في أزله أفهم ذلك البقاء الذي لا يتناهى

والأزل الذي لا يتناهى وهو عَمْرُ الله الذي لا يتناهى كما يحلف به فيقال لعَمْرُ الله كما حلف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بذلك وقولهم بعد ذلك لا يقبل الوصف بالتناهي وعدمه نفي لما أثبتوه من كون غير متناهٍ وكذلك قوله امتنع أن يكون له طرف ونهاية وحد وهذا يفهم منه أن ذاته غير متناهية فلا نهاية لها وهو إنما أراد أن ذاته لا يجوز إثبات النهاية لها ولا سلبها عنها وهذا الثاني صفة المعدوم فالحاصل أنهم في هذا المقام إماأن يفسروا سلب النهاية بما هو صفة المعدوم أو بما يستلزم وجودًا غير متناه في نفسه فإن قالوا إن وجود ذلك الموجود غير متناه في نفسه فهذا قول من

يقول إن ذات الله لا نهاية لها وإن قالوا إن ذاته لايجوز أن يعتقد أو يقال فيها إنها متناهية أو أنها غير متناهية لأنها لا تقبل الاتصاف بذلك فهذا صفة المعدوم سواء فأحد الأمرين لازم إما تمثيل ربهم بالمعدوم وإما القول بأبعاد لا نهاية لها وهكذا كان السلف يقولون عن قول الجهمية إنهم لما قالوا إن الله ليس على العرش وأنه لا يكون في مكان دون مكان صاروا تارة يقولون إنه في كل مكان ويقول من يقول منهم إنه موجود لا نهاية لذاته فيجعلونه من الموجودات المخلوقة أو نفس وجودها وتارة يقولون ليس في مكان أصلاً ولا داخل العالم ولا خارجه فيجعلونه كالمعدومات فهم دائمًا مترددون بين الإشراك وبين التعطيل إما يجعلونه كالمخلوقات وإما أن يجعلوه كالمعدومات فالأول يكثر في عبادهم ومتصوفتهم والثاني يكثر في علمائهم ومتكلمتهم ولهذا لما كان صاحب الفصوص ونحوه من القسم الأول جعلوه نفس الموجودات وجوزوا كل شرك في العالم وجعلوه نفس العابد والمعبود والناكح والمنكوح والشاتم والمشتوم وقالوا ما عبد أحد إلا الله ولا يمكن أحد أن يعبد إلا الله بل لا يتصور أن يكون العابد والمعبود عندهم

إلا الله ولما كان صاحب التأسيس ونحوه من القسم الثاني جعلوه كالمعدومات المحضة ولهذا يقال فيهم متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا وهذا هو نهاية التعطيل ومتصوفتهم يعبدون كل شيء وهذا نهاية الإشراك ولهذا ذكر علماء الإسلام والسنة أن هذا السلب أول من ابتدعه في الإسلام هم الجهمية وليس له أصل في دين المسلمين ولا غيرهم بل الموجود في كتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها هو نفي إدراك نهايته ونفي الإحاطة به كما قال تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] وقال من قال من السلف لمن سأله عن هذه الأشياء ألست ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى قال لا قال فالله

أكبر وكذلك قوله وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴿110﴾ [طه 110] سواء كان الضمير عائدًا على الله أو على ما بين أيديهم فإن ذلك يدل على عدم إحاطة العلم بالله من طريق الأولى وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وغير ذلك وكذلك من قال من سلف الأمة إن حده لا يعلمه أحد غيره

وقد قال سبحانه وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿67﴾ [الزمر 67] فأخبر سبحانه أنهم ما قدروا الله حق قدره وهو يقبض الأرض بيده ويطوي السماء بيمينه كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث أبي هريرة وابن عمر وابن

مسعود كلها في الصحيحين ومثل حديث ابن عباس وغيره من الأحاديث الحسان وقال أيضًا في الآية الأخرى وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ [الأنعام 91] فالآية الأولى في الأصل الأول من الإسلام وهو التوحيد والثانية في الأصل الثاني وهو الرسالة وهؤلاء الجهمية لهم قدح في كلا الأصلين فإنهم لايقدرون الله حق

قدره فلا يقبض عندهم أرضًا ولا يطوي السماء بيمينه بل ليس له قدر في الحقيقة الخارجية عندهم وإنما قدره عندهم ما يقوم بالأنفس والأذهان فيثبتون لقدره الوجود الذهني دون العيني وكذلك عندهم في الحقيقة ما تكلم بشيء حتى ينزله على بشر لا سيما الصابئة المتفلسفة منهم فإن الكلام إنما يفيض عندهم على قلب النبي من العقل الفعال لا من رب العالمين وقد قال في الآية الأخرى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ﴿42﴾ [النجم 42] وقال إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴿6﴾ [الانشقاق 6] وقال ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وقال أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ﴿53﴾ [الشورى 53] وإذا كان منتهى المخلوقات غليه وهو الغاية والنهاية التي ينتهي إليها امتنع أن يكون بحيث لا ينتهي إليه ولا يكون غاية ومالا يوصف بالنهاية لا ينتهي إليه أصلاً فإنه لا اختصاص له حتى يكون الشيء غير منته إليه ثم ينتهي

إليه بل وصف الشيء بالانتهاء إليه وعدم الانتهاء إليه سواء كما يقوله الجهمية فإنه لا يتصور عندهم أن ينتهي إلى الله شيء أو يرجع إليه أمر أو يصير إليه أمر أو يرد إليه أحد لاسيما الاتحادية منهم من يقول إنه في كل مكان كما لا يتصور عندهم أن ينزل من عنده شيء أو يعرج إليه شيء أو يصعد إليه شيء وليس هذا موضع تقرير ذلك وإنما الغرض هنا أن قوله الشيء الذي يقال إنه غير متناه على وجهين أحدهما أنه غير مختص بجهة وحيز قول لا يعرف ما يعرف إطلاق القول على شيء بأنه غير متناه بهذا المعنى أصلاً إلا إذا كان معدومًا أو كان ذاهبًا في الجهات كلها غير متناه كما يقدر من الأبعاد الوجه السادس أن هذا الوجه معارض بما اختص الله به سبحانه من الحقيقة والصفات فإن الاختصاص بالوصف كالاختصاص بالقدر فهو مختص بالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك بحيث له صفات مخصوصة يمتنع لتصافه بأضدادها ونقائضها ويقال فيها نظير ما قاله في المقدار بأن يقال إما أن تكون الصفات متناهية أو غير متناهية من وجه دون وجه

فإن كانت متناهية فكل متناه يستدعي مخصصًا ويقبل الزيادة والنقص كما قدره في المقدار وإن لم تكن متناهية لزم وجود صفات لا نهاية لها وفرض وصف لا نهاية له كفرض قدر لا نهاية له فإن الصفة لابد لها من محل ويلزم من عدم تناهيها عدم تناهي محلها وأيضًا فإن كل صفة متميزة عن الأخرى فيكون للصفات عدد فإما أن يكون عدد الصفات يتناهى أو لا يتناهى فإن تناهى لزم الأول وإن لم يتناه لزم الثاني وإذا كان له أعداد لا تتناهى فهو كمقدار لا يتناهى فكلما يحتج له على امتناع مقدار لا يتناهى يحتج به على امتناع عدد صفات لا تتناهى إذ ما يفرض من المسامتة وعدمها في المقدار يفرض من المطابقة وعدمها في الأعداد وهذا الوجه يمكن أن يلزم به كل أحد فإنه لابد من الاعتراف بموجود له خاصية يتميز بها عما سواه إذ وجُودٌ ليست له خاصة تميزه ممتنع والكليات مع كونها موجودة في الأذهان فتميز ما في نفس زيد عما في نفس عمرو فإنها من الصفات القائمة بالأذهان وإذا كان لكل موجود خاصة يتميز بها سواء كان واجبًا بذاته أو كان ممكنًا فالقول في اختصاصه بتلك الخاصة كالقول في اختصاصه بقدر

فصل قال الرازي البرهان الرابع على أنه يمتنع أن يحصل في الجهة والحيز هو أنه لو حصل في شيء من الجهات والأحياز لكان إما أن يحصل مع وجوب أن يحصل فيه أولا مع وجوب أن يحصل فيه والقسمان باطلان فكما القول بأنه تعالى حاصل في الجهة محالاً وإنما قلنا إنه يمتنع أن يحصل فيه مع الوجوب لوجوه الأول أن ذاته مساوية لذوات سائر الأجسام من كونه حاصلاً في الحيز ممتدًا في الجهة وإذا أثبت التساوي من هذا الوجه ثبت التساوي في تمام الذات على ما بيناه في البرهان الأول في نفي كونه حسمًا وإذا ثبت التساوي مطلقًا فكل ما صح على أحد المتساويين وجب أن يصح على الآخر ولما لم يجب في سائر الذوات حصولها في ذلك الحيز وجب أن

لا يجب في تلك الذات حصولها في ذلك الحيز وهو المطلوب الثاني أنه لو وجب حصوله في تلك الجهة وامتنع حصوله في سائر الجهات لكانت تلك الجهة مخالفة في الماهية لسائر الجهات فحينئذ تكون الجهات شيئًا موجوداً فإذا كان الله واجب الحصول في الجهة أزلاً وأبدًا التزموا قديمًا آخر مع الله تعالى في الأزل وذلك محال الثالث أنه لو جاز في شيء مختص بجهة معينة أن يقال اختصاصه بتلك الجهة واجب جاز أيضًا ادعاء أن بعض الأجسام في حيز معين على سبيل الوجوب بحيث يمتنع خروجه عنه وعلى هذا التقدير لا يتمشى دليل حدوث الأجسام في ذلك فثبت أن القائل بهذا القول لا يمكنه الجزم بحدوث كل الجسام ل يلزمه تجويز أن يكون بعضها قديمًا الرابع هو أنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء صرف وإذا كانت بأسرها

متساوية يكون حكمها واحدًا وذلك يمنع القول بأن الله تعالى واجب الاختصاص ببعض الأحياز على التعيين فإن قالوا لما لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق أزلي قلنا هذا باطل لوجوه أحدها أن قبل خلق العالم ما كان إلا الخلاء الصرف والعدم المحض فلم يكن هناك لا فوق ولا تحت فبطل قولكم الثاني لو كان الفوق متميزًا عن التحت بالتميز الذاتي لكانت أموراً موجودة قابلة للانقسام وذلك يقتضي قدم الجسم لأنه لا معنى للجسم إلا ذلك الثالث هو أنه لو جاز أن تختص ذات الإله تعالى ببعض الجهات على سبيل الوجوب مع كون الأحياز متساوية في

العقل لجاز اختصاص بعض الحوادث المعينة ببعض الأوقات دون بعض على سبيل الوجوب مع كونها متساوية في العقل وعلى هذا التقدير يلزم استغناؤها عن الصانع ولجاز أيضًا اختصاص عدم القديم ببعض الأوقات على سبيل الوجوب وعلى هذا التقدير ينسد باب إثبات الصانع وباب إثبات وجوبه وقدمه الرابع أنه لو حصل في حيز معين مع كونه لا يمكنه الخروج منه لكان كالمفلوج الذي لا يمكنه أن يتحرك أو كالمربوط الممنوع من الحركة وذلك نقص والنقص على الله محال

وأما القسم الثاني وهو أن يقال إنه تعالى حصل في الحيز مع جواز كونه حاصلاً فيه فنقول إن هذا محال لأنه لو كان كذلك لما ترجح وجود ذلك الاختصاص إلا بجعل جاعل وتخصيص مخصص وكل ما كان كذلك فالفاعل يتقدم عليه فيلزم أن لا يكون حصول ذات الله في الحيز أزليًّا لأن ما تأخر عن الغير لايكون أزليًّا وإذا كان في الأزل مبرءًا عن الموضع والحيز امتنع أن يصير بعد ذلك مختصًّا بالحيز وإلا لزم وقوع الانقلاب في ذاته تعالى وهو محال والكلام على هذه الحجة على قول من يطلق الحيز والجهة ومن لا يطلق ذلك على مذهب مثبتة الجسم ونفاته مع قولهم إنه على العرش سواء فإنه يمكن أن يقال لو كان فوق العرش أو كان عالياً على العرش لكانت فوقيته وعلوه إما واجباً وإما جائزاً وساق الحجة والجواب عنها أن يعرف أن لفظ الحيز والجهة ونحو ذلك فيه اشتراك كما تقدم فقد يراد به شيء

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل