باب اشتقاق الكتابة ومم أخذت ولم قيل للكاتب كاتبٌ وما يدخل في ذلك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو جعفر النحاس
- الكتاب
- عمدة الكتاب
- المؤلف
- أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
- المحقق
- بسام عبد الوهاب الجابي
- الناشر
- دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
- الطبعة
- الأولى 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل
272- قال أبو جعفرٍ: فمن ذلك ما قال الأصمعي: إنما سميت كتابةً لأنه يجمع بها بعض الحروف إلى بعضٍ كما يجمع الشيء إلى الشيء، وهو مأخوذٌ من الكتيبة، وهي الخيل المجموعة، وتكتب القوم تجمعوا، ومنه: كتبت البغلة، أي: جمعت بين شفريها بحلقةٍ.
وكتبت القربة: جمعت خرزاً إلى خرزٍ، والكتبة: السير الذي تخرز به المزادة، واكتب قربتك، أي: اخرزها.
273- وقيل للكاتب كاتبٌ، لأنه يضم بعض الحروف إلى بعض ويؤلفها، وقد كتب الكتاب يكتبه كتباً وكتابا ومكتبةً وكتبةً واحدةً، وما أحسن كتبته في الحال التي يكتب فيها، وصحيفةً مكتوبةٌ ومكتوبٌ فيها.
وكتبت فلاناً، وأكتبته، والموضع الذي يعلم فيه يقال له: مكتب، وقد حكى غيره أنه يقال له: كتابٌ لتبيين الموضع، ولكن لمن يتعلم فيه على التفاؤل أن يكونوا كتاباً.
ويقال كاتبته فكتبته، أي: كنت أكتب منه، كما يقال: غالبني فغلبته، وطاولني فطلته، وأنشد النحويون.
إن الفرزدق صخرةٌ ملمومةٌ ... طالت فليس تنالها الأجبالا
ويقال: أكتب الرجل إذا صار ذا كتابٍ جيدٍ، كقولك: أجاد، إذا صار له فرسٌ جوادٌ.
وأتيت فلاناً فأكتبته، أي: أصبته كاتباً؛ وأحسبته: أصبته حاسباً، وأنحيته وأفقهته.
واستكتبته: استدعى أن يكون كاتبه.
وجمع الكاتب كتابٌ وكتبٌ، مثل: صوامٍ وصومٍ، وكتبةٌ وكاتبون وكاتبٌ وكتابٌ، مثل قائمٍ وقيامٍ.
وقد قيل هذا في قول الله عز وجل: ﴿ولم تجدوا كاتباً﴾ .
274- فأما قولهم: خليفةٌ وأمير المؤمنين، فلفظتان معروفتان، قال الله عز وجل: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفةً﴾
قيل: أي يخلفه من بعده، مثل: قتيلٍ بمعنى مقتول، وقيل: أي يخلف من كان قبله على قول من روى أنه كان قبله في الأرض الجن.
فمعنى خليفةٍ لأمير المؤمنين محتملٌ لهذين الوجهين، وأولاهما أنه يخلف من كان قبله، وعلى هذا خوطب أبو بكر رضي الله عنه، فقيل له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه؛ ثم خوطب عمر رضي الله عنه فقيل له: يا خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، [ثم خوطب] بأمير المؤمنين وترك ذلك لئلا يكثر فيما قيل.
فممن خاطب عمر بأمير المؤمنين عليٌ رضي الله عنه، كما روى حميد ابن عبد الرحمن، عن ابن وبرة، أن أبا بكر كان يجلد في الشراب أربعين، وكان عمر رضي الله عنه يجلد فيه أربعين؛ قال: فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه، فقدمت عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين! إن خالداً بعثني إليك؛ قال: فيم؟ قلت: إن الناس قد تجافوا العقوبة وانهمكوا في الخمر، فما ترى في ذلك؟ قال عمر لمن حوله: ما ترون؟ فقال عليٌ رضي الله عنه: نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة؛ فقبل ذلك عمر، فكان خالدٌ أول من جلد ثمانين، ثم جلد عمر رضي الله عنه ناساً بعده.
275- وأما الهاء في ((خليفة)) ففيها ثلاثة أقوال:
من النحويين من يقول: إنه أدخلت الهاء فيه للمبالغة، كما يقال: داهيةٌ؛ وهذا قول الفراء.
وسمعت علي بن سليمان يقول: هذا خطأٌ، ولو كانت الهاء على ما قال لكان تأنيثاً حقيقياً.
قال أبو جعفر: ومذهب الفراء في كل ما كان من المدح، نحو: علامة ونسابة، أن تأنيثه بمعنى داهية، وفي الذم بمعنى بهيمة، نحو هلباجة وفقاقة.
ومن النحويين من يقول: الهاء للصيغة، وهو مذهب علي بن سليمان.
قال أبو جعفر: سمعته يقول: سمعت أبا إسحاق يملي في قول الله جل وعز: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ يقال لكل من دب: دابٌ ودابةٌ، من الناس وغيرهم.
قال علي بن سليمان: وبقي عليه أن يأتي بالعلة في المجيء بالهاء، والقول عندي أنه جيء بالهاء لتأنيث الصيغة.
قال أبو جعفر: ولكن النحويين ذهبوا إلى أن الهاء للمبالغة؛ وهذا أحسن ما قيل فيه، كما يقال روايةٌ وعلامةٌ.
276- ويقول: قال الخليفة كذا, وأجاز الكوفيون, قالت الخليفة, على اللفظ, وذلك خطأٌ عند البصريين, ولو جاز هذا لجاز: قالت طلحة, وأنت تريد رجلاً.
277- وأجاز الكوفيون حذف الهاء, وأن يقال: فلانٌ خليف فلان؛ فإذا قلت: قال الراضي الخليفة كذا, لم يجز قالت عند الجميع, لأن الفعل وليه مذكرٌ في المعنى واللفظ.
278- وجمع خليفة خلفاء, مثل: كريم وكرماء؛ قال الله عز وجل: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ , ويجوز خلافٌ, مثل: كرامٌ؛ لأن الهاء زائدةٌ؛ ويجوز خلائف تشبيهاً بصحيفة وصحائف؛ قال الله عز وجل: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾ .
279- على أن جماعةً من الفقهاء كرهوا هذا الاسم لما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أحمد ابن حنبل, قال: آخذ بحديث حماد بن سلمة, عن سعيد بن جمهان, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الخلافة بعدي ثلاثون)) يعني: خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن, فلما انقضت الثلاثون صار ملكاً لا خلافةً.
280- قال أبو جعفر: وملك مصدر ملك, ويقال: ملكٌ وملكٌ, كما قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفاً ... أبينا أن نقر الذل فينا
ويقال: مليكٌ, كما قال ابن الزبعرى:
يا رسول المليك إن لساني ... راتقٌ ما فتقت إذ أنا بور
281- والملك حلاحلٌ, واشتقاقه أن يحل حيث شاء, والجميع حلاحل.
282- وهو الهمام, أي: إذا هم بشيء أمضاه والجمع همامٌ.
283- وهو الحصير لأنه محصورٌ عن الناس, أي: محجوبٌ عنهم.
284- قال الفراء: وهو الكوثر, أي: الكثير العطايا.
285- وحكى الخليل أنه يقال له: قماقمٌ وقمقامٌ لكثرة خيره وسعة فضله.
قال أبو جعفر: مشتقٌ عند غيره من العدد [القمقام] وهو الكثير.
فأما قمقم الله عصبه, فيجوز أن يكون معناه: سلط الله عليه القمقام, أي: السلطان, وقيل: إن القمقام ها هنا جمع قمقامة, وهي: القردانة.
286- وقد استعمل الناس السيد, وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((السيد الله)) جل ثناؤه.
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم في الحسن بغير ألف ولام: ((إن ابني هذا سيدٌ –يعني: الحسن- وإن الله جل ثناؤه سيصلح به بين فئتين من المسلمين)) .
287- فأما المولى, فلا نعلم اختلافاً بين العلماء أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين: مولاي, ولا يقول: عبده, ولا عبدك, ولا عبدي؛ وإن كان مملوكه؛ قد حظر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على المملوكين, فكيف الأحرار! فقال: ((ليقل فتاي وفتاتي)) .
288- وكان العرب تقول له, البدء أيضاً, كما قال:
وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا ... والبدء عند العرب الرئيس الذي فوقه رئيسٌ.
289- وقد حكي أيضاً أنه يقال في هذا: ربٌ, وحكى الفراء: ربٌ بالتخفيف.
290- قال أبو جعفر: إلا أنه ينبغي للمسلمين أن يجتنبوا هذا كله, وكذا المولى كما روى أبو هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي, ولا يقل المملوك: ربي وربتي, ولكن ليقل المالك: فتاي وفتاتي, والمملوك: سيدي وسيدتي, فإنكم المملوكون والرب الله جل وعز)) .
وعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقولن أحدكم عبدي, فإن كلكم عبدٌ, ولكن ليقل: فتاي؛ ولا يقل أحدكم: مولاي, فإن مولاكم الله جل ثناؤه, ولكن ليقل: سيدي)) .
291- قال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي ليس فوقه سيدٌ, الذي يصمد إليه الناس في حاجاتهم وأمورهم, وأنشد:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
292- وهو العميد والزعيم والمدره والنظورة والبارع والسميدع, أي: السيد الموطأ الأكناف.
293- ويقال للملك: الغطريف.
قال الأصمعي: الغطريف السري السخي.
294- وهو الخضرم, وأصل الخضرم: الكثير العطية, مشتقٌ من بئر خضرم: إذا كانت كثيرة الماء.
295- وهو الخضم, وأصل الخضم: الموسع عليه في الدنيا, مشتقٌ من الخضم, وهو أكل الشيء اللين, والقضم أكل الشيء اليابس.
296- وهو الرهشوش, قال أبو زيد: الرهشوش: الندي الكف, الكريم النفس.
ومثله الكهلول والبهلول والبحر والفياض.
297- ويقال للملك الأكبر: الصنتيت والصنديد والجحجاح والملاث واللهم.
ويقال: الهداكر, أصل الهداكر: المنعم.
298- فأما الوزير ففيه ثلاثة أقوال:
منها أنه يعتمد عليه ويلجأ إليه, مشتقٌ من الوزر, وهو الملجأ, والجبل: وزرٌ.
والقول الثاني: أنه يقلد خزائن الملك وآلته, مأخوذٌ من الأوزار, وهي: الأمتعة ومنه: ﴿ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم﴾ أي: آنية الذهب والفضة.
والقول الثالث قاله أحمد بن يحيى، قال: قيل: وزيرٌ لأنه يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب وزرٌ.
299- فأما القاضي، فمشتقٌ من القضاء، قال أبو عبيدة: أصل القضاء في كلامهم هو: إحكام الشيء والفراغ منه، ومنه: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ أي: أخبرناهم بذلك وفرغنا منه لهم؛ ومنه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ إنما هو عهد إليهم في ذلك وأحكمه لهم؛ ومنه قضاء الله وقدره، أي: قد أتقن الأشياء كلها وأحكمها وأبرمها وفرغ منها.
وإنما سمي القاضي قاضياً بهذا المعنى، إنما يقال قضى بين الخصمين، أي: فصل بينهما وفرغ منهما؛ ومنه قيل للميت: قد قضى، أي: فرغ من الدنيا وفصل منها، وكذلك انقضاء النهار.
وقال غيره: قيل قاض لأنه يقطع أمور الناس، يقال: قضى الشيء، أي: قطعه، ومنه ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ ، وهو الفتاح، أي الناصر للمظلوم، ومنه: ﴿افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ وهو الحاكم، لأنه يرد الناس عن الظلم، مشتقٌ من الحكمة، وهي حديدةٌ مستديرةٌ في اللجام، تمنع الدابة من الجري والشباب، يقال: قد حكمت الرجل عن كذا، أي: رددته.
300- وأما السلطان، فأصله في اللغة الحجة، فقيل: سلطانٌ لأنه حجةٌ من الله عز وجل، وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: السلطان جمع سليط، مثل رغيف ورغفانٌ، فمن أنثه ذهب به إلى الجماعة، ومن ذكره ذهب به إلى اللفظ.
301- وأما الشرط، ففي اشتقاقه قولان، أحدهما: أن يكون مشتقاً من الشرط، أي: الرذال.
والقول الآخر أنه مشتقٌ من الشرطة، وهي العلامة، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون [بها] ، ومنه أشراط الساعة، ومنه شرط الحكام وهم الوزعة، لأنهم يدفعون الناس عن الظلم، الواحد وازعٌ.
قال الحسن: لا بد للناس من وزعة.
وعن عمر رضي الله عنه لما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن.
وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبى ... وقلت ألما تصح والشيب وازع
أي: مانعٌ من الجهل.
وقال جل وعز: ﴿فهم يوزعون﴾ أي: يدفعون عن التقدم حتى يلحق أولهم بآخرهم، فيدخلوا النار.
ومنه: ﴿قال رب أوزعني﴾ قال أهل التفسير: ألهمني، واشتقه أبو إسحاق من هذا، قال: أي: امنعني إلا من شكر نعمتك.
302- وأما المسلحي فمشتقٌ من السلاح، ومن قال بالصاد
جعله من الصلح، وحكي عن الأصمعي: من كان في المدينة فهو مصلحيٌ، ومن خرج منها فهو مسلحيٌ.
وقال أحمد بن يحيى: كان الناس يقولون: ((أصحاب المسالح)) إلى زمان المأمون يذهبون إلى حملهم السلاح, فلما ولي المأمون أمر الناس أمر أن يسموهم أصحاب المصالح لإصلاحهم بين الناس.
303- وأما العون, فمشتقٌ من المعونة, وهو بمعنى معين, كما يقال: رجلٌ عدلٌ, أي: هو ذو عون لصاحبه, والجماع أيضاً عونٌ؛ كما قال زهيرٌ:
متى يشتجر قومٌ يقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضاً وهم عدل
304- المحتسب, يكون مشتقاً من قولك: حسبك, أي: اكفف, فيكون معناه الذي يكف الناس عن الظلم, أو من أحسبه, إذا كفاه, أي: الذي يكفي الناس مؤونة من يبخسهم, وحقيقته في اللغة المجتهد في كفاية المسلمين ومنفعتهم, كذلك حقيقة افتعل في كلام العرب عند الخليل وسيبويه: يقال: اكتسبت, أي: اجتهدت وطلبت؛ وكسبت: أصبت وظفرت, وإذا تدبرت قول الله جل وعز: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ أي: ما أصابت وعملت من خير وعليها ما اكتسبت, أي: ما اجتهدت فيه وطلبته من
شر, فيكون الذي عليها من الشر ما اجتهدت فيه ونوته لا ما غلطت فيه ونسيته, وفي حديث أم زرع: إن أكل التف, وإن شرب اشتف, أي: إن أكل اجتهد في لف كل ما يجده, وإن شرب اجتهد فطلب أن يستوعب كل ما في الإناء ليشربه.
305- وأما صاحب البريد, فهو مشتق عند الخليل من بردت الحديد, أي: أرسلت ما يخرج منه؛ ومن أبرده, أي أرسله, وقيل: هو من برد, أي: ثبت, أي: يكتب بما تستقر عليه الأخبار, وتثبت, كما قال:
اليوم يومٌ باردٌ سمومه
أي: ثابتٌ.