باب حذف النون من الخط وما يتصل به من باب لا وما غيرهما
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو جعفر النحاس
- الكتاب
- عمدة الكتاب
- المؤلف
- أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
- المحقق
- بسام عبد الوهاب الجابي
- الناشر
- دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
- الطبعة
- الأولى 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل
522- كتبوا: ((لم يك)) بحذف النون وإثباتها, وجاء بهما القرآن, هذا إذا لم يكن بعدها ساكنٌ, فإن كان بعدها ساكنٌ لم يجز إلا إثبات النون عند أكثر النحويين, نحو قولك: لم يكن ابنك جالساً, ولا يكن الذاهب عمروٌ, وإنما لم يجز حذفها إذا لقيها ساكنٌ؛ لأن التحريك أولى بها, لأنها ليست من حروف المد واللين, فلما تحركت ثبتت, إلا أن قطرباً حكى حذفها, وحكى سيبويه حذف النون من لكن في الشعر, كما قال:
ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
523- وكتبوا ((ألا)) متصلاً, وقد كتب في المصاحف متصلاً في مواضع ومنفصلاً في أخرى, واختلف النحويون في علة الحذف, وهو الذي يستعمله الكتاب.
ورأيت علي بن سليمان لا يجيز إلا الانفصال, لأنها ((أن)) دخلت عليها ((لا)) .
ومن النحويين من يقول: إن أدغمتها بغنة أثبت النون, وإن لم تأت بالغنة حذفتها.
ومنهم من يقول: إن رفعت ما بعدها كتبتها مفصولةً لا غير, نحو قوله جل وعز: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً﴾ , لأن التقدير أنه لا يرجع, وقيل: التقدير أن ليس يرجع؛ وإن نصبت ما بعد ((لا)) كتبتها متصلةً, نحو: ﴿حقيقٌ على أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ .
524- وكتبوا ((لئلا)) بحذف النون وإثبات الياء اصطلاحاً قديماً, وكان القياس كتبها بالألف, لأنها همزةٌ مبتدأٌ بها في الأصل, وهي ((أن)) , فالنون فيها أيضاً من الأصل.
525- وكتبوا: لئن قمت لأقومن, بالياء, وكان القياس كتبها بالألف لأنها همزةٌ مبتدأٌ بها في الأصل, وقد قيل: فرقوا بينها وبين ((لأن)) , وقيل: فعل هذا اتباعاً للمصحف.
526- وكتبوا ((هلا)) موصولاً, و ((بل لا)) مفصولاً, والفرق بينهما أن ((لا)) إذا دخلت على ((هل)) تغير معناها, وصار المعنى التحضيض, وإذا دخلت ((لا)) على ((بل)) فمعنى ((بل)) موجودٌ, وإن كان ((لا)) قد أفادت معنى الإباء, كما تقول: جئت كي تكرمني, وجئت كي لا تلومني؛ فـ ((لا)) ها هنا مفصولةٌ؛ فإن قلت: ((كيما)) فهي موصولةٌ؛ لأن ((ما)) زائدةٌ للتوكيد.
527- وحكى بعض أهل اللغة أنه يكتب ((عما)) إذا كانت بمعنى
((ما)) صلةً أو غير صلة موصولةً للادغام, وحكى: سله عما صار إليه, موصولاً.
وهذا خطأٌ, لو وجب أن يكون الادغام علةً للوصل لكتبت الشمس بغير لام, وهذا ما يتفاحش ويخرج من الغاية.
528- والصواب أن يقال فيه: كان يجب أن تكون ((ما)) مفصولةً في كل موضع, لأنها على حرفين تنفصل مما قبلها, ولكنهم شبهوها إذا كانت صلةً أو كافةً بما لا ينفصل من المضمر.
529- ومن النحويين من يقول: أرادوا الفرق بين ((ما)) إذا لم تكن اسماً, وإذا كانت اسماً فتكتب: ((بينما زيدٌ قائمٌ أقبل عمرو)) , موصولةً, لأنها ليست اسماً, وتكتب: ((بين ما قلت وقال زيدٌ بونٌ بعيدٌ)) , مفصولةً, لأنها بمعنى الذي.
530- وكذا: ((عجبت من ما صنعت, وأعرضت عن ما قلت)) , وكذا: ((أين ما كنت تعد)) , وكذا: ((إن ما عندك يعجبني)) , و ((أي ما عندك أفضل)) , و ((أي ما تراه أوفق)) , و ((رغبت في ما عندك)) , وكذا ((اجعل هذا مع ما عندك)) أي: مع الذي عندك, وكذا ((عن ما سألت)) , و ((من من طلبت)) مفصولاً لأن ((ما)) اسمٌ, وكذا: ((سل عن من أحببت)) , و ((أنا أرغب في من رغبت)) .
وإذا لم يكن اسماً فهي موصولةٌ في أكثر المواضع, قال الله جل وعز: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ , وكذا ((أيما الرجلين لقيت)) , وكذا: ﴿إنما إلهكم الله﴾ , وقال الشاعر:
وقال العذارى أنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط نزايله
و ((كأنما زيدٌ أميرٌ)) متصلٌ, وقال الله عز وجل: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ و ((ربما زرتنا)) , قال الله: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ ، و ((أينما تمض أمض)) ، قال الله جل وعز: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ ، و ((مهما تصنع أصنع)) ، قال الله جل ثناؤه: ﴿وقالوا ومهما تأتنا به من آية﴾ ، وكذا ((كلما جئتني أكرمتك)) ، قال الله جل وعز: ﴿كلموا أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾ .
فإن قلت: ((كل ما يسرني يسرك)) فصلت، لأن معنى ((ما)) بمعنى ((الذي)) . وإنما تكتب ((كلما)) متصلة إذا كانت بمعنى ((إذا)) . فإن قلت: ((إنَّ ما عندك يسرني)) فصلت، لأن ((ما)) اسم.
وتقول: ((نعم ما فعلت)) ، و ((بئس ما فعلت)) جاز الاتصال والانفصال، فمن وصلها جعلها بمنزلة ((حبذا)) ، ومن فصل قال: المعنى: بئس الشيء.
وقال الكسائي والفراء: إذا جاوزت نعم وبئس فصلت لا غير، نحو: لحسن ما فعلت، ولسرع ما جئت.
531- وأما ((كيما)) فموصولةٌ، وحكى الكوفيون معناها: ((كما)) وسيبويه يمنع من ذلك، وحكى ما بعد ((كما)) من الفعل
المستقبل مرفوعاً.
و ((كيلا)) موصولةٌ.
وتقول: ((إنما تكلمني أكلمك)) فتصلها، لأنها ليست باسم، وهذا من الاصطلاح القديم.
532- فأما على حقيقة النظر، فالقول ما قال علي بن سليمان في الفصل يدلك على ذلك أنك لو قلت: قام ما عمرو، وكان ما زيدٌ قائماً، لم يجز أن تكتب إلا مفصولاً، وإن كانت ((ما)) ليست اسماً.
فإن قلت: كان ما زيداً أخوك، لم تكتب إلا مفصولاً، وإن كانت ليست اسماً.
وقيل: أرادوا ها هنا الفرق بين ((ما)) الفاصلة وغير الفاصلة، ويكتبون: رب ما رجل صالح قد رأيت، وربت ما دار كبيرة قد ملكتها، وبالفصل، و ((ما)) ليست باسم.
فإن جعلت ((ما)) استفهاماً ومعها حرف خفض حذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر، فتقول في الخبر: ((سل عن ما أردت)) ، و ((تكلم في ما أحببت)) ، وتقول في الاستفهام: ((إلام تكدح)) ، و ((عم تسأل)) ، و ((فيم جئت)) ، و ((بم تقاتل)) و ((علام أنت ها هنا)) .
فإن وقفت وقفت بالهاء لا غير، وكذا يجب أن يكون في الخط بالهاء، لأن الخط مبني على الوقوف، تقول: لمه، وإلامه؛ وإنما هذا في حروف الجر خاصة، أعني الوصل، فأما ما كان لا يخفض بالإضافة فمفصولٌ، تقول: ((صاحب مه؟)) ، فإن وصلت قلت: ((صاحب م أنت؟)) والكتاب بالهاء في هذا كله أوكد، وكذا: ((م أنت)) ، مثل:
((من أنت)) . وحكى الكوفيون أن مثلاً ينصب في كل موضع فيصير كحروف الخفض فيكتب على الاتصال نحو: ((مثلم أنت)) . فإن قلت: ((خلف م رأيتك)) فصلت بإجماع، وكتبت بالهاء لا غير.
ومن الاصطلاح القديم
533- ((سل عم شئت)) ، و ((خذه بم شئت)) ، و ((مم [و] فيم شئت)) بحذف الألف مع ((شئت)) وحده لا غير، وإن كانت ((ما)) بمعنى ((الذي)) ، فإن جئت بغير ((شئت)) أثبت الألف، فقلت: ((تكلم بما أحببت)) و ((قل في ما بدا لك)) .
534- وكتبوا ((يومئذ)) و ((حينئذ)) و ((ليتئذ)) موصولةً، وكذا ((ويلمه)) إذا لم تهمز.
535- وأما كتبهم مما وعما وفيما موصولةً في كل موضع فغلطٌ لم يجر على الأصل ولا اصطلاح قديم، وكذلك ((إن ما عندك يعجبني)) مفصولٌ لا غير، واحتجاج من احتج بأن حروف الجر مع الاسم شيءٌ واحدٌ غلطٌ، لأنهم قد أجمعوا على أن كتبوا: ((كن في من رغبت إليه)) مفصولاً، واحتجاج من احتج بخط المصحف لا معنى له، فقد كتب في المصحف: ﴿إن ما توعدون لأت﴾ مفصولاً على ما يجب، لأن ((ما)) بمعنى ((الذي)) .