بابٌ فيه من خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو جعفر النحاس
- الكتاب
- عمدة الكتاب
- المؤلف
- أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
- المحقق
- بسام عبد الوهاب الجابي
- الناشر
- دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
- الطبعة
- الأولى 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل
1167- قرئ على أبي إسحاق إبراهيم بن حميدٍ، عن العباس بن الفرج الرياشي، قال: حدثني عبد الملك بن قريبٍ الأصمعي قال: قال شعبة بن الحجاج: وفد وافدٌ لأهل البصرة على عمر بن عبد العزيز قال: فلما أتيت بابه، أذن لي، ثم قال: ما بك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أتيتك مستحفراً، قال: لماذا؟ قلت: لبئرٍ بالعذبة، قال: وأين العذبة؟ قلت: على منزلتين من البصرة، قال: قد أحفرتك على أن أول واردٍ ابن سبيلٍ، قال: ثم أتت الجمعة، فقربت من المنبر، فلما صعد حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس! إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلئن كنتم صدقتم لقد فزتم، ولئن كنتم كذبتم لقد هلكتم، يا أيها الناس! إنه من يكن له بحضيض أرضٍ أو بنيق جبلٍ رزقٌ يأته، فأجملوا في الطلب؛ ثم نزل.
1168- ويروى أن عمر قال في خطبته: يا أيها الناس! إنما الدنيا أملٌ مخترمٌ، وأجلٌ منتقص، وبلاغٌ إلى دارٍ غيرها، وسيرٌ إلى الرب ليس فيه تعريجٌ، رحم الله من فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه؛ أيها الناس! قد علمتم أن أباكم أخرج من الجنة بذنبٍ واحدٍ، وأن ربكم وعد على التوبة، فليكن أحدكم من ذنبه على وجلٍ، ومن ربه على أملٍ.
1169- وحدثني محمد بن أيوب, قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد الميموني, قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر بن حسام بن مصك, قال: حدثنا جعفر بن سليمان, عن مالك بن دينارٍ, قال: سمعت الحجاج بن يوسف وهو يخطب يوم الجمعة، يقول: رحم الله امرءاً اتهم نفسه على نفسه، امرءاً اتخذ نفسه عدواً، امرءاً وازن نفسه، امرءاً أخذ بعنان عمله، فعلم ماذا يراد به، امرءاً نظر إلى حسناته, امرءاً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره, امرءاً نظر إلى ميزانه؛ فلم يزل يقول: امرءاً فعل كذا, امرءاً فعل كذا؛ حتى بكيت.
1170- وفي غير هذه الخطبة: يا أيها الناس! اقدعوا هذه النفوس, فإنها أسأل شيءٍ إذا أعطيت, وأعطى شيءٍ إذا سئلت, فرحم الله امرءا حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره, وجعل لنفسه خطاماً وزماماً, فقادها بخطامها إلى طاعة الله عز وجل, وعطفها بزمامها عن معصية الله, فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عقابه.
1171- وقال الشعبي: سمعت الحجاج يتكلم بكلامٍ ما سبقه إليه أحدٌ, سمعته يقول: إن الله عز وجل كتب على الدنيا الفناء, وعلى
الآخرة البقاء, فلا فناء لما كتب عليه البقاء, ولا بقاء لما كتب عليه الفناء, فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة, قصروا طول الأمل بقصر الأجل.
1172- ومما يستحسن خطبة المأمون, وهي في يوم جمعةٍ: الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه, ومستوجبه على خلقه, أحمده وأستعينه وأؤمن به, وأتوكل عليه, وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون, أوصيكم عباد الله بتقوى الله, والعمل بطاعته, والتنجز لوعده, والخوف لوعيده, فإنه لا يسلم إلا من أبقاه ورجاه, وعمل له وأرضاه, فاتقوا الله عباد الله, وبادروا آجالكم بأعمالكم, وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم, وترحلوا فقد جد بكم, واستعدوا للموت فقد أظلكم, وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا, وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدارٍ, فاستبدلوا؛ فإن الله عز وجل لم يخلقكم عبثاً, ولا يترككم سدىً, وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به, وإن غايةً تنقصها اللحظة, وتهدمها الساعة, لحريةٌ بقصر المدة, وإن غائباً يحدوه الجديدان: الليل والنهار لحريٌ بسرعة الأوبة, وإن قادماً يحل بالفوز أو الشقوة لمستحقٌ لأفضل العدة, فاتقى عبدٌ ربه, ونصح لنفسه, وقدم توبته, وغلب شهوته, فإن أجله مستورٌ عنه, وأمله خادعٌ له, والشيطان موكلٌ به يزين له
المعصية ليركبها, ويمنيه التوبة ليسوفها, حتى تهجم عليه منيته أغفل ما كان عنها, فيالها حسرةً على ذي غفلةٍ أن يكون عمره عليه حجةً, أو تؤديه أيامه إلى شقوةٍ, نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمةٌ, ولا تقصر به عن طاعته غفلةٌ, ولا يحل به بعد الموت حسرةٌ, إنه سميع الدعاء, بيده الخير وهو فعالٌ لما يريد.