عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاسباب المرتبة السادسة وهي مرتبة البلاغة

باب المرتبة السادسة وهي مرتبة البلاغة

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو جعفر النحاس
الكتاب
عمدة الكتاب
المؤلف
أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
المحقق
بسام عبد الوهاب الجابي
الناشر
دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
الطبعة
الأولى 1425 هـ - 2004 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل

830- أبدأ إن شاء الله بذكر اشتقاق البلاغة, وما حقيقتها لتحصل توابعها وتتدبر لواحقها, ثم نأتي بذكر نعت البلاغة؛ ثم ذكر تفصيل البلاغة وترتيبها؛ ثم نذكر ما جاء في البلاغة من المواعظ؛ ثم نذكر مجانسة الألفاظ التي تدل على البلاغة؛ ثم نذكر ما في العفو من البلاغة, ثم نذكر البلاغة في الألفاظ المستحسنة في البلاء, ثم ذكر البلاغة في المعاني, ثم صحة التفسير في البلاغة, ثم التكافؤ في البلاغة, ثم الاشتقاق من اللغة في البلاغة, ثم ما جاء من اللغة في البلاغة, ثم ما جاء من البلاغة في الدعاء, ثم البلاغة من دعاء أهل البيت عليهم السلام, ثم الاشتقاق والمضارعة في البلاغة, ثم السجع والازدواج في البلاغة؛ ثم نذكر فقراً من البلاغة عن عليٍ صلى الله عليه؛ ثم نذكر أشياء من البلاغة مرويةً مما يحفظه الكتاب المتأدبون إن شاء الله.

ذكر اشتقاق البلاغة وحقيقتها

831- البلاغة اسمٌ ممدوحٌ مشتقٌ من بلغ صاحبها.
832- قال ابن المقفع: البلاغة الإيجاز, وهكذا مذاهب العرب وعاداتهم في العبارة يميلون إلى أن تكون الألفاظ أقل من المعاني في المقدار والكثرة.
833- قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: لمحةٌ دالةٌ.
834- ومذهب الكتاب في البلاغة أن تكون الألفاظ غير ناقصةٍ عن المعاني ولا زائدةً عليها.
835- وقيا لليوناني: ما البلاغة؟ فقال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام.
836- وقيل للرومي: ما البلاغة؟ فقال: حسن الاقتصاد عند البديهة, والغزارة يوم الإطالة.
837- وقيل للفارسي: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل.
838- وقيل للهندي: ما البلاغة؟ فقال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة, وحسن الإشارة.
839- وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابيٍ: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز من غير عجزٍ, والإطناب من غير خطلٍ.

840- وقيل للعتابي: ما البلاغة؟ فقال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادةٍ ولا حبسةٍ ولا استعانةٍ فهو البليغ.
قيل: ما الاستعانة؟ قال: اسمع مني, وافهم عني, أو لست تفهم عني؛ كل هذا عيٌ وفسادٌ.
841- قال المأمون: سمعت الرشيد يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة, والتقرب من معنى البغية, والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى.
842- وقيل لعمرو بن عبيدٍ: ما البلاغة؟ قال: ما أبلغك الجنة وعدل بك عن النار, وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك؛ قال السائل: ليس هذا أريد؛ قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع, ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا معشر الأنبياء بكاءٌ)) , وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله؛ قال له: ليس هذا أريد؛ قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت وسقطات الصمت؛ قال له: ليس هذا أريد؛ قال: فكأنكم تريدون تخير اللفظ في حسن إفهامٍ, إنكم إذاً أردتم تقرير حجة الله في عقول المتكلفين, وتخفيف المؤونة على المستمعين, وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ

المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان, رغبةً في سرعة استجابتهم, ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة =كنتم قد أوتيتم فصل الخطاب, واستوجبتم على الله حسن الثواب.
843- قال الجاحظ: إن أحسن ما اختبأه ودونه لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه, ولفظه معناه, فلا يكون لفظه إلى السمع أسبق من معناه إلى القلب.

نعت البلاغة

844- من نعتها أن تكون سليمةً من التكلف, بريئةً من التعقد.
845- وقيل: لها نعوتٌ ثلاثةٌ, منها: أن تكون متساويةً, وذلك أن يكون اللفظ كالقالب للمعنى, لا يفضل عنه ولا ينقص منه, وهذا النعت أحسنه أن يكون للنظراء والأكفاء.
ووصف رجلٌ كاتباً, فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه.
والنعت الثاني: أن يكون كالإشارة أو كاللمحة الدالة.
وموضع استعمال هذا عند أهل المراتب العالية من الأدب والفهم.
كما روي أن المأمون أمر عمرو بن مسعدة يكتب كتاباً إلى بعض العمال لرجلٍ يعنى به المأمون في قضاء حقه, وأمره يختصر كتابه في سطرٍ واحدٍ, فكتب: كتابي إليك أعزك الله كتاب واثقٍ بمن كتبت إليه,

معنيٍ بمن كتبت له, ولن يضيع بين العناية والثقة حامله.
والنعت الثالث: الإطالة وإعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد بعينه حتى يظهر لمن لم يفهمه ويتوكد عند من فهمه, وسبيل هذا أن يستعمل في المواطن الجامعة, ومع العامة, ومن لا يسبق خاطره إلى أن يتصور المعنى في أول وهلةٍ, إما لبعده عن ذلك أو لقلة فطنته, لأن الموقف حافلٌ يكثر فيه اللغط والضجة, فيحتاج إلى إشباع المعنى وتوكيده وتكرير الألفاظ المترادفة, فتقول في نعت السيف: الحسام الباتر العضب؛ وفي نعت الشجاع: البطل الفاتك النجد الباسل؛ فيستحسن للكتاب أن يستعملوا مثل هذا في كتب الفتوح وعقد العهود, كما قال بعضهم في وصف كاتبٍ بليغٍ: إن أخذ شبراً كفاه, وإن أخذ طوماراً ملاه.

ذكر تفصيل البلاغة وترتيبها

846- من ذلك حسن الخطاب, ولطف الجواب.
قيل للعباس: أأنت أكبر أم النبي صلى الله عليه؟ قال: النبي أكبر وأنا أسن.
847- ولقي المنصور ليلاً يزيد بن حاتم, فقال المنصور: من هذا؟ فقال: يزيد, زادك الله حبوراً, وزاد عدوك ثبوراً.
848- وقال الرشيد لغلامٍ لبعض القواد –وكان فصيحاً-: إن مولاك

قد وهبك لنا, فقال: ما زلت لك مذ كنت له, وما زلت عن ملكه إذ صرت لك؛ فأعجب به.
849- وكان أبو العباس المبرد يعد في البلغاء بحسن عبارته وترتيب بلاغته.
850- وحكى أبو إسحاق عنه, أنه قال: ما رأيت في أصحاب السلطان مثل إسماعيل بن إسحاق, والحسن بن رجاءٍ, قال: كنت إذا رأيت الحسن بن رجاءٍ رأيت رجلاً كأنما خلق لذروة منبرٍ أو لصدر مجلسٍ, يتكلم كأنما يتنفس, يسهب ويطنب, ويعرب ويغرب, ولا يعجب ويعجب.
851- وحكى بعض أصحابنا أن علي بن عيسى سأل بعض الكتاب حاجةً، فقال: أنا وجاهي وما تنبسط فيه يدي لسيدنا الوزير أعزه الله، فليضع ما شاء من ذلك حيث شاء.
852- وقال القاسم بن عبيد الله للرياشي: أنا أرفعك ونفسك تضعك، وأظنها ستغلبني على رأيي فيك.
853- وقال لبعض الأمراء: أنا أستغفر الله لأبي من إحسانه إليك، وأستخيره فيما عزمت عليه في أمرك.
854- وقال رجلٌ لبعض الكتاب: والله لتعلمن ما عملت؛ إنك كثير السعاية، قليل النكاية.
855- ومر المهلب بن أبي صفرة يختال في مشيته بمالك بن دينارٍ، فقال له مالكٌ: إن الله عز وجل يبغض هذه المشية إلا بين الصفين؛ قال له المهلب: أما تعرفني؟ قال مالكٌ: إني لعارفٌ بك؛ قال المهلب:

فمن أنا؟ قال: أنت الذي أوله نطفةٌ قذرةٌ، وآخره جيفةٌ مذرةٌ، وهو بينهما يحمل العذرة! فاستحيا المهلب وقال: قد عرفتني حق المعرفة.
856- وخرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة، والخليفة يومئذٍ المهدي رضي الله عنه، فقيل له: كيف رأيت الناس؟ فقال: رأيت الداخل راجياً، والخارج راضياً.
857- وسأل محمد بن مروان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن يكون مع ابنه يقومه ويخرجه، فقال له بعد مدةٍ: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: ألزمتني رجلاً إن بعدت عنه عتب، وإن جئته حجب، وإن عاتبته غضب.
858- وحكى عمرو بن بحرٍ في ترتيب البلاغة عن بعض الهند: أول البلاغة اجتماع آلتها، وذلك أن يكون الخطيب رابض الجأش، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون معه من القوة ما يعرف به لفظه من كل طبقةٍ حتى لا يدقق المعنى إذا خاطب أوساط الناس، ولا يدع ذلك إذا خاطب حكيماً أو كاتباً فيلسوفاً.
859- ومن ترتيبها أن لا تستعمل فيها حوشي الكلام، وما تستثقله العوام، كما قيل: كفاك أدباً لنفسك ما كرهت من غيرك.
860- وقال الحسن البصري –وكان بليغاً فصيحاً-: سبقت اللحن.

861- وقال: كفاك من عقلك ما أوضح لك سبيل غيك من رشدك.

ذكر المواعظ في البلاغة

862- قرئ على القاسم بن بنت منيع، عن هدبة بن خالدٍ، حدثنا همامٌ، عن قتادة، عن مطرفٍ، عن أبيه، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته يقرأ: ﴿ألهكم التكاثر﴾ قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)) . 863- وفي حديثٍ آخر: ((يود أحدكم يوم القيامة لو كان رزقه أقل من القوت)) . 864- وفي حديثٍ آخر: ((يؤجر ابن آدم حتى في الشوكة يشاكها)) . 865- ووعظ شبيب بن شيبة المنصور، فقال: إن الله لم يجعل فوقك أحداً، فلا تجعل فوق شكرك شكراً.
866- ودخل عمرو بن عبيدٍ على المنصور وعنده المهدي، فقال له: هذا ابن أخيك المهدي، ولي عهد المسلمين؛ فقال: سميته اسماً

لم يستحقه عمله ويفضي الأمر إليه، وأنت عنه مشغولٌ؛ ثم وعظه فبكى، فقال له المهدي: حسبك! فقد أبكيت أمير المؤمنين؛ فقال: يا أمير المؤمنين! أغم ما تكون بنفسك أفرح ما يكون بنفسه؛ قال: سلني حاجتك، قال: أتقضيها؟ قال: نعم، قال: لا ترسل إلي حتى أجيئك؛ قال: أوترجع إلي؟ قال: نعم؛ وترك نعله وخرج، ثم عاد، فأخذها، ولم يرجع إليه، فتفقده وقال: لم يكن ليكذب؛ حتى أخبر خبر النعل.
867- ودخل ابن السماك على الرشيد، فقال له: تكلم وأوجز؛ قال: إن أخوف ما أخاف على نفسي الدخول إليك؛ فغضب الرشيد، وقال: لتخرجن مما قلت أو لأفعلن بك وأصنعن؛ قال: أنت ولي الله في عباده، فإن أنا لم أنصح لك فيهم وأصدقك عنهم خفت من الله عز وجل في ذلك، اتق الله في رعيتك، وخف المرجع إليه، لم أر أحسن من وجهك فلا تجعله للنار حطباً! 868- قال بعضهم: رب هالكٍ بالثناء عليه ومغرورٍ بالستر عليه، ومستدرجٍ بالإحسان إليه.
869- وقال الفضل بن عباسٍ: إذا قيل لك: أتخاف الله؟ فاسكت، فإن جئت بـ ((لا)) جئت بأمرٍ عظيمٍ، وإن قلت: ((نعم)) ، فالخائف لا يكون على ما أنت عليه من الأمان.
870- وقال الشعبي: سمعت الحجاج يتكلم بكلامٍ ما سبقه إليه أحدٌ، سمعته يقول: أما بعد؛ فإن الله كتب على الدنيا الفناء، وكتب

على الآخرة البقاء، فلا بقاء لما كتب عليه الفناء، ولا فناء لما كتب عليه البقاء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقصروا طول الأمل بقصر الأجل.
871- وقيل لأعرابيٍ اعتل: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي وأحتمي، إن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم فافتضحوا.
872- وقال أبو حازمٍ: كل ما تكره الموت من أجله فاتركه، ولا يضرك متى مت، وما أحببت أن يكون معك غداً فقدمه اليوم، وما كرهت أن يكون معك غداً فاتركه اليوم.
873- وكان بعض الحكماء يقول: اصبروا عباد الله على عملٍ لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا عن عملٍ لا صبر لكم على عقابه.
874- وقال سفيان: ينبغي لمن وعظ ألا يعنف ولمن وعظ ألا يأنف.
875- وكان مطرفٌ يقول: خوف النار يكاد أن يحول بيني وبين أن أسأل الله الجنة.
876- وكتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز: إن أناساً قبلي لا يؤدون ما عليهم إلا أن أمسهم بشيءٍ من العذاب؛ فكتب إليه عمر: العجب كل العجب في استئذانك إياي في عذاب عباد الله, كأني لك جنةٌ من عذابه, أو كأن رضاي ينجيك من سخطه؛ إذا وصل إليك كتابي فمن أعطاك عفواً, وإلا فاستحلفهم بالله, فوالله لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم.

877- وقال لقمان لابنه: زاحم العلماء بركبتك ولا تجادلهم فيمقتوك, وخذ من الدنيا بلاغك, واتق الله, وأنفق فضول كسبك لآخرتك, ولا ترفض الدنيا كل الرفض, فتكون عيالاً على أعناق الرجال كلاً, وصم صوماً تكسر به شهوتك, ولا تصم صوماً يضر بصلاتك, فإن الصلاة أفضل من الصوم, ولا تجالس السفيه, ولا تخالط ذا الوجهين.
878- حدثنا بكر بن سهلٍ, قال: حدثنا عبد الله بن يوسف, قال: أخبرنا مالكٍ, عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((شر الناس ذو الوجهين الذي يلقى هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ)) .

جارٍ التحميل