باب ما يذكر عن أهل البيت رضوان الله عليهم من مشهور الخطب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو جعفر النحاس
- الكتاب
- عمدة الكتاب
- المؤلف
- أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
- المحقق
- بسام عبد الوهاب الجابي
- الناشر
- دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
- الطبعة
- الأولى 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل
1159- لأمير المؤمنين عليٍ صلوات الله عليه: ألا إن الدنيا قد
أدبرت وآذنت بوداعٍ, ألا إن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاعٍ, المضمار اليوم, والسباق غداً, ألا وإنكم في أيام أملٍ من ورائه أجلٌ, فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله, ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة؛ ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها, ولا كالنار نام هاربها؛ ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل, ومن لم يستقر به الهدى جار به الضلال؛ ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن, ودللتم على الزاد, وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى, وطول الأمل؛ فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق, وأما طول الأمل فينسي الآخرة.
1160- وروى عبد خيرٍ, قال: قام عليٌ رضي الله عنه على المنبر, فقال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ قالوا: بلى! قال: أبو بكرٍ؛ ثم سكت سكتةً, ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكرٍ؟ عمر.
1161- وروى سويد بن غفلة قال: مررت بقومٍ من الشيعة وهم يشتمون أبا بكرٍ وعمر رحمهما الله, قال: فدخلت على عليٍ رضي الله عنه, فقلت: يا أمير المؤمنين! مررت بنفرٍ من أصحابك يتناولون أبا بكرٍ وعمر, ويذكرونهما بغير الذي هما له من الأمة أهلٌ, فلولا أنهم يرون أنك تضمر مثل ما أعلنوا ما تجرؤوا على ذلك؛ فقال عليٌ رضي الله عنه: أعوذ بالله! أعوذ بالله! مرتين, أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل, أخوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ووزيراه؛ ثم نهض دامع العينين
قابضاً على لحيته ينظر فيها وهي بيضاء, فاجتمع له الناس, ثم قام بخطبةٍ بليغةٍ, ثم قال: ما بال قومٍ يذكرون سيدي قريشٍ وأبوي المسلمين, بما أنا منه بريءٌ, وعليه معاقبٌ, وعنه متنزهٌ! أما والذي فلق الحبة, وبرأ النسمة, إنه لا يحبهما إلا مؤمنٌ نقيٌ, ولا يبغضهما إلا فاجرٌ شقيٌ؛ صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدق والوفاء, يأمران وينهيان ويقتصان ويعاقبان, لا يجاوزان فيما يقضيان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم , لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم كرأيهما رأياً, ولا كحبهما حباً, مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم راضياً عنهما, والمؤمنون راضون, أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ على صلاةٍ المؤمنين أياماً, فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولاه المؤمنون ذلك, وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان, وآتوه البيعة طائعين, وهو لها كارهٌ, يود أن أحداً منا كفاه ذلك, وكان والله خيراً من نفرٍ, أرحمهم رحمةٍ، وأرأفهم رأفةً، وأثبتهم ورعاً، وأقدمهم إسلاماً، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بميكائيل رأفةً ورحمةً، وبإبراهيم عليه السلام عفواً، ووقاراً، فسار فينا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى لسبيله رحمة الله عليه.
وولي الأمر من بعده عمر، واستأمر المسلمين في ذلك، فمنهم من رضي، ومنهم من كره، وكنت في من رضي، فما فارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، فأقام الدين على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه يتبع آثارهما كاتباع الفصيل أثر أمه؛ وكان والله رفيقاً رحيماً عوناً وناصراً للمظلومين على الظالمين لا يخاف في الله لومة لائمٍ، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إنا كنا لنظن أن ملكاً ينطق
على لسانه؛ أعز الله بإسلامه الدين، وجعل هجرته للدين قواماً، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة، وفي قلوب المنافقين الرهبة، وشبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح الرسول عليه السلام حنقاً واغتياظاً على الكفار، الضراء في طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله؛ فمن لكم بمثليها؟ رحمها الله، ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا باتباع آثارهما، وحبٍ لهما؛ فمن أحبني فليحببهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريءٌ، ولو أنني كنت تقدمت إليكم في أمرهما بشيءٍ: لعاقبت من ذكرهما بسوء أشد العقوبة، ولكني لا ينبغي لي أن أعاقب قبل التقدم، فمن أتيت به بعد هذا يقول فيهما سوءاً فإن عليه ما على المفتري.
ألا وخير هذه الأمة أبو بكرٍ، ثم عمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
ثم نزل.
1162- ومن ذلك حديث معاوية رضي الله عنه حين خطب لما سلم إليه الحسن رضوان الله عليه الخلافة، فقال في خطبته: إنه ما من أمةٍ اختلفت بعد نبيها إلا غلب باطلها حقها، إلا ما كان من أمر هذه الأمة، فإن حقها غلب باطلها.
ثم قال للحسن رضي الله عنه: قم فاعتذر من الفتنة؛ فقام الحسن رضوان الله عليه، فحمد الله، وصلى على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أيها الناس! إن الله عز وجل هدى بنا أولكم، وحقن بنا دماء
آخركم، وإن هذا الأمر الذي تنازعت أنا ومعاوية فيه، إما أمرٌ لرجلٍ هو أحق به مني فسلمته إليه، وإما أمرٌ هو لي فتركته لحقن دماء المسلمين، ﴿وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين﴾ . وأشار بيده إلى معاوية، ثم نزل.
1163- ومن حسن ما في هذه الخطب مما يرى الكتاب والمتأدبون حفظها خطبة زيد بن عليٍ رضي الله عنهما، كتبناها عن علي بن سليمان، قال: هذا الذي أذكره لك خطبةٌ لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن عليٍ رضوان الله عليهم، وهي من الخطب المتناهية الصحاح يتداولها أهل العلم كابراً عن كابرٍ، ولا إسناد عندنا فيها، وهي صحيحةٌ؛ لما خرج زيد بن علي رضي الله عنهما واجتمع الناس، خطب، فقال:
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر؛ أحمده على آلائه وبلائه حمد من يعلم أن الحمد فريضةٌ واجبةٌ، وتركه خطيئةٌ محيطةٌ، ونستعينه على هذه النفوس البطاء عما أمرت به، السراع إلى ما نهيت عنه؛ أمر الله نافعٌ، ونهي الله ضارٌ؛ نستغفر الله العظيم مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، علم الله غير مغيبٍ عنه، وكتابه غير مغادرٍ؛ ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب، وقف على الموعود؛ إيماناً نفى إخلاصه الشرك، ويقينه الشك، ونتوكل عليه توكل من لا يثق إلا به، ولا يفزع إلا إليه، ثقة أهل الرجاء، ومفزع أهل التوكل؛ وأشهد أن لا إله
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتين تصعدان القول، وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان منه، يهون بهما الحساب، ويمضي بهما على الصراط؛ جعلنا الله وإياكم من المتقين.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي من اكتفى بها كفته, ومن اجتنب بها وقته, كافيةً غير خاذلةٍ, واقيةً غير مخلةٍ؛ هي الزاد, وإليها المعاد, زادٌ مبلغٌ, ومعادٌ منجحٌ, دعا إليها أسمع داعٍ, ووعاها خير واعٍ؛ فأعذر داعيها, وفاز واعيها؛ عباد الله! إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه, وألزمت قلوبهم مخافته؛ حتى أسهرت ليلهم, وأظمأت هواجرهم؛ فأخذوا الراحة بالنصب, والري بالظمإ, وبادروا العمل, وخافوا بغتة الأجل؛ فانكمشوا في مهلٍ, وأسرعوا في طلبٍ حتى أفادوا ذخيرةً, وأطابوا سريرةً؛ ليوم الرحلة, وحين الحاجة؛ عباد الله! إن الدنيا دار فناءٍ وعناءٍ, وغيرٍ وعبرٍ؛ فمن الفناء أن الدهر موترٌ قوسه, لا تخطئ سهامه, ولا تشوي جراحه, يرمي الحي بالموت, والصحيح بالعطب؛ شاربٌ لا ينقع, وآكلٌ لا يشبع؛ ومن العناء أن المرء يبني ما لا يسكن, ويجمع ما لا يأكل؛ ثم يخرج إلى الله لا مالاً حمل, ولا بناءً نقل؛ ومن غيرها أنك تلقى المرحوم مغبوطاً, والمغبوط مرحوماً, وليس ذلك إلا نعيماً رحل, وبؤساً نزل؛ ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله, فيقطعه أجله, فلا أملٌ يدرك, ولا مؤملٌ يترك, سبحان الله ما أغر سرورها, وأظمأ ريها, وأضحى فيئها, فكأن الذي كان من الدنيا لم يكن, وكأن الذي هو فيها كائن قد باد؛ لا جاءٍ يرد
ولا ماضٍ يرتد, وإن الآخرة دار بقاءٍ وقرارٍ, وجنةٍ ونارٍ؛ صار أولياء الله إلى الآخرة بالصبر, فجاوروا الله عز وجل في داره ملوكاً خالدين, يا أيها الناس إن الله خلقكم ليبلو أخباركم أيكم أحسن عملاً, جعل موتاً بين حياتين, موتاً بعد حياةٍ, وحياةً ليس بعدها موتٌ, وإن أعداء الله عز وجل نظروا, فلم يجدوا شيئاً بعد الموت إلا والموت أشد منه, فسألوا الله الحياة جزعاً من الموت, وإن أولياء الله نظروا, فلم يجدوا شيئاً بعد الموت إلا والموت أهون منه, فسألوا الله عز وجل الموت جزعاً من الحياة, ولكل مما فيه مزيدٌ.
واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خيرٌ مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا, وكل شيءٍ من الدنيا سماعه أعظم من عيانه, وكل شيءٍ من الآخرة عيانه أعظم من سماعه, فليكفيكم من العيان السماع, ومن الغيب الخبر, سبحان الله! ما أقرب الحي من الميت في اللحاق به, وأبعد الميت من الحي للانقطاع عنه.
إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه, وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم, فذروا ما قل لما كثر, وما ضاق لما اتسع, فقد تكفل لكم بالرزق, وأمرتم بالعمل, فلا يكن المضمون لكم طلبه أولى من المفروض عليكم عمله, مع أنه قد اعترض الشك, ورحل اليقين, حتى كأن الذي ضمن لكم فرض عليكم, وكأن الذي فرض عليكم وضع عنكم, ولله آباؤكم تنبهوا من سنتكم, وبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل, فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق, ما فات اليوم من الرزق يرجى غداً زيادته, وما فات من العمر أمس لم يرج اليوم رجعته, الرجاء مع الجائي, واليأس مع الماضي, فـ {اتقوا الله حق تقاته
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} .