عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاسباب مكاتبة الفقهاء والأدباء

باب مكاتبة الفقهاء والأدباء

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو جعفر النحاس
الكتاب
عمدة الكتاب
المؤلف
أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
المحقق
بسام عبد الوهاب الجابي
الناشر
دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
الطبعة
الأولى 1425 هـ - 2004 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل

636- منهم من كره ((أطال الله بقاءك)) واحتج بحديث ابن مسعود، قال: قالت أم حبيبة: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوت الله جل وعز لآجال مضروبة، وآثار معلومة، وأرزاق مقسومة، لا يتقدم منها شيءٌ قبل أجله، ولا يتأخر بعد أجله؛ لو سألت الله عز وجل أن يقيك من عذاب النار أو عذاب القبر كان خيراً لك)) . قال أبو جعفر: وقد أمليت هذا الحديث بإسناده في ((كتاب الدعاء)) . 637- ومنهم من رخص في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر كعب بن عبيد الله: ((اللهم أمتعنا به)) ، قال ابن عفير: ومات سنة خمس وخمسين، وهو آخر أهل بدر وفاةً.
638- وفي حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((اللهم أمتعني بسمعي وبصري)) . 639- فأما ما أشكل من هذا، فإن العمر قد فرغ منه، والجواب:

أن الدعاء متعلقٌ بما فيه الصلاح، وبمشيئة الله عز وجل، وكذا ((أنسأ الله في أجلك)) ، و ((نسأ الله أجلك)) ، وقيل: الدعاء بهذا معناه: التوسعة والغنى.
640- ومنهم من كره ((وجعلني فداك)) وهو قول مالك بن أنس، واحتج بحديث يروى عن الزبير أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم هذا، فقال: ((أما تركت أعرابيتك بعد؟)) وأجاز بعضهم ذلك، واحتج بأن غير هذا الحديث أولى لصحة غيره، كما روى عكرمة، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينا نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكرت الفتنة، أو ذكرت عنده الفتنة، فقال: ((إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم, وخفت أماناتهم, وكانوا هكذا)) وشبك بين أصابعه, فقلت: فكيف نفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ فقال لي: ((الزم بيتك, واملك عليك لسانك, وخذ ما تعرف, ودع ما تنكر, وعليك بأمر الخاصة, ودع عنك أمر العامة)) . 641- وكرهوا أن يقال: ((عبدك)) واحتجوا بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي, وكلكم عبيد الله, وكل نسائكم إماء الله, ولكن غلامي وجاريتي, وفتاي وفتاتي)) , وقد ذكرته بإسناده في ((كتاب الدعاء)) . ومنهم من قال: هذا مكروهٌ للناس أن يقولوه, لأنه يرجع إلى معنى التكبر, وقد قال الله عز وجل: ﴿عبداً مملوكاً﴾ فهذا جائزٌ من غيرهم لهم.

642- وكرهوا أن يقال: يا مولاي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقل أحدكم مولاي, فإن مولاكم الله جل وعز)) . 643- ومنهم من كره أن يقال: ((يا سيدي)) لقول النبي عليه السلام: ((لا تقولوا للمنافق سيدنا, فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم جل وعز)) وأجاز هذا بعضهم, واحتج بقول النبي عليه السلام: ((إن ابني هذا سيدٌ, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)) . والقول في هذا أنه لا يجوز أن يقال لمنافق ولا كافر, ولا فاسق: ((يا سيدي)) للحديث, ويقال لغيرهم ذلك للحديث.
وينبغي أيضاً أن لا يرضى أحدٌ بأن يخاطب بـ ((يا سيدي)) , وينكر ذلك, كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال: ((السيد الله جل وعز)) . 644- وجملة هذا أن هذه المكاتبات كلها محدثةٌ.
645- قال إسماعيل بن إسحاق: أول من كاتب بـ ((أطال الله بقاءك)) الزنادقة.
وروي عن حماد بن سلمة, أن مكاتبة المسلمين كانت: من فلان إلى فلان؛ أما بعد؛ سلامٌ عليك, فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو, وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله)) , ثم إن الزنادقة قد أحدثوا هذه المكاتبات التي أولها: ((أطال الله بقاءك)) . 646- وقال غيره: كان يدعى للخلفاء الغابرين: ((أما بعد؛ حفظ

الله أمير المؤمنين ورضي الله عنه)) , و ((أما بعد؛ أبقى الله أمير المؤمنين, وأمتع به)) , و ((أما بعد؛ أكرم الله أمير المؤمنين وحفظه)) . 647- وزعموا أن أول من رسم الدعاء معاوية بن أبي سفيان, كتب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((عافانا الله وإياك من السوء)) . 648- ثم زاد الناس في ما يكاتب به من ذكرناه ممن يستجيز أن يكاتب بطول البقاء, فإنه لا يأتي بذلك مطلقاً, ولكن يضمنه بشيء آخر، فيكتب؛ أطال الله بقاءك في طاعته وسلامته وكفايته، وأعلى جدك، وصان قدرك، وكان لك ومعك حيث لا تكون لنفسك؛ وكذا يكتب: أطال الله بقاءك في أسر عيش، وأنعم بال، وخصك منه بتوفيق لما يحب ويرضى، وحباك برشده، وقطع بينك وبين معاصيه بلطفه.
649- ومنه: أطال الله بقاءك بما أطاع به المطيعون، وأعطاك من العطاء بما أعطى به المصححين.
650- ومنهم من لا يضمنه بشيء إلا أنه يدعو بعده بغير دعاء الكتاب، فيقول: أطال الله بقاءك، وأكرم مثواك.
651- ومنهم من لا يستجيز الدعاء بطول البقاء، فيكتب: أكرمك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وأسعدك بمغفرته، وأيدك بنصره، وجمع لك خير الدنيا والآخرة برحمته، إنه سميعٌ قريبٌ.

652- وفي مثله: تولاك من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وكان لك من هو بالمؤمن رؤوفٌ رحيمٌ.
653- ومثله: أكرم الله عن النار وجهك، وزين بالتقى عملك.
654- وكان أبو خليفة قد كتب إلى ابن أبي الساج بما استحسن منه، كتب إليه: أكرمك الله كرامةً تكون لك في الدنيا عزاً، وفي الآخرة من النار حرزاً.
655- وقد ذكرنا قول جماعة من العلماء في إجازتهم المكاتبة بـ ((أطال الله بقاءك)) ، وذكرنا احتجاجاتهم، غير أني رأيت أبا جعفر بن سلامة الطحاوي يجيز ذلك، واعتل فيه باعتلال استحسنته، وذلك أنه ذكر أحاديث.
656- فيها حديث أبي بكرة أنه قال للنبي عليه السلام: يا نبي الله! جعلني الله فداك، أرأيت إن أخذ بيدي مكرهاً حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فيحذفني رجلٌ بسيفه، قال: ((يبوء بإثمك وإثمه، ويكون من أصحاب النار)) . 657- وذكر حديث أبي سعيد أن وفد عبد القيس قالوا: يا نبي الله! جعلنا الله فداك، ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ 658- وذكر حديث أم حبيبة حين قالت: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية؛ فقال رسول الله عليه السلام:

((سألت لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، وآثار مبلوغة؛ لا يعجل منها شيءٌ قبل أجله، ولا يؤخر بعد أجله)) . 659- والجواب: أن سائل مثل هذا يعلم أنه غير مجاب إليه، ولكنه قال قولاً ود أن يكون به، كما يقال: جعلني الله فداك، وإن كان مما لا يوصل إليه، فيكون هذا سبباً لمحبة القائل أن يكون هذا للمقول، لأنه قال له ما لو وصل إليه وقدر عليه لفعله، فلم يكن ذلك من قائله مكروهاً، وكان المقول له قد وقف على مودته له وموضعه من قلبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين أن يكونوا إخواناً، ومن أخوتهم ود بعضهم بعضاً، وذلك القول مما يؤكد الأخوة بينهم، والمودة من بعضهم لبعض، ومثله دعاء بعضهم لبعض بالبقاء، والزيادة في العمر.
660- وروى ابن عون، عن ابن سيرين، قال: قد علم المسلمون أن لا دعوة لهم في الأجل، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد بن مالك يوم أحد: ((ارم فداك أبي وأمي)) . فمعناه: ولو كنت أقدر أن أجعل أبي وأمي فداءً لك لفعلت، فيكون بذلك قد بلغ من قلبه نهاية ما يبلغ مثله منه، ويكون من قال ذلك قد علم منه أنه من قلبه في نهاية ما يكون مثله من قلب مثله.

جارٍ التحميل