أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
فيما فيه تشبيه له بالخلفاء الراشدين فيما خلفت فيه الرسل وقامت فيه مقامهم وكذلك سائر أئمة الدين كل منهم يخلف الأنبياء والمرسلين بقدر ما قام به من ميراثهم وما خلفهم فيه من دعوتهم والله يرضى عن جميع السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وإن كان يعني بالتركيب والتأليف واعترافهم بالأجزاء والأبعاض هو إثباتهم للصفات التي ورد بها الكتاب والسنة مثل الوجه واليدين ونحو ذلك فهذا قول جميع سلف الأمة وأئمتها وجميع المشهورين بلسان الصدق فيها من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث وهو قول الصفاتية قاطبة من الكلابية والكرامية والأشعرية وقد ذكر محمد بن الهيصم في كتاب جمل الكلام له هذه المسألة وأثبت صفة الوجه
واليد فقوله عن الكرامية إنهم لا يثبتون ذلك إن أراد به بعضهم فلعله يكون وإلا فلا ريب أن فيهم من يثبت هذه الصفات الخبرية كالوجه واليد التي يسميها هو الجوارح والأبعاض ويطلقون أيضًا لفظ الجسم إما لفظًا وإما لفظًا ومعني وأما الحنبلية فلا يعرف فيهم من يطلق هذا اللفظ لكن فيهم من ينفيه وفيهم من لا ينفيه ولا يثبته وهوالذي كان عليه الإمام أحمد وسائر أئمة السنة وإن كانوا مع ذلك يثبتون ما جاءت به النصوص مما يسميه المنازعون تجسيمًا وتشبيهًا بل يقولون إثبات هذه المعاني أحق بمعنى التجسيم ممن يثبت
لفظه دون معناه وكذلك قوله عن الكرامية إنهم زعموا أنه غير متناهٍ فهذا إنما هو قول بعضهم كما تقدم ذكره لذلك وأن منهم من يقول هو متناهٍ ثم إن كلا من القولين ليس من خصائص الكرامية بل النزاع في ذلك مشهور عن غيرهم وقد ذكرنا بعض ما في ذلك من النزاع فيما ذكره الأشعري في المقالات وكذلك قولهم لا يقبل القسمة هذا اللفظ قد يطلقه طوائف منهم ومن غيرهم وقد لا يطلقه طوائف لما فيه من الإجمال والتناقض فالذي يقال على الكرامية بإثباتهم واحدًا فوق العرش لا ينقسم أو يشار إليه ولا ينقسم يقال على غيرهم ففي الطوائف الأربعة من الفقهاء كثير ممن يقول نحو ذلك وكذلك
ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه يقولون نحو ذلك فإن كان كل من قال إنه فوق العرش وقال إنه ليس بجسم أو أثبت له هذه الصفات التي وردت بها النصوص كالوجه واليد وقال مع ذلك إِنه ليس بجسم يرد عليه ذلك فإنه يلزمه أنه يشار إليه بحسب الحس وأنه واحد لا ينقسم هذه القسمة التي زعمها ولهذا نجد في هذه الطوائف منازعة بعضهم لبعض في ذلك كما يوجد في أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وكذلك يوجد في أصحاب الأشعري من يتنازعون في ذلك فنفاة الجهة منهم يقولون إن أدلتهم وأئمتهم الذين يقولون إن الله تعالى فوق العرش وإِنه ليس بجسم متناقضون وكذلك
نفاة الصفات الخبرية يقولون إن مثبتيها مع نفي الجسم متناقضون ومثبتة العلو منهم والصفات الخبرية يقولون إن نفاة ذلك منهم يتناقضون حيث أثبتوا ما هو عرض في المخلوق كالعلم والقدرة والحياة قالوا وليس هو بعرض في حق الخالق ولم يثبتوا ما هو جسم في حق المخلوق كاليد والوجه ويقولون ليس بجسم في حق الخالق وكذلك أصحاب الإمام أحمد فطائفة منهم كابن عقيل وصدقة بن الحسين وأبي الفرج بن الجوزي قد يقولون إن ابن حامد والقاضي أبا يعلى
وأبا الحسن بن الزاغوني ونحوهم متناقضون حيث ينفون الجسم ويثبتون هذه الصفات وجمهورهم يقول بل هؤلاء هم المتناقضون الذين يثبتون الشيء تارة وينفونه أخرى كما هو معروف من حالهم واجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد أعظم من اجتماعهما في لوازمه وملزوماته فإن كان كل منهما في وقتين فالأول أعظم وكذلك إن كانا في وقت واحد وأماإن كان الأول في وقتين والثاني في وقت واحد فهذا أبلغ من وجه وهذا أبلغ من وجه ويقولون إن أولئك متناقضون حيث يسلمون ثبوت الصفات التي هي فينا أعراض ويمنعون ثبوت الصفات التي هي فينا أجسام الوجه السادس عشر قوله فلا جرم صار
قول الكرامية على خلاف بدهية العقل يقال هذا العقل الذي هذا على خلاف بديهته إما أن يكون حكمه وشهادته في الربوبية مقبولاً أو مردودًا فإن لم يكن مقبولاً لم يضر هؤلاء ولا غيرهم مخالفته فإنه بمنزلة الشاهد الفاسق الذي قال الله تعالى فيه إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات 6] وإن كان حكمه وشهادته مقبولاً كان هذا المنازع وموافقوه أعظم مخالفة له من هؤلاء كما قد تقدم بيان ذلك وإذا كان مخالفة قولهم لبديهة العقل أعظم من قول هؤلاء لم يجب على هؤلاء أن يرجعوا عن القول الذي هو أقل مخالفة لبديهة العقل بل يكون الواجب على هذا التقدير على الطائفتين الاعتراف بما في بديهة العقل فيعترفون جميعًا بأنه فوق
العالم ويمتنع أن يكون لا داخله ولا خارجه وحينئذ يكون مشارًا إليه بحسب الحس وحينئذ يكون فيه ما سماه تأليفًا وانقسامًا وإن لم يكن هو المعروف من التأليف والانقسام فإن المعروف من ذلك يجب تنزيه الله تعالى عنه كما نزه عنه نفسه في سورة الإخلاص كما تقدم التنبيه عليه بقوله تعالى الله الصمد فإن الصمد فيه من معنى الاجتماع والقوة والسؤدد ما ينافي الانقسام والافتراق الوجه السابع عشر أنه ورد من جهة المنازع تشبيه بالمعدوم وذلك أن النفاة كثيرًا ما يصفون أهل الإثبات بالتشبيه والتجسيم الذي هو التأليف ومن المعلوم أنهم أحق بالتشبيه الباطل حيث يشبهونه بالمعدومات والناقصات وهم يجمعون بين التمثيل والتعطيل بينما هو قول المشركين الذين هم
بربهم يعدلون وقول الكافرين الذين هم لربهم جاحدون وذلك أنهم يقولون إن كل ما هو عالم بعلم وقادر بقدرة وحي بحياة ونحو ذلك فهو من جنس واحد وهو متماثل لأنه متحيز والمتحيزات كلها متماثلة ويقولون كل ما هو فوق شيء فإنه من جنس واحد متماثل لأنه متحيز والمتحيزات متماثلة ويقولون كل ما له سمع وبصر فهو من جنس واحد وهو متماثل لأنه من المتحيزات التي هي متماثلة وهذا كله قول الجهمية المعتزلة وغيرهم وقد سلك الرازي ذلك في قوله إن الأجسام متماثلة لكن قصده به نفي العلو على العرش ونفي الصفات الخبرية وأما المعتزلة ونحوهم من الجهمية الذين ابتدعوا هذا القول أولاً فمقصودهم به النفي المطلق وكل ذلك بناء على أن جعلوا لله عدلاً وسميًّا وكفوًا في كل ما هو موصوف به حتى إن غاليتهم من الملاحدة والجهمية يقولون كل ما يقال له حي
وعالم وقادر فهو جنس واحد متماثل هؤلاء جعلوا لله عدلاً وسميًّا وكفوًا وندًّا في كل ما له من الأسماء والصفات حتى لزم من ذلك أن يكون كل جسم عدلاً لله ومثلاً وكفوًا حتى البقة والبعوضة وأن يكون كل حي عَدْلاً لله وكفوًا وسميًّا وكل ذلك بناء على أن كل ما هو مسمى بهذه الأسماء موصوف بهذه الصفات فإنه جنس واحد متماثل وهذا من أعظم العدل بالله وجعل الأنداد لله ثم إنهم نفوا ذلك عن الله فجحدوه بالكلية وعطلوه فصاروا مشركين معطلين ولهذا جوز الاتحادية منهم عبادة كل شيء وجعلوا كل شيء عابدًا ومعبودًا وجوزوا كل شرك في العالم فجمعوا جميع ما عليه المشركون من الأقوال والأفعال فهذا تمثيلهم وعدلهم بالله وإشراكهم به وتشبيههم إياه بخلقه فيما لله من صفات الإثبات وأما عدلهم وتمثيلهم فيما يصفونه به من السلوب فهم
يعدلونه بالمعدوم تارة وبالمنقوصات أخرى فإنهم تارة يصفونه بالصفات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم فيكونون عادلين به المعدومات وقد قدمنا فيما مضى أن الله سبحانه لا يوصف بصفة سلب إن لم تتضمن معنى ثبوتيًّا وأما الصفة السلبية التي لا تتضمن ثبوتًا فلا يوصف بها إلا المعدوم وبينَّا أيضًا أن كل صفة تصلح للمعدوم المحض فإنها لا تصلح لله تعالى لأن تلك الصفة لا مدح فيها بحال إذ المعدوم المحض لا يمدح بحال وما ليس فيه مدح فإن الله لا يوصف به سبحانه وتعالى بل له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى ولما ذكرناه أيضًا فيما تقدم وأما تمثيلهم له وعدلهم إياه بالمنقوصات القبيحات من المخلوقات فقولهم إنه لا يتكلم وإن وصفوه بالكلام ظاهرًا موافقة للمؤمنين فمعناه عندهم أنه خلق كلامًا في غيره
وكذلك قولهم إنه ليس له سمع ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ونحو ذلك وإذا كان كذلك ظهر ما ذكر من جهة المنازع فإن المنازع قلب عليهم القضية وقال إذا ألزمتمونا أن نجعله كالجوهر الفرد فأنتم جعلتموه كالمعدوم وذلك أنه لما قال إنه لا يمكن أن يكون غير منقسم ويكون في غاية الصغر لأن ذلك حقير وذلك على الله محال فقال المنازع أنتم قلتم لا يمكن الإحساس به أو الإشارة إليه بحال والذي لا يمكن الإحساس به ولا الإشارة إليه يكون كالمعدوم فيكون أشد حقارة فإذا جاز وصفكم بهذا فلم لا يجوز الأول وهو كلام قوي جدًّا والمنازع وأصحابه يعلمون صحة هذا الكلام لأنهم يقرون في مسألة الرؤية أن كل موجود يجوز أن يحس بالحواس الخمس ويلتزمون على ذلك أن الله يجوز أن يحس به
بالحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس وأن مالا يحس به بالحواس الخمس لا يكون إلا معدومًا فعامة السلف والصفاتية على أن الله يمكن أن يُشْهد ويُرى ويحس به وأول من نفى إمكان إحساسه الجهم بن صفوان لما ناظره السُّمنية المشركون الوجه الثامن عشر أنه قال في الجواب أما قولهم الذي لا يُحَس ولا يُشار إليه أشد حقارة من الجزء الذي لا يتجزأ قلنا كونه موصوفًا بالحقارة إنما يلزم لو كان له حيز ومقدار حتى يقال إنه أصغر من غيره أماإذا كان منزهًا عن الحيز والمقدار فلم يحصل بينه وبين غيره مناسبة في الحيز والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة
يقال له هذه مصادرة على المطلوب فإنك أنت أثبت تنزيهه عن الحيز بهذه الحجة التي جعلت من مقدماتها أنه ليس بحقير بقدر الجوهر الفرد فقيل لك ما لا يمكن الإشارة إليه وإحساسه أحقر من الجوهر الفرد وقد وصفته بذلك فلا يكون وصفه بقدر الجوهر الفرد محالاً على أصلك فقلتَ أما كونه موصوفًا بالحقارة إنما يلزم إذا كان له حيز ومقدار وأما إذا كان منزهًاعن الحيز والمقدار فلم يحصل بينه وبين غيره مناسبة فيقال لك الكلام إنما هو في تنزيهه عن الحيز والمقدار فأنت تنفي ذلك ومنازعك يثبته وهو محل النزاع فإذا كان جوابك مبنيًّا على محل النزاع كنت قد صادرت منازعك على المطلوب حتى جعلت المطلوب مقدمة في إثبات نفسه والمقدمة لابد أن
تكون معلومة أو مسلمة فتكون قد طلبت منه تسليم الحكم قبل الدلالة عليه وادعيت علمه قبل حصول علمه وقد صادرته عليه وطلبت منه أن يسلمه لك بلا حجة وإيضاح هذا أن العلم بكونه إذا وصفته بأنه لا يُحس ولا يُشار إليه ليس بأحقر من الجوهر الفرد إما أن يقف على العلم بكونه ليس بذي حيز ومقدار أو لا يتوقف فإن توقف عليه لم يصح هذا الجواب حتى يَثْبت أنه ليس بذي حيز ومقدار حتى يتم الجواب عما أُورد على الحجة فإذا كان جواب الحجة لا يتم حتى يَثْبت أنه ليس بذي حيز ولا مقدار ولا يثبت ذلك حتى يتم جواب الحجة لم يكن واحدًا منهما حتى يكون الآخر قبله وذلك دور ممتنع وإن كان العلم بكونه ليس أحقر من الجوهر الفرد إذا وصف بأنه لا يحس ولا يشار إليه لا يقف على العلم بأنه ليس بذي حيز
ومقدار لم يصح هذا الجواب وهو قولك كونه موصوفًا بالحقارة إنما يلزم لو كان له حيز ومقدار حتى يقال إنه أصغر من غيره بل كان الجواب أن يقال لا يلزم أن يكون أحقر من الجوهر الفرد سواء قيل إِنه ذو حيز ومقدار أو لم يقل ذلك لكنه لو قال ذلك لظهر أن كلامه باطل فإنه يعلم بالحس والضرورة أن كل ما كان ذا حيز ومقدار قيل إنه لا يحس ولا يشار إليه فإنه أصغر من الجوهر الفرد ومما يوضح الأمر في ذلك أن هذا السؤال الذي ذكره من جهة المنازع هو من باب المعارضة فإنه لما ذكر حجته على أنه ليس بذي جهة بأن ذلك يستلزم التركيب والحقارة قال له المعارض ما ذكرته من أنه لا يمكن إحساسه والإشارة إليه يستلزم أن يكون معدومًا وذلك أبلغ في الحقارة من الجوهر الفرد فقال له قولك يستلزم من الحقارة أعظم مما ألزمت به أهل الإثبات فأجاب عن المعارضة بمنع الحكم وأن صحته ملازمة لصحة قول المنازع وهذا من أفسد الأجوبة فإن المعارض يقول بل هو عندي ذو حيز ومقدار فلم قلت إنه ليس كذلك وهل النزاع إلا فيه وقولك أما إذا لم يكن ذا حيز ومقدار لم يلزم وصفه بالحقارة يقال لك من الذي سلم لك ذلك وهل النزاع إلا فيه وهذه الحجة التي ذكرتها إنما أقمتها
على نفي ذلك وهي لاتتم إلا بالجواب على المعارضة فكيف تجيب عن المعارضة المستلزمة لنقيض مذهبك بنفس مذهبك وهل هذا إلا بمنزلة أن يقدح المعترض في دليلك بأنه يستلزم نقيض مذهبه فإن قيل هو لم يجب عن المعارضة بنفس مذهبه لكن قال صحة المعارضة مبنية على نقيض مذهبه وهو لا يقول ذلك فهو يقول للمعترض مالم تثبت نقيض قولي لا تصح معارضتك وهو في هذا الباب في مقام المنع والمعترض يستدل وللمستدل الأول أن يمنعه بعض المقدمات ويجعل سند منعه أنه لا يقول بذلك فهو ذكر ذلك لإبداء سند المنع لا حجة للمنع فإن المانع المطالب بالدليل ليس عليه حجة فيقال المعترض لم يبن دليله على هذا بل ذكر أن ما لا يحس ولا يشارإليه معدوم أحقر من الجزء الذي لا يتجزأ فادعيت أن هذا إنما يلزم إذا كان منزهًا عن الحيز والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة فهذا الملزوم إنما تقول إنه لازم لدليله
أن دليله مستلزم لهذا فمتى صح دليله هذا فهذا القدر ينفعه ولا يضره لأنه يكون دليله حينئذ قد دل على شيئين على أنك جعلته أحقر من الجوهر الفرد وجعلته معدومًا وأنه ذو حيز ومقدار فيدل على صحة مذهبه وعلى أن مذهبك يستلزم أن الله معدوم هذا بإقراره أن دليله يستلزم صحة ذلك وإن قلت إن دليله يتوقف على صحة هذا بمعنى أنه لم يثبت أن الله ذو حيز ومقدار لم يثبت أنه إذا كان لايحس ولا يشار إليه أنه أصغر من الجوهر الفرد فهذا لم تثبته بل ادعيته دعوى ساذجة فلا تكون قد أجبت عن المعارضة وهو المطلوب وذلك أنه لا يسلم أنا إذا علمنا أن الشيء لا يحس ولا يشار إليه لم يعلم أنه معدوم حتى يعلم قبل ذلك أنه ذو حيز ومقدار بل قد يكون العلم بأنه ذو حيز ومقدار بعد ذلك أو قبله أو معه إذا كانا متلازمين وهذا لازم على أصلك وأصل أصحابك لزومًا قويًّا فإنكم
أنتم وسائر الصفاتية تسلمون أن كل موجود فإنه يمكن أن يحس وأن الذي لا يمكن إحساسه هو المعدوم وكثير من أهل السنة والحديث يقولون بأنه يلمس أيضًا وأنتم تريدون أنه يدرك بالحواس الخمس وأنتم تثبتون هذا مثل إثبات أنه ذو حيز ومقدار ولم يكن العلم بذلك موقوفًا على العلم بأنه ذو حيز ومقدار وإذا كنت قد قلت إن كونه موصوفًا بأنه أحقر من الجوهر الفرد فإذا كان لا يحس ولا يشار إليه فقد لزمك إما أن يكون معدومًا أو يكون ذا حيز ومقدار وإذا قلت إنه يحس بطل ما ذكرته هنا من أنه لا يحس ولا يشار إليه وهذا الذي يورده المنازع حُمِّد في النظر الصحيح في المناظرة العادلة فإِنه يظهر به من تناقض منازعه وضعف
حجة ما يدفعه به عنه ويظهر به من صحة حجته ما ينفع الناظر والمناظر وهذا يتقرر بالوجه التاسع عشر وهو أن هؤلاء المنازعين له الذين ينتصر لهم المؤسس يقولون إنه تجوز رؤيته بل يجوزون كونه مدركًا بإدراك اللمس بل يجوزون كونه مدركًا بغير ذلك من الحواس مع قولهم إنه ليس فوق العرش ولا يمكن أن يكون مشارًا إليه بالحس ولا يمكن أن يحس به لا ريب أنهم متناقضون في ذلك غاية التناقض فإن من المعلوم أن إدراك اللمس به أبعد من كونه مشارًا إليه بالحس أو كونه في جهة فإن لمس الإنسان قائمًا بذاته التي هي في جهة معينة فإدراكه الشيء بلمسه يقتضي من الاتصال به والملاصقة وكونه في جهة من اللامس وغير ذلك مالا يقتضيه مجرد كونه ترفع إليه الأيدي أو الأعين فإن من المعلوم أنا نشير إلى كل شيء من الموجودات التي نراها ومع هذا فلا يمكننا أن نلمس منها إلا بعضها فإذا جاز كونه باللمس فلأن يجوز كونه مشارًا إليه باليد والعين أولى وأحرى
وكذلك كل ما يلمسه فلا يكون إلا في جهة وكثيرًا ما يكون الشيء في جهة ولا يمكننا لمسه فكيف يجوز إثبات لمسه مع منع كونه في جهة أليس هذا تناقضاً محضاً بل هذا نفي الشيء مع إثبات ما هوأبلغ منه وتحريم الشيء مع استحلال ما هو أعظم منه كما قال ابن عمر يستفتوني في دم البعوضة وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كما قال تعالى قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ [البقرة 217] وهو بمنزلة من يقول إن الله لا يرى ولكن يُصافح ويُعانق وكذلك قولهم إنه يرى وقولهم إنه يتعلق به إدراك اللمس مع قولهم لا يمكن أن يحس به تناقض ظاهر وإذا كان ذلك تناقضًا منهم ومن المعلوم أن مسألة الرؤية ثابتة بالنصوص المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإجماع سلف الأمة وأئمتها فتكون صحتها مستلزمة لكونه يحس وذلك مستلزم لبطلان ما
قالوه في هذه المسألة فإن قيل دليلهم العقلي في الرؤية ضعيف قيل لا نسلم أنه ضعيف ثم إن كان ضعيفًا فليس هو بأضعف مما ذكروه في هذه المسألة فإن كان أضعف ظهر تناقضهم في النفي والإثبات في هاتين المسألتين الوجه العشرون أنهم قد قرروا في هاتين المسألتين هنا وهناك أن ما لا يمكن أن يشار إليه ويحس به يكون معدومًا وقرر هناك أن كل موجود فإنه يصح أن يرى وأن يلمس فيحس به ويلمس وهو أبلغ من الإشارات الحسية إليه وأن الله يصح أن يرى وأن يتعلق به إدراك اللمس فإن كل واحد من الرؤية واللمس مشترك بين الجوهر والأعراض فيتعلق بالله تعالى وهذا يوجب أن يكون الله يمكن أن يشار إليه ويمكن أن يحس به خلاف ماذكره هنا كما تقدم وقرر هنا أن ما كان كذلك فإنه يكون ذا حيز ومقدار وأنه يلزمه أن يكون منقسمًا مركبًا الانقسام والتركيب العقلي الذي ألزم به مخالفه هنا وهذا
يقتضي أنه من لوازم أصولهم التي هم معترفون فيها بالأصل وبلازم الأصل لم يلزمهم إياه غيرهم بالدليل بل هم اعترفوا به أن يكون الله له حيز ومقدار وأنه مركب مؤلف له أجزاء وأبعاض وهذا هو الذي أنكره في هذا الموضع وليس هذا من جنس ما يلزم الرجل غيره شيئًا بالحجة لكن هذا أقر بأن الله سبحانه وتعالى موصوف بوصف وأقر في موضع آخر أنه إذا كان موصوفًا بذلك الوصف لزم أن يكون كذا وكذا فمجموع الإقرارين أقر فيهما بما ذكرناه الوجه الحادي والعشرون أنه اعترف هنا أنه يكون أشد حقارة من الجوهر الفرد وأن يكون معدومًا إذا كان ذا حيز ومقدار وقلنا إنه لا يمكن أن يشار إليه ولا يمكن أن يحس وقد ذكر هنا أنه لا يمكن أن يشار إِليه ولا يمكن أن يحس به فلزم أن يكون معدومًا أحقر من الجوهر الفرد ولا ريب أن هذه حقيقة قولهم وقد اعترف هو بمقدمات ذلك لكن مفرقة لم يجمعها في موضع واحد إذ لو جمعها لم يخفَ عليه وهذا شأن المبطل الوجه الثاني والعشرون أن منازعه يقول قد ثبت بالفطرة الضرورية وبالضرورة الشرعية واتفاق كل عاقل سليم
الفطرة من البرية أن رب العالمين فوق خلقه وأن من قال إنه ليس فوق السموات رب يعبد ولا هناك إله يصلى له ويسجد وإنما هناك العدم المحض فإنه جاحد لرب العالمين مالك يوم الدين فإن اعتقد أنه مقر به وهذا يقتضي كما قلت أنه ذو حيز ومقدار وكلما كان ذا حيز ومقدار وهو لا يمكن الإشارة الحسية إليه ولا يمكن الإحساس به فإنه معدوم كما اعترف به وكما
هو معروف في الفطر وهو أحقر من الجوهر الفرد بلا ريب فثبت أن قولك يستلزم أن الباري معدوم وأنه أحقر من الجوهر الفرد وهذا مما اتفق علماء السلف وأئمة الدين أن قول الجهمية أنه ليس فوق العرش ولا داخل العالم ولا خارجه يتضمن أنه معدوم لا حقيقة له ولا وجود وقد صرحوا بذلك في غير موضع وكذلك هو في جميع الفطر السليمة وإن أردت أن تلزمه عدمه من غير بناء على المقدار فيقال الوجه الثالث والعشرون أنه إذا عرض على الفطر السليمة التي لم تقلد مذهبًا تتعصب له شيء لا يكون داخل العالم ولا خارجه ولا يمكن أن يشار إليه ولا يمكن أن يحس به ولا هو في شيء من الجهات الست فإن الفطرة تقضي بأن هذا لا يكون موجودًا إلا أن يكون معدومًا وهذا قبل أن يخطر بفكر الإنسان الحيز والمقدار نفيًا وإثباتًا ثم بعد ذلك إذا علم أن الموجود أو أن هذا لا يكون إلا ذا حيز ومقدار كان ذلك لازمًا آخر يقرر مذهب المنازع لهذا المؤسس
الوجه الرابع والعشرون أن المنازعين له في مسألة الرؤية قالوا لهم ما ذكرتموه من الحجة يقتضي كون الباري مدركًا بإدراك اللمس وذلك لأنا من حيث اللمس نميز بين الطويل والأطول كما أن نميز من حيث البصر بين الطويل والأطول فإن اقتضى ذلك كون الأجسام مرئية اقتضى أن تكون ملموسة ولا شك أنا ندرك من حيث اللمس الفرق بين الحرارة والبرودة فإن إدراك اللمس معلق بالأجسام والأعراض فيعود ما ذكرتموه من الرؤية بتمامه في اللمس فيلزمكم تعلق اللمس للباري تعالى وأنه باطل بالضرورة وقال في الجواب إن أصحابنا التزموا ذلك ولا طريق إلا ذلك
وقال أيضًا قولهم لو كان الوجود علة لصحة رؤية الحقائق لصح منا رؤية الطعوم والعلوم وذلك معلوم الفساد بالضرورة قلنا دعوى الضرورة في محل الخلاف غير مقبولة وذكر أيضًا أن المخالفين له في مسألة الرؤية يدعون العلم الضروري بوجوب الرؤية عند الشروط النهائية وامتناعها عند عدمها وهو ماإذا كانت الحاسة سليمة والمرئي حاضرًا ولا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيرًا جدًّا ولا لطيفًا ولا يكون بين المرئي والرائي حجب كثيفة وكان المرئي مقابلاً للرائي أو في حكم المقابلة فتارة يَدَّعون أن ذلك العلم الضروري حاصل للعقلاء بعد
الاختيار ولا حاجة فيه إلى ضرب الأمثال وتارة يثبتون بالاستدلال أن ذلك معلوم بالضرورة وقال في الجواب أما دعوى العلم الضروري بحصول الإدراك عند حضور هذه الأمور فلا نزاع فيه وأما العلم الضروري بعدمه عند عدمها ففيه كل النزاع قال فإن زعمت أنا مكابرون في هذا الإنكار حلفنا بالأيمان المغلظة أنا لما رجعنا إلى أنفسنا لم نجد العلم بذلك أكثر من العلم باستمرار الأمور العادية التي توافقنا على جواز تَغيُّرها عن مجاريها فإن الإنسان كما يستبعد أن يأخذ الحديدة المحماة بيده ولا يجد حرارتها فكذلك يستبعد أن يذهب إلى جَيْحُون فيجد ماءه بالكلية دمًا أو عسلاً ويرى
شخصًا شابًّا قويًّا مع أن ذلك الشخص حدث في تلك اللحظة من غير أب وأم على ذلك الوجه ويرى طفلاً رضيعًا مع أن ذلك الطفل كان مولودًا قبل ذلك بمائة ألف سنة على تلك الحال وليس استبعاد ما ذكروه بأقوى من هذه الأمور استبعادًا مع أن شيئًا من ذلك ليس بممتنع وكذا فيما ذكروه
قال واعلم أن تجويز انخراق العادات لازم على الفلاسفة أو المسلمين والمتكلمين وبين ذلك إلى أن قال فليس لأبي الحسين إلا دعوى الضرورة في أول المسألة وليس لنا في مقابلتها إلا المنع فإذا كانت هذه ثلاث قضايا ادعى منازعوه فيها العلم الضروري وهو يثبتها لإثبات رؤية موجود لا داخل العالم ولا خارجه كيف ينكر على منازعه فيما ادعاه من العلم البديهي بأن الموجود إذا كان خارج العالم لم يكن إلا منقسمًا أو حقيرًا مع أن هذا أظهر بوجوده
فصل قال الرازي البرهان الثاني في بيان أنه يمتنع أن يكون مختصًّا بالحيز والجهة وذلك أنه لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان محتاجًا في وجوده إلى ذلك الحيز وتلك الجهة وذلك محال فكونه في الحيز والجهة محال بيان الملازمة أن الحيز والجهة أمر موجود والدليل عليه وجوه أحدها أن الأحياز الفوقانية مخالفة في الحقيقة والماهية للأحياز التحتانية بدليل أنهم قالوا يجب أن يكون
الله مختصًّا بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات والأحياز أعني التحت واليمين واليسار ولولا كونها مختلفة في الحقائق والماهيات لامتنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات وإذا ثبت أن هذه الأحياز مختلفة في الماهيات وجب كونها أمورًا موجودة لأن العدم المحض يمتنع كونه كذلك الثاني هو أن الجهات مختلفة بحسب الإشارات فإن جهة الفوق متميزة عن جهة التحت بالإشارة والعدم المحض والنفي الصِّرف يمتنع تمييز بعضه عن بعض في الإشارة
الحسية الثالث أن الجوهر إذا انتقل من حيز إلى حيز فالمتروك مغاير لا مَحَالة للمطلوب والمُنْتَقَل عنه مغاير للمُنْتَقَل إليه فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الحيز والجهة أمر موجود ثم إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه وأما الذي يكون مختصًّا بالحيز والجهة فإنه يكون مفتقرًا إلى الحيز والجهة فإن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله لا مختصًّا بالجهة فثبت أنه تعالى لو كان مختصًّا بالجهة والحيز لكان مفتقرًا في وجوده إلى الغير وإنما قلنا إن ذلك محال لوجوه الأول أن المفتقر في وجوده إلى الغير يكون في وجوده بحيث يلزم من عدم ذلك الغير عدمه وكل ما كان كذلك كان ممكنًا لذاته وكل ذلك في حق واجب الوجود
لذاته محال الثاني أن المسمى بالحيز والجهة أمر مركب من الأجزاء والأبعاض لما بينا أنه يمكن تقديره بالذراع والشبر ويمكن وصفه بالزائد والناقص وكلما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره ممكنًا لذاته فالشيء المسمى بالحيز والجهة ممكن لذاته فلو كان الله مفتقرًا إليه لكان مفتقرًا إلى الممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بأن يكون ممكنًا لذاته فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال الثالث لو كان الباري أزلاً وأبدًا مختصًّا بالحيز والجهة لكان الحيز والجهة موجودًا في الأزل فيلزم إثبات قديم غير الله وذلك محال بإجماع المسلمين فثبت بهذه الوجوه أنه لو كان في الحيز والجهة يلزم هذه المحذورات فيلزم امتناع كونه في الحيز والجهة فإن قيل لا معنى لكونه مختصًّا بالحيز والجهة
إلا كونه مباينًا عن العالم منفردًا عنه ممتازًا عنه وكونه تعالى كذلك لا يقتضي وجود أمر آخر سوى ذات الله تعالى فبطل قولكم لو كان تعالى في الجهة لكان مفتقرًا إلى الغير والذي يدل على صحة ما ذكرناه أن العالم لا نزاع في أنه مختص بالحيز والجهة وكونه مختصًّا بالحيز والجهة لا معنى له إلا كون البعض منفردًا عن البعض ممتازًا عنه وإذا عقلنا هذا المعنى هاهنا فلم لا يجوز مثله في كون الله تعالى مختصًّا بالحيز والجهة والجواب أما قوله الحيز والجهة ليس أمرًا موجودًا فجوابه أنا قد بينا بالبراهين القاطعة أنها أشياء موجودة وبعد قيام البراهين على صحته لا يبقى في صحته شك وأما قوله المراد من كونه مختصًّا بالحيز
كونه منفردًا عن العالم أو ممتازًا عنه أو مباينًا عنه قلنا هذه الألفاظ كلها مجملة فإن الانفراد والامتياز والمباينة قد تذكر ويراد بها المخالفة في الحقيقة والماهية وذلك مما لانزاع فيه ولكنه لا يقتضي الجهة والدليل على ذلك هو أن حقيقة ذات الله تعالى مخالفة لحقيقة الحيز والجهة وهذه المخالفة والمباينة ليست بالجهة فإن امتياز ذات الله تعالى عن الجهة لايكون بجهة أخرى وإلا لزم التسلسل وقد تذكر هذه الألفاظ ويراد بها الامتياز في الجهة وهو كون الشيء بحيث يصح أن يشار إليه بأنه هاهنا أو هناك وهذا هو مراد الخصم من قولهم إنه تعالى مباين عن العالم أو منفرد عنه وممتاز عنه إلا أنا بينا بالبراهين القاطعة أن هذا يقتضي كون ذلك الحيز
أمرًا موجودًا ويقتضي أن المتحيز يحتاج إلى الحيز قوله الأجسام حاصلة في الأحياز فنقول غاية ما في الباب أن يقال الأجسام تحتاج إلى شيء آخر وهذا غير ممتنع أما كونه تعالى محتاجًا في وجوده إلى شيء آخر فممتنع فظهر الفرق يقال هذه الحجة وغيرها من الحجج كلها مبنية على أن القول بكونه فوق العرش يستلزم أن يكون متحيزًا كما قدمه في الحجة الأولى فقد تقدم أن هذا فيه نزاع مشهور بين الناس من مثبتة الصفات ونفاتها فإن كثيرًا من الصفاتية من الكلابية والأشعرية وغيرهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث يقولون ليس بجسم وهو فوق العرش وقد يقولون ليس بمتحيز وهو فوق العرش إذا كان المراد بالمتحيز الجسم أو الجوهر الفرد
وكثير منهم من الكرامية والشيعة والفقهاء والصوفية وأهل الحديث يقولون هو فوق العرش وهو جسم وهو متحيز ولكن منهم من يقول ليس بمركب ولا منقسم ولا ذي أجزاء وأبعاض ومنهم من لا ينفي ذلك وأما سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم فألفاظهم فيها أنه فوق العرش وفيها إثبات الصفات الخبرية التي يعبر هؤلاء المتكلمون عنها بأنها أبعاض وأنها تقتضي التركيب وال انقسام وقد ثبت عن أئمة السلف أنهم قالوا لله حد وأن ذلك لايعلمه غيره وأنه مباين لخلقه وفي ذلك لأهل الحديث والسنة
مصنفات وهذا هو معنى التحيز عند من تكلم به من الأولين فإن هؤلاء كثيرًا ما يكون النزاع بينهم لفظيًّا لكن أهل السنة والحديث فيهم رعاية لألفاظ النصوص وألفاظ السلف وكثير من مبتغي ذلك يؤمن بألفاظ لا يفهم معانيها وقد يؤمن بلفظ ويكذب بمعنى آخر غايته أن يكون فيه بعض معنى اللفظ الذي آمن به ولهذا يطعن كثير من أهل الكلام في نحو هؤلاء الذين يتكلمون بألفاظ متناقضة لا يفهمون التناقض فيها لكن وجود هذا وأمثاله في أهل الكلام أكثر منه في أهل الحديث بأضعاف
مضاعفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب وإذا كان كذلك فالجواب عن هذه الحجة وأمثالها مبني على مقامين المقام الأول مقام من يقول إنه نفسه تعالى فوق العرش ويقول إنه ليس بجسم ولا متحيز كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري وكثير من الصفاتية فقهائهم ومحدثيهم وصوفيتهم وهو كثير فيهم فاش ظاهر منتشر والمنازعون لهم في كونه فوق العرش كالرازي ومتأخري الأشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف للضرورة العقلية وقد تكلمنا بين الطائفتين فيما تقدم بما ينبه على حقيقة الأمر وتبين أن الأولين أعظم مخالفة للضرورة العقلية وأعظم تناقضًا من هؤلاء وأن هؤلاء لا يع أحدهم في نظره ولا مناظرته أن يوافق أولئك على ما سلكوه من النفي فرارًا مما ألزموه إياه من التناقض لأنه يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار فيكون الذي وقع فيه من