عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاسباب فصولٍ ورسائل بليغةٍ

باب فصولٍ ورسائل بليغةٍ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو جعفر النحاس
الكتاب
عمدة الكتاب
المؤلف
أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
المحقق
بسام عبد الوهاب الجابي
الناشر
دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
الطبعة
الأولى 1425 هـ - 2004 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل

فمن ذلك: 1235- جل فضل الأمير عندي أن يحيط بوصفه اجتهادي، أو يأتي على كنهه تعدادي، فلو كان شيءٌ أكبر من الشكر الذي جعله الله لنعمته كفاءً، وبما يجب له فيها وفاءً، يقابل به مقابل طول سيده، ويؤدي به مصطنع حق مصطنعه، فما كان الأمير يستحقه علي ويستوجبه فقد أصبح المختلفون من الناس مؤتلقين على الاعتراف بفضله، والمتباينون منهم مجتمعين على تقريظه ومدحه، حتى إن العدو ليقول اضطراراً ما يقوله الولي اختياراً، والبعيد يثق من إنعامه عاماً بمثل ما يثق به القريب خاصاً، ففعل الله به وفعل.
1236- وكان أبو الحسن يستجيد رسائل أبي علي البصير ويقدمها على ما يكتب به أبو العيناء.
قال: وكان أبو علي هذا إذا كتب تثبت، ويروي فيما يكتب به، فتخرج رسائله على نهاية الجودة؛ هذا معنى كلامه فيما يستحسن.

1237- وكتب أبو علي البصير دعاءً في أول رقعةٍ: أطال الله في أدوم العز والكرامة بقاءك، وأسبغ في النعمة مدتك، وحاط الدين والمروءة بحيطة دولتك، وجعل إلى خير عاقبة الأمور عاقبة أمرك، وعلى الرشد والتوفيق مواقع قولك وفعلك، ولا أخلى من السلطان مكانك، ومن الرفعة منزلتك.
1238- أخرى له: وأنا أسأل الله الذي رحم العباد بك على حين افتقار منهم إليك أن يرحمهم من بعد فقدك، ولا يعيدهم إلى المكاره التي استنفذتهم منها بيدك.
1239- ومن أخرى له: وأنا أسأل الله الذي يعلم السر وأخفى، راغباً إليه بسريرةٍ يعلم صحتها، ونيةٍ يشهد على صدقها، وأن يشفع إحسانه إلي، وجميل بلائه لدي، بطول بقاءك، وامتناعي بما وهب لي من رأيك على الاستحقاق دون الهوى، وتمام شروط الود دون التجاوز والإغضاء.
1240- ومن أخرى له إلى عبيد الله بن يحيى: وأنا أسأل الله تعالى جده أن يطيل بقاءك لأركان دين تؤيدها، وحوزة ملكٍ تذب عنها، وسياسة رعيةٍ تقيم أودها وتعدل ميلها، وعثرة كريمٍ تنعشها، وصنيعةٍ عند حرٍ تربها، وأن يعز بموالاتك التي لا هضم على أهلها، وأن يتمم نعمته عليك، ويتابع المزيد عندك منها.
1241- ومن أخرى له إليه: يقطعني عن الأخذ بحظي من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه من شكر إنعامك، والإنتساب إلى إحسانك

وإفضالك، وإفرادي إياك بالتأميل دون غيرك= تخلفي عن منزلة الخاصة، ورغبتي عن الحلول محل العامة، وإني لست معتاداً للخدمة والملازمة، ولا قوياً على المغاداة والمراوحة.
1242- ومن أخرى مقدمةٍ على رسائله، كتب بها إلى عبيد الله بن يحيى بن الحسن: أدام الله في العز والكرامة مدتك، وحاط من غير الدهر دولتك، ومن الزوال نعمتك، ولا أخلى من السلطان مكانك، إن من الحق أيدك الله على من وهب الله له فضلاً في اللسان، ونصيباً من البيان، وحسن قوةٍ في الرأي، واتصل له بالخاصة سببٌ، فوجد مساغاً للقول= أن يبلي عامة المسلمين بلاءً حسناً يستديم به النعمة التي خصته دونهم، فيكفي متخلفيهم، وينطق عن مفحمهم، ويعبر عما في أنفسهم مما تكل منه ألسنتهم، ويتضمن من شكر الإحسان إليهم ما يستدعي به المزيد لهم.
وإني لم أزل أجد متطلعاً من نفسي يتطلع إلى ذكر محاسنك، وشكر ما عند كافة الرعية من جميل بلائك، وما يشملهم من عدلك وإنصافك، ولبسوا من الأمن والعافية بك والقول بفضلك ببعض ما يبلغه علمي، وتناله قدرتي، فيمنعني ذلك من أنه لا سبب لي بك، ولا ذريعة لي إليك، حتى خصصتني من جميل تطولك، وحسن نظرك ما أوجب الحق على نفسي، وأطلق لساني بما لم تزل تسمو إليه همتي.
ولما كان إحسانك فوق الشكر، وكان الواصف فضلك، والذاكر لمناقبك مقصراً حيث انتهى، وكان تقريظناً إياك مغموراً في علم تفضلك والشائع المشهور الباقي على وجه الدهر من جميل الأحاديث عنك

المبهجة لمن كان قبلك، والمتعبة لم يكون بعدك، وكان في حق الدين والمروءة علينا شكر ما أبليت، ونشر ما أوليت= وجب أن نقدم المعذرة بأن نكتفي بالاختصار من الإطالة، ووثقنا بأنك عائدٌ على تقصيرنا بتغمدك، ومجرٍ أمرنا على صالح النية، إذ تعايا اللسان به، وعجز الرأي عنه، والله عز وجل يزيد علواً كعبك، وطولاً بالخير يدك، ويحوط النعم لأهلها بحياطة نعمتك، ويتطول على الخاصة والعامة بدوام حالك، وثبات وطأتك، فنقول: إن من شكر بمبلغ طاقته، وجهد استطاعته، شكراً يبلغ الصوت به، وتصغي الأسماع إليه، وترى صفحة الإخلاص فيه، ثم شفع ذلك بالانتساب إلى التقصير مع الإطناب، فقد انتهى إلى غايةٍ يعذر بالعجز عن تجاوزها، وبالوقوف عندها، وأن يرى فوقها مزيداً، أو وراءها مذهباً، وإن فلاناً لما استخلصك لنفسه وائتمنك على رعيته، فنظر بعينك، واستمع بأذنك، ونطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحق على الهوى فيك بعد أن ميل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وأجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضمارك، وخفوا في ميزانك، ولم يزدك، أكرمه الله رفعةً وتشريفاً إلا ازددت عن الدنيا عزوفاً، ومنها تقللاً، ولا تقريباً واختصاصاً إلا ازددت من العامة قرباً، وبها رفقاً، وعليها حدباً؛

لا يخرجك فرط النصح للسلطان عن النظر لرعيته، ولا إثبات حقه عن الأخذ لها بحقها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمن ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة جلائل الأمور عن التفقد لصغارها، ولا الجذل بصلاحها واستقامتها عن استشعار الحذر وإنعام النظر في عواقبها، تمضي ما كان الرشد في إمضائه، وتتوقف عما كان الحزم في التوقف عنه، وتبذل ما كان الفضل في أن تبذله وتمنع ما كان المصلحة في منعك إياه، وتلين في غير ضعفٍ، وتشتد في غير عنفٍ، وتعفو في غير فشلٍ، وتسطو في غير خورٍ، وتقرب في غير تبذلٍ، وتبعد في غير كبرٍ، وترغب في غير سرفٍ، وترهب في غير تحاملٍ، وتخص في غير ميلٍ، وتعم في غير تضييع، لا يشقى بك المحق، وإن كان عدواً؛ ولا يسعد بك المبطل، وإن كان ولياً؛ فالسلطان يعتد منك من الغناء والكفاية والذب والحيطة والتوفير والأمانة والعفة والنزاهة والنصب في ما أدى إلى الراحة= بما يراك معه حيث انتهى إحسانه إليك مستوجباً للزيادة، وكافة العامة إلا من عند عن الحق وغمط العاقبة، يثنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة، والعمل بصلاح التدبير في السياسة، والبعد من كل أمرٍ أضاف إليك شبهةً وألحق بك دنيةً، ويعدون من مآثر الله جل وعز التي خصك بها دون من حل محلك أنك تدحض لأحدٍ حجةً، ولا تدفع حقاً بشبهةٍ، ولم تفسد حالاً، ولم تزل نعمةً، هذا يسيرٌ من كثيرٍ نعلمه، لو حاولنا تفصيل مجمله لأنفدنا مدةً من الزمان قبل

تحصيله، ثم كان قصرنا الوقوف دون الغاية.
1243- وفصلٌ آخر: ومما كان أبين في الفضل، وأوجب للشكر، أن تغنيني عن شكوى حالي إليك مع علمك بها، واقتضائك عمارتها، مع ما ترى في ظاهرها، فلربما نيل الغنى على يدي من هو دونك، وكان ذلك بأدنى من وسيلتي إليك، وحرمتي بك، غير أن الحظوة لا تدرك بالسعي والحيلة، ولا تجري أكثرها على قدر النسب والوسيلة.
1244- فصلٌ آخر: أراك الله في وليك ما يسرك به، وفي عدوك ما يعطفك عليه.
1245- ومن المتقدمين والمشهورين في الكتابة والمنسوبين إلى هذه الصناعة في البلاغة أحمد بن مهران الكاتب، ولقد كان علي بن سليمان يقول: إن رسائله لتطربني كما يطربني الغناء.
1246- فمن مستحسن فصوله ورسائله، فصلٌ له [في] تعزيةٍ: ومن صدق نفسه هانت عليه المصائب، وعلم أن الباقي تبعٌ للماضي، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
1247- وله إلى بعض الأدباء: فضيلتك في العلم الثاقب والأدب البارع فضيلةٌ تكافأ أهل المشرق طراً في معرفتها والإعتراف بها، حتى صار الإقرار بذلك فضيلةً للمدعي، وزينةً للعالم المتقن، فأما الخصائص التي لك في الدين والزلفة وصحة الوفاء والمحافظة ومجانبة كل ما يدنس عرضاً، أو يثلم مروءةً= فكثيرةٌ مشهورةٌ، حليت بها الأدب

وتخطيت بها إلى الحسب، لأن أدب المعرفة إذا انفرد عن أدب النفس، وكرم الخلق= كان عائبه والقادح فيه أكثر من واصفه ومطريه، وقد جمع الله لك من ذلك ما هو متفرقٌ في غيرك، وجعلك ممن يكاثر به ويفاخر، فتعلو يد من يناضل، ولسان من ينطق بفضله، فوهب الله لك شكراً يكافئ نعمه، ويفي بإحسانه.
1248- وله إلى أبي نجدة الشاعر: أما الشعر، فلسنا نساجلك فيه، ولا نركب مضمارك في ما قل أو كثر منه، ولو أيدنا بخلاء الذرع، ورحب السرب، واتساع الوقت، مع المهل والروية، فكيف على الارتجال والبديهة؟ لأنا نرى الاعتراف للمبرز فضيلةٌ وغموط حقه نقيصةٌ.
1249- وله أيضاً إلى أبي غالبٍ: قد انقضت أيام أهل الأدب، وأفلت نجومهم، حتى صاروا غرباء في أوطانهم، منقطعي الوصل والوسائل، ترتد عنهم الأبصار، وتنبو عنهم القلوب، وإذا شاموا مخيلة مثلك ممن يحسن تآلفهم ورفدهم، فترعى وسائلهم، ثلجت صدورهم، وانبسطت آمالهم، وأمسك ذلك بحشاشاتٍ قد نهكها سوء بلاء الزمان عندهم، فزادك الله من فضله, وزاد بك, واضطرب الصوت بما منحته بعض الشعراء من رفدك ونائلك, فبعث ذلك من آمالٍ كانت خاسئةً, وأيقظ همماً كانت نائمةً, والخير متبعٌ لا زلت من أهله.
1250- وله: وأنا منتظرٌ من نصر الله عز وجل على هذا الباغي, وانتقامه من الظالم= ما ليس ببعيدٍ, وإن كان قومٌ يستدرجون بالإمهال,

فإن وعد الله عز وجل ناجزٌ, وهو من وراء كل ظالمٍ.
1251- وله: وأياديك عندي أيادٍ غير مجهولة النعم, بل على نعمٍ غير مجحودةٍ, ومهما أغلفت شكره في ما سلف, فلن أغلفه في المؤتنف.
1252- ولمحمدٍ بن مهران رسائل كثيرةٌ مجودةٌ وكتب فتوحٍ مشهورةٌ, لو شرحنا بعضها لطال الكتاب, وإنما ينبغي لكل مجودٍ من هذه الطبقة, أعني: الكتابة.
1253- وممن ينسب إلى إيجاز القول وحسن النظم والبلاغة في السجع الكرماني, كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات: كتابي إليك ليس باستطباءٍ, وإمساكي عنك ليس باستغناءٍ, لكنه تذكرةٌ لك, وثقةٌ بك.
1254- وكتب إلى المأمون: إنك من إذا أسس بنى, وإذا غرس سقى, ليستتم بناء أسه, ويجتني ثمرة غرسه, وأسك في بري قد وهى وقارب الدروس, غرسك في حفظي قد عطش وشارف اليبوس, فتدارك ما أسست, واسق ما غرست, فملح وجود, وأمر له المأمون بمئة ألف درهمٍ.
1255- قال يحيى بن خالدٍ: رسائل المرء في كتبه أدل دليلٍ على مقدار عقله, وأصدق شاهدٍ على غيبه لك ومعناه فيك من أضعاف ذلك

على المشافهة والمواجهة.
1256- كتب رجلٌ إلى إخٍ له: قد كنت أحب أن لا أفتتح مكاتبتك بذكر حاجةٍ, إلا أن المودة إذا أخلصت سقطت الحشمة واستعملت الدالة.
1257- ولآخر: إن من صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة.
1258- آخر: كفاك من القطيعة لي سوء ظنك بي.
1259- آخر: قد سبق من جميل وعدك إياي ما أنت أهله, وتأخر الأمر عني تأخراً دلني على زهدك في الصنيعة عندي, ولولا أن النفس اللجوج تطالبني ببلوغ آخر الأمر لتنصرف عن الطمع بواضح العذر كان في ما عاينت من التقصير أدل دليلٍ على ضعف العناية, ولقد حمدت الله إذ لم أخبر بمسألتي إياك وضمانك أحداً, فأكون في هذا إما كاذباً في ما حكيته, وإما شاكياً بعد أن عرفت لك شاكراً, ولست أنتقل من شكرٍ إلى ذمٍ, ولا أرغب في خلقٍ عليٍ إلى خلقٍ دنيٍ, فيسر حسودٌ ويساء ودودٌ, ولكني أنكب طريقاً بين شكرك على ما يسره المقدار على يدك وبين عذرك على ما غيره عليك غير ملحفٍ ولا مجحفٍ, فإن الرزق أضعافه بالرجاء, وما لا يحتسب أجدر مما يقتضب, وكان الواثق يكون محروماً.
1260- ولغيره: فإن الله بحمده نزه الإسلام عن كل قبيحةٍ, وأكرمه عن كل رذيلةٍ, ورفعه عن كل دنيةٍ, وشرفه بكل فضيلةٍ, وجعل سيما

أهله الوقار والسكينة.
1261- أخر: قد أغنى الله عز وجل بكرمك عن ذريعةٍ إليك, وما تنازعني نفسي إلى استعانةٍ عليك إلا أبى ذلك حسن الظن بك, وتأميل نجح الرغبة إليك, دون الشفعاء عندك.
1262- ومن حسن ما في هذا, كتاب عبد الحميد في السلام عن هشامٍ: فإن أمير المؤمنين كتب إليك وهو في نعمة الله عز وجل عليه وبلائه عنده في نفسه وولده وأهل محبته ولحمته والخاص من أموره والعام والجنود والثغور والقواصي والدهماء من المسلمين على ما لم يزل ولي النعم يتولاه منه، حافظاً له فيه، مكرماً بالحياطة بما ألهم الله جل ذكره فيه من أمور رعيته، وعلى أعظم وأحسن وأجمل ما كان يحوطه فيه، ويذب له عنه، والله محمودٌ مشكورٌ.
أحب أمير المؤمنين لسرورك به أن يكتب إليك بذلك لتحمد الله عز وجل وتشكره، فإن الشكر من الله بأحسن المواضع وأعظمها، فازدد منه تزد به، وحافظ عليه، وارغب إليه، يعطك مزيد الخير، ونفائس المواهب، وبقاء النعم، وأقرئ من قبلك كتاب أمير المؤمنين إليك ليسر به جندك ورعيتك، ومن حمله الله عز وجل النعم بأمير المؤمنين ليحمدوا الله على ما رزق عباده من سلامة أمير المؤمنين في بدنه، ورزقه من رأفته بهم، وعنايته بأمورهم، فإن زيادة الله عز وجل تعلو شكر الشاكرين؛ والسلام.
1263- ولغيره: حتى إذا تراءى الجمعان تبرأ الشيطان من

حزبه، وأزهق الله عز وجل باطلهم بحقه، وجعل الفتح والظفر لأولى الحزبين به، وبذلك جرت سنة الله عز وجل في الماضين من خلقه، وبذلك وعد من تمسك بأمره وطاعته.
1264- آخر: إن أولى نعمةٍ بشكرٍ نعمةٌ خصت فاستقامت بها الأمور، واقعةٌ بمصالحها، جاريةٌ على قصد سنتها؛ وأجمل ما ولي الله تعالى منها ما عمت فتألفت البشر، وجمعت الكلمة، وآمنت السرب، وسكنت الدهماء.
1265- ولغيره: أما بعد، فإن أولى نعمةٍ بشكرٍ سلامةٌ عز فيها الحق، ووقع مواقعه؛ وذل الباطل، فقمع أشياعه؛ وتقلب في شدتها وأمنها خاصةٌ وعامةٌ، وانبسط في تأميل فضلها وعائدتها رغبةٌ حاضرةٌ وقاصيةٌ، وأمير المؤمنين حيث كتب إليك في أعم سلامةٍ أمناً وعزاً، وأدوم نعمةٍ موقعاً وخطراً، وأجمل بلاءٍ لله عز وجل يتعرفه في نفسه وولده وأوليائه وعوامه، وبالله عونه على شكر نعمته وتأدية حقوقه.
1266- ولآخر: أما بعد؛ فإن بلاء الله عند أمير المؤمنين في ما يحوط له ما استحفظه واسترعاه ويتولاه من حسن الخلافة في ما قرب منه ونأى، يعرفه من الصنع على من شاقه وناوأه ما حق علينا وعلى عامة رعيته القول به وإذاعته، والحديث عن النعمة الشاملة والكرامة المجللة فيه.
1267- وكتب آخر: كتبت وأنا ذو صبابةٍ توهي قوى الصبر إلى لقاءك، واستراحةٍ ليس إلا إلى طيب أخبارك منتهاها.

1268- آخر: كتبت وأنا في أحسن ما كان الله عز وجل ينعم به علي ويتولاه مني، وله الحمد والمنة وإليه في صالح المزيد الرغبة.
1269- آخر: كتبت وأنا على أجمل ما جرت به العادة ووجب به الشكر.
1270- آخر: كتبت ونحن في أعم عافيةٍ, وأشمل كرامةٍ, والحمد لله ربهما ووليهما, والمرجو لتمامهما.
1271- آخر: كتبت وأنا في نعمةٍ عميمةٍ وعافيةٍ ظليلةٍ, والله أسأل إتمامها بأحسن عادته وأجمل مواهبه.
1272- آخر: كتبت عن سلامةٍ ووحشةٍ لفراقك وبعد البلد الذي يجمع السادة والإخوان والأهل والجيران على حسب الأمن كان بمكاني فيه والسرور به, ولكن المقدار يجري فتنصرف معه, وقع ذلك بالهوى أو خالفه, ولئن كانت هذه حالي في الوحشة إن أكثر ذلك وأوفره لفراقك, وما بعد فأعنه من الأنس بك, فاسأل الله أن يهب لنا اجتماعاً عاجلاً في سلامةٍ من الأديان والأبدان, وغبطةٍ من الحال, وغنىً عن المطالبة برحمته.
1273- وله: كتابي والله عز وجل يعلم وحشتي له, لا أوحشك الله من نعمته, ولا فرق بينك وبين عافيته, وكان مما زاد في الوحشة أنها جاوزت الأمل المتمكن في الأنس وبقرب الدار وتداني المزار, نحمد الله على نعمه ونستديمه لنا فيك أجمل بلائه, ونسأله أن

لا يخلينا وإياك من شكره ومزيده, ولو كتبت في كل يومٍ كتاباً بل لو شخصت نحوك قاصداً لكان ذلك دون الحق لك, ولكني غلقٌ بما تعلمه من العمل, وأكره أن أتابع كتبي, وأسلك سبيلاً من الثقل, فأنا واقفٌ بمنزلةٍ متوسطةٍ أرجو أن أسلم من الجفاء والإبرام, فأنا وإن أبقيت عليك من الزيادة في شغلك, فلست بممتنع من مسألتك التطول بتعريفي جملةً من خبرك, أسكن إليها, وأعتد بالنعمة فيها, وأحمد الله عليها.
1274- ولابن المقفع: أصلحنا الله وإياك صلاحاً دائماً يجمع لنا ولك به الفضيلة في العاجلة والكرامة في الآجلة, فإني لا أعلم أمراً أعظم عند أهله منفعةً من أمرٍ ترك ذكره لفضيلةٍ, ولا أعرف أمراً يستحق أهله بفضله عندهم عن ذكره في ما بينهم من أمرٍ وشج الله عز وجل بيننا وبينك أسبابه, وثبت حقوقه, وعظم حرمته, وأوجب لبعضنا على بعضٍ حفظه, والمبالغة في أداء ما أوجب الله عز وجل منه, فأبقى لنا ولك منه ما أجرى بيننا وبينك في الدنيا حتى نكون بينه إخواناً في الآخرة حتى تصير الخلة عداوةً بين أهلها إلا خلة المتقين.
1275- آخر: فنرغب إلى الذي تزداد نعمه علينا في كل يومٍ وليلةٍ تظاهراً ألا يجعل شكرنا منقوصاً, ولا مدخولاً, وأن يرزقنا مع كل نعمةٍ كفؤها من المعرفة بفضله فيها والعلم في أداء حقها.

1276- آخر: أما بعد؛ فإن من قضى الحاجات لإخوانه فاستوجب الشكر عليهم فلنفسه عمل لا لهم, لأن المعروف إذا وضع عند من يشكره فهو زرعٌ لا بد لزارعه من حصاده أو لعقبه من بعده.
1277- آخر إلى والٍ عزل عن عمله: أما والله إن كنت لمسيئاً عندك, مخطئاً لحظك, غير نبيلٍ في عملك, ولا مصيبٍ في حكمك, تحيف في القضاء, وتتبع الهوى, وتقبل الرشا, لست بالثابت الرزين, ولا الحليم الركين.
1278- آخر: لا أصل ثبت في الأرض، ولا فرع بسق في السماء، من شكرٍ أو وفاءٍ أو حياءٍ.
1279- آخر: أما بعد؛ فإني لا أعرف للمعروف طريقاً أوعر من طريقه إليك، ولا مستودعاً أقل زكاءً ولا أبعد من ثره خيرٌ من مكانه عندك، لأن المعروف يحصل منك في حسبٍ دنيءٍ ولسانٍ بذيءٍ، وجهلٍ قد غلبك على عنانك، فالمعروف لديك ضائعٌ، والشكر عندك مهجورٌ، وإنما غايتك في المعروف أن تحرره وفي وليه أن تكفره.
1280- آخر: لا تتركني معلقاً بحاجتي، فالصبر الجميل خيرٌ من المطل الطويل.
1281- آخر: والأمير يعوضك أفضل من العمل الذي صرفك عنه، فإنما صرفك ليرفعك عن ما كان استعملك ويصطنعك، وليس حقه عليك

حين استعملك بأعظم من حقه عليك حين عزلك.
1282- تعزيةٌ بطفلٍ: الحمد لله الذي نجاه مما ها هنا من الكدر, وتخلصه قبل كبره مما بين يديه من الخطر.
1283- تعزيةٌ: إذا استوى المعزي والمعزى في النائبة استغنى عن الإكثار في الوصف لموقع الرزيئة، وكان ظهوره يغني عن التنبيه عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، إقراراً بالمسألة، واعترافاً بالمرجع إليه، وتسليماً لقضائه، ورضىً بموقع أقداره؛ وأسأل الله أن يصلي على محمدٍ صلاةً متصلةً بركاتها، وأن يوفقك لما يرضيه عنك قولً وفعلاً حتى يكمل لك ثواب الصابرين المحسنين، وأجر المطيع المنتجز للوعد، فرحم الله فلاناً وأحله منازل أوليائه الذين رضي سعيهم وتطول بفضله عليهم، إنه وليٌ قديرٌ.
1284- آخر: للمودة أسبابٌ تؤدي إلى اتصال المحبة، واجتماع المودة، واتساق نظم الأخوة.
وكتابي هذا من أسبابها القوية إذ كان في سبيل البر والمثوبة.
1285- آخر في خلعةٍ: جزاك الله خيراً، فوالله ما دون ما أتيت تقصيرٌ، ولا فوقه إحسانٌ.
1286- آخر: إن الله لما رزقني المنزلة من الأمير جعل معها شكرها مقروناً بها، فهي تنمي بالزيادة، والشكر مصاحبٌ لها، فليست تدخلني وحشةٌ، وأنا على علمٍ أنه إن وصل إليه حالي أغناني عن استزادته، ولكن تكنفتني مؤنٌ استقصت ما في يدي، وكنت للخلف من الله منتظراً، فإني

إنما أتقلب في نعمه، وأتمرغ في معروفه كان عندي.
1287- آخر في حاجةٍ: قد سهل الله تبارك وتعالى علينا مطلب الحاجة، وجعلك مشرع نجحٍ، ومفزع أنسٍ، وعدة أخٍ عند تضايق أمره.
1288- آخر: وإن الله عز وجل بتمكينه إياك في النعمة، وإعلائه يدك بالقدرة، وصل بك آمال المؤملين، وخص بجميل الحظ منك أهل المروءة والدين, وقد حللنا بفنائك, وأملنا حسن عائدتك, ورجونا أن تودعنا من معروفك ما تجد عندنا شكره, والوفاء ما تسدي إلينا منه, وأنت بين صنيعةٍ مشكورةٍ, ومثوبةٍ مذخورةٍ, فإن رأيت أن تصغي إلينا بكرمك, وتخلطنا بعددك, وتجعلنا من خطاب برك بحيث يشملنا فضلك ويسعنا طولك فعلت إن شاء الله.

جارٍ التحميل