باب ذكر الديوان والدفتر والقرطاس والكراسة والإضبارة والسحاءة والخاتم وختم الكتاب وطين الختم والعنوان وتشقيقه وتصريف لغاته وتتريب الكتاب وما يتبع ذلك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو جعفر النحاس
- الكتاب
- عمدة الكتاب
- المؤلف
- أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
- المحقق
- بسام عبد الوهاب الجابي
- الناشر
- دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
- الطبعة
- الأولى 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل
355- قال أبو جعفر: المعروف في لغة العرب أن معنى الديوان: الأصل الذي يرجع إليه ويعمل بما فيه.
كما قال ابن عباس: إذا سألتموني عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب، أي: أصله.
356- قال أبو جعفر: ويقال: دون هذا، أي: أثبته واجعله أصلاً.
وزعم بعض أهل اللغة أن أصله عجميٌ، وبعضهم يقول عربيٌ.
وقد ذكره سيبويه في كتابه، وتكلم على أن أصله دوانٌ، واستدل على ذلك بقولهم في الجمع دواوين، وهذا قولٌ حسنٌ: أبدلوا من إحدى الواوين ياءً، ونظيره دينارٌ، والأصل فيه دنارٌ، وكذا قيراطٌ الأصل فيه قراطٌ.
357- فأما الفراء، فزعم أنك إذا سميت رجلاً بديوان وأنت تريد به كلام الأعاجم لم تصرفه.
358- قال أبو جعفر: هذا غلطٌ، لأنك إذا سميت رجلاً ديواناً على أنه أعجميٌ لم يجز إلا صرفه، لأن الألف واللام تدخلان فيه، فقد صار بمنزلة طاووس، وراقود، وما أشبههما؛ وإن جعلته عربياًً صرفته أيضاً، لأنه فعالٌ، والدليل على هذا قولهم: دواوين.
وديوانٌ بالفتح خطأٌ، ولو كان بالفتح لم يجز قلب الواو ياءًَ، وإن قيل: الياء أصلٌ، فقل: هذا خطأٌ؛ ولو كان كذا، لقيل في الجمع: دياوين، فديوانٌ لا يقال، كما لا يقال: دينارٌ ولا قيراطٌ.
359- وقد زعم الأصمعي أن أصله عجميٌ، وروى أن كسرى أمر الكتاب أن يجتمعوا في دار فيعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام، فاجتمعوا في الدار واجتهدوا، فأشرف عليهم وبعضهم يعقد وبعضهم يكتب فقال: أبيات ديو أشد، هؤلاء مجانين، فلزم موضع الكتابة هذا الاسم من ذلك الدهر، ثم عربته العرب فقالوا: ديوانٌ.
360- وأما الدفتر، فهو اسمٌ عربيٌ، ولا نعلم له اشتقاقاً، وكان أبو إسحاق يذهب إلى أن كل اسم عربي فهو مشتقٌ، إلا أنه ربما غاب عن العالم شيءٌ وعرفه غيره، ويقال: دفترٌ ودفترٌ وتفترٌ، ثلاث لغات.
361- فأما القرطاس، فإنه يقال بالضم والكسر وجمعه قراطيس، ويقال: قرطسٌ وجمعه قراطيس، وإذا نسبت الرجل إلى أنه يبيع القراطيس، قلت: قرطاسيٌ، وقراطيسيٌ خطأٌ، لا يجوز عند
الخليل وسيبويه، لأنك إذا نسبت إلى جماعة لم يجز النسب إلا إلى واحدها.
ويقال: تقرطس قرطاساً إذا اتخذه، وقرطس إذا أتى بقرطاس، وإذا أصاب القرطاس، ومنه يقال: قرطس إذا جود.
362- فأما الكراسة، فمعناها: الكتب المضمونة بعضها إلى بعض، والورق الذي ألصق بعضه إلى بعض، مشتقٌ من قولهم: رسمٌ مكرسٌ إذا ألصقت الريح التراب [به] ، كما قال:
يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً ... قال نعم أعرفه وأبلساً
أبلس: تحير فلم تكن له حجةٌ؛ والرسم: الأثر بلا شخص؛ والكرس أيضاً ما تجمع من الوسخ في موضع القلادة، وانكرس الثور والظبي: إذا دخلا في كناسهما.
363- وقال الخليل: الكراسة من الكتب مأخوذةٌ من اكراس الغنم، وهو أن تبول في الموضع شيئاً بعد شيء فتتلبد.
364- وأما الإضبارة، فمعناها الجمع، أي: يجمع بعضها إلى بعض، وتضبر القوم: تجمعوا، ورجلٌ مضبرٌ الخلق، أي: مجتمعه، وكذا ناقةٌ مضبرةٌ ومضبورةٌ، وضبر الفرس جمع قوائمه ووثب، ويقال للإضبارة: إضمامةٌ، أي: ضم بعضها إلى بعض.
365- وأما السحاءة، فمما كتبناه عن علي بن سليمان، عن يعقوب بن إسحاق صاحب الطوسي، قال: أصل سحوت: قشرت، سحوت سحواً، وسحيت سحياً، وسحيت تسحيةً، وكتابٌ مسحوٌ ومسحيٌ ومسحىً، والسحاءة جمعها سحاء، وحكى غيره: سحايةٌ، ويقال جاء المطر فسحى وجه الأرض، أي قشره، والمسحاة مأخوذةٌ من ذلك.
قال النابغة:
ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
ويقال في مثل: ما لمسحاتك عندي طينٌ، أي: مالك عندي ما ترجو أن تناله.
366- ويقال: ما أحسن تسحيته للكتاب، فإن أردت المرة الواحدة قلت: سحى سحيةً، وإن شئت جئت به بالواو.
367- ويقال: قد أسحى الكتاب إذا أمكن أن تؤخذ منه السحاءة، وتسمى السحاءة خزامةً، وكل ما شددت به شيئاً فهو خزامةٌ، وأصله: الزيادة، ومنه الخزم في الشعر.
368- وأما الخاتم؛ فقد روي فيه أحاديث، ومن العلماء من كره لبسه إلا لذي سلطان، ومنهم من أباح ذلك.
369- فمنه ما رواه أنسٌ، قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً، قال: فاتخذ خاتماً من فضة، قال: فكأني أنظر إلى بياضه في يده؛ ونقش عليه: محمدٌ رسول الله.
370- وروى ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتماً من ذهب، وكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع مثله، ثم إنه جلس على المنبر، فنزعه، وقال: ((إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل)) فرمى به، وقال: ((والله لا ألبسه أبداً)) فنبذ الناس خواتيمهم.
371- وقال الليث: بلغنا أنه اصطنع بعد ذلك خاتماً من ورق.
372- وقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تختموا بالعقيق، فإنه مباركٌ)) .
373- وروى مجمع بن عتاب بن شمير، عن أبيه، قال: وضأت علي ابن أبي طالب عليه السلام، وعليه خاتمٌ من ورق ما يقوم بدرهم.
374- فهذا كله يدل على إباحة لبس الخاتم لجميع الناس.
375- فأما من كره ذلك من العلماء، فمنهم سعيد بن المسيب، فإنه سئل عن شيء في فص خاتم مثل رأس الطير، فقال: ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تختم، لا أبو بكر ولا عمر ولا فلان ولا فلان؛ حتى عد ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
376- وقال جعفر بن سليمان: لم يكن على مالك بن دينار
ولا محمد بن واسع ولا حبيب بن محمد خواتم، وشهدت مالكاً شهد على شهادة، فحل إزاره، فأخرج خاتماً من حديد، فختم به، ثم أدخله إزاره.
377- وروى ليثٌ أن عطاء ومجاهداً وطاوساً لا يتختمون.
378- وروى أبو ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عشراً: الوشر، والوشم، والنتف، ومكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، والحرير أن تصنعوه [تضعوه؟] من أعلى ثيابكم كما تصنعه [تضعه؟] العجم، والنمر والنهية والخاتم إلا لذي سلطان.
379- قال أبو جعفر: الوشر أن تشر المرأة أسنانها حتى تحددها.
والوشم أن تغرز ظهر كفها ومعصمها بإبرة ثم تحشوه بالكحل.
والمكامعة المضاجعة، مشتقٌ من الكميع، وهو الضجيع، وزوج المرأة كميعها.
380- وقد يروى المكاعمة، قال أبو عبيدة: المكاعمة أن يلثم الرجل صاحبه، أخذ من الكعام كعام البعير، وهو أن يشد فمه إذا هاج.
381- وقال غيره: هو ضم الشيء إلى الشيء، مشتقٌ من عكمت الثياب.
382- والنمر، هو: النهي عن الركوب بجلود النمر، وهو مبينٌ في حديث أبي ريحانة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الركوب بجلود النمور.
383- فأما النهي عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان، فيجوز أن يكون منسوخاً، ولا سيما مع حديث أنس، قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، فقيل: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم،
فاتخذ خاتماً من فضة؛ فدل على أنه اتخذه عند حاجة إليه.
384- وأيضاً، فمن صحيح الأسانيد ما رواه يحيى بن القطان، عن عبد الله، قال: حدثني نافعٌ، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ذهب، وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به واتخذ خاتماً من ورق.
وهذا إسنادٌ لا مطعن فيه، ففي هذا الحديث دليلٌ على أن المسلمين كانوا يفعلون كما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءً به، ودل هذا على إباحة الخواتيم لجميع الناس إلا ما كان من الذهب، فإن أكثر العلماء على كراهته، ولو لم يكن فيه إلا ما رواه عبد الله بن جبير، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس المعصفر وعن قراءة القرآن في الركوع وعن التختم بالذهب.
385- وفي خاتم أربع لغات، يقال: خاتمٌ، وخاتامٌ، وخيتامٌ، والرابعة خاتمٌ بالكسر، إلا أن الرابعة لغةٌ رديئةٌ، لأنها تشكل بقولهم: ختمت الكتاب، فأنا خاتمٌ؛ وجمع خاتم وخاتم خواتم، وهذه سبيل فاعل إذا كان اسماً غير نعت؛ وجمع خاتام خواتيم، وجمع خيتام خياتيم، ويقال: استختم الكتاب إذا بلغ أن يختم، وحكي اختتم بهذا المعنى.
ويقال: أختمت الكتب، أي: وجدتها مختومةً، مثل أحمدت فلاناً، أي: وجدته محموداً.
ويقال: الكتاب في الختم والختام، ولا يقال: في الخاتم.
ويقال: أول من ختم الكتاب سليمان صلى الله عليه، وأن معنى ﴿كتابٌ كريمٌ﴾ مختومٌ، ويقال: فض الكتاب: إذا كسر خاتمه؛ ومعنى الفض في
اللغة: التفريق والكسر، ومنه انفض القوم، ومنه لا يفضض الله فاك؛ وإن شئت قلت: لا يفض بالكسر والفتح والضم.
386- قال أبو جعفر: ورأيت بعض النحويين قد جعل في كتابه أن معنى لا يفضض الله فاه: لا جعله الله فضاء لا أسنان فيه، لأن الفضاء المكان الواسع، وهذا غلطٌ في الاشتقاق، لأن لام الفعل من الفضاء ليست ضاد، ولام الفعل من فض ضادٌ، وهذا من أقبح الغلط، ولا سيما ممن يدعي الرياسة في النحو.
387- ويقال: هو فص الخاتم، والجمع القليل أفص، والكثير الفصوص والفصاص.
388- وأما طين الكتاب، فالفعل منه: طنت الكتاب أطينه طيناً، فأنا طائنٌ، وقد طين الكتاب، وإن شئت أشرت إلى الضمة كما قرأ نافعٌ: ﴿سيء بهم﴾ .
389- وحكى النحويون: طون الكتاب، والأصل: طين، قلبت الياء واواً، والكتاب مطينٌ، قال المثقب:
فأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين
ويجوز مطيونٌ ومبيوعٌ، هذا في ذوات الياء، ولا يجوز في بنات الواو، خاتمٌ مصووغٌ لثقل الواو، هذا قول البصريين، فأما الكوفيون، فأجازوا ذلك.
390- وحكى الكسائي والفراء أيضاً: مطونٌ ومبوعٌ، على قولك قد طون، ورجلٌ مهوبٌ.
391- ويقال: طينت الكتاب تطييناً، إذا أعدت عليه الطين مراراً؛ والتي يجعل فيها الطين مطينةٌ، بكسر الميم.
392- العنوان: أما العنوان، ففيه لغاتٌ أفصحها عنوانٌ، ويقال: علوان، ويقال: عنيانٌ وعنيانٌ، وفي الفعل منه خمس لغات: عنونت الكتاب عنونةً وعلونته علونةً وعننت بنونين، الأولى منهما مشددةٌ، تعنيناً وعنيت تعنيةً بنون مشددة بعدها ياء، والخامسة عنوت الكتاب أعنوه عنواً وعنواً، ويقال منه: يا عان أعن كتابك، مثل دعا يدعو؛ وجمع عنوان عناوين، وجمع علوان علاوين.
393- فأما الاشتقاق، ففي بعضه اختلافٌ عن النحويين، وقد علق الكتاب ببعض أقاويلهم حتى صار أكثرهم لا يعرف غيره، فهم يعرفون أن العنوان الأثر، فالعنوان يبين أثر الكتاب ممن هو وإلى من هو.
وقال الشاعر يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
394- وزعم بعضهم أن العنوان مأخوذٌ من قول العرب: عنت الأرض تعنو إذا أخرجت النبات وأعناها المطر، إذا أخرج نباتها، فيكون
عنواناً على هذا فعلاناً، ينصرف في النكرة ولا ينصرف في المعرفة، وقيل: هو مشتقٌ من عن يعن، إذا عرض وبدا، فعلى هذا ينصرف في المعرفة والنكرة، لأنه فعوالٌ، ومن قال: علوانٌ، أبدل من النون لاماً، مثل صيدلانيٌ وصيدنانيٌ، فيكون الاشتقاق واحداً.
395- وفي الحديث، أن معاوية قال لبعض الوفود، ورأى أجساماً ضخمةً: ما هذه الفدامة منكم؟ قالوا: عنوانٌ نعم الله علينا.
396- وقيل: علوانٌ، مشتقٌ من العلانية، لأنه خطٌ مظهرٌ على الكتاب.
397- ورأيت محمد بن الوليد ينكر أن يعنون على كتاب لأبي فلان، وقال: الصواب: إلى أبي فلان، قال لأن الكتاب إليه لا له، ولا يجوز لأبي فلان إلا على مجاز بعيد.
والصواب ما قال، وأكثر العلماء من الصحابة عليه كما روى ابن سيرين، عن ابن عمر، قال: يكتب الرجل: من فلان إلى فلان، ولا يكتب لفلان.
398- قال: وكتب رجلٌ عند ابن عمر: بسم الله الرحمن الرحيم، لفلان بن فلان؛ فقال ابن عمر: مه! إن اسم الله جل وعز هو له إذن!.
399- وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يكتبوا: بسم الله الرحمن
الرحيم، لفلان بن فلان؛ وكانوا يكرهونه في العنوان.
400- قال أبو جعفر: ولا أحفظ عن أحد من المتقدمين أنه رخص في أن يكتب لأبي فلان في عنوان ولا غيره.
401- فأما ابتداء الإنسان بنفسه وكتبه: من فلان إلى فلان، أو إلى أبي فلان، فابتداؤه بالمكتوب إليه ففيه اختلافٌ بين العلماء في العنوان وصدر الكتاب، فأكثر العلماء يرى أن يبدأ بنفسه، لأن ذلك عنده هو السنة.
402- كما روى ابن سيرين، أن العلاء بن الحضرمي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ بنفسه.
403- وكان ابن عمر يقول لغلمانه وولده: إذا كتبتم إلي فلا تبدؤوا بي؛ وكان إذا كتب إلى الأمراء بدأ بنفسه.
404- وقال يحيى بن سعيد: قلت لسفيان الثوري: اكتب إلى أمير المؤمنين –يعني: المهدي- قال: إن كتبت إليه بدأت بنفسي؛ قلت: فلا تكتب إليه إذن.
405- قال أبو جعفر: وقال الربيع بن أنس: ما كان أحدٌ أعظم حرمةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدؤون بأنفسهم.
406- قال أبو جعفر: فهذا عند أكثر الناس الإجماع الصحيح، لأنه إجماع الصحابة، ثم جرت عادة الناس على غير هذا في العنوان والتصدير إلا في أشياء خواص قد اصطلح الكتاب عليها.
منها أن الكتاب إذا كان من إمام كاتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله فلان أو أبي فلان الإمام –ثم يذكر صفته التي يسميها العامة لقبه: أمير المؤمنين- إلى فلان بن فلان: سلامٌ عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو –ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم - ثم يقال: أما بعد؛ فإن كذا وكذا؛ ويؤتى على المعنى.
407- وكذا ولي العهد، يبدأ بنفسه، وهذه الكتابة التي يجب أن تستعمل مع كل واحد، وأن يبدأ الإنسان بنفسه.
408- ثم وقع الأمر على غير ذلك وغير، وكان هذا من أسهل ما غير؛ لأنه شيءٌ قد اختلف فيه العلماء ورخص فيه جماعةٌ منهم.
409- كما روي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية.
410- وقال محمد بن الحنفية: فلا بأس أن تبدأ بالرجل إذا كتبت إليه.
411- وروى حميدٌ، عن بكر بن عبد الله، أنه كتب إلى عامل في حاجة، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى فلان من بكر؛ فقلت له: أتبدأ باسمه! قال: فما علي أن أرضي صاحبي وأقضي حاجة أخي المسلم.
412- وروى ضمرة، عن أبي شوذب، قال: قلت لأيوب السختياني: إن لي إلى عبد الرحمن بن القاسم حاجةً، وقد أردت أن أكتب إليه، قال:
فابدأ به.
413- قال أبو جعفر: فجاز على هذا أن يكتب إلى أبي فلان من فلان بن فلان.
414- وقد ذكرنا إنكار من أنكر أن يكتب على العنوان لأبي فلان، والقول كما قال، لأن الكتاب إليه لا له، إلا أنه يجوز على وجه يحتال فيه، وذلك أن تكون اللام بمعنى إلى، فقد قال قومٌ في قول الله عز وجل: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ معناه: إليها.
وأنشد أبو عبيدة:
وحى لها القرار فاستقرت
415-فإن أعدت الكنية خفضت على البدل، ويجوز الرفع على إضمار مبتدإ، ويجوز النصب بمعنى: أعني؛ وفي إعادة الكنية معنى التعظيم والتبجيل.
وأنشد سيبويه:
لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
416- فأما تتريب الكتاب فإنه محمودٌ عند العلماء، كما روى جابرٌ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه، فإن التراب مباركٌ وهو أنجح للحاجة)) .
417- وقال عمر رضي الله عنه: تربوا الكتاب.
418- ويقال: أتربت الكتاب وتربته بمعنى واحد, كما يقال: أكرمته وكرمته.
قال زهيرٌ:
ومن يغترب يحسب عدواً صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
419- ويقال: ترب الرجل: إذا افتقر, واشتقاقه أنه كأنه صار إلى التراب؛ وأترب استغنى, معناه: أنه كثر ماله حتى إنه صار كالتراب؛ وأكثر الاستعمال: أتربت الكتاب, فوافق لفظه لفظ أترب, إذا استغنى.
420- وفي التراب لغاتٌ, يقال: ترابٌ وتوربٌ وتورابٌ وتيربٌ, وبمعناه يقال: بفيه الأثلب والأثلث, أي: التراب, وكذا الكثيب والكثكث والدقعم والدقعاء والرغام, ومنه: أرغم الله أنفه, أي: أذله حتى يلصق بالتراب, والبرى مقصورٌ والكلحم والكملح والعثير.