باب ذكر الفهاهة في جعل الحرف في غير موضعه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو جعفر النحاس
- الكتاب
- عمدة الكتاب
- المؤلف
- أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
- المحقق
- بسام عبد الوهاب الجابي
- الناشر
- دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
- الطبعة
- الأولى 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل
1089- من ذلك اللفف, وهو: إدخال بعض الحروف في بعضٍ, ويقال: رجلٌ ألف, إذا كان عيياً.
1090- ويقال: به عقلةٌ, إذا كان به التواءٌ عند إرادته الكلام.
1091- والأعجمي والأعجم: الذي لا يبين ويلحن, وإن كان أصله من العرب, والعجمي: الذي نسبه من العجم, وإن كان فصيحاً.
1092- والطمطماني والطمطماني والطمطم: الذي كلامه كلام العجم, وبه طمطمةٌ.
1093- والألكن, وبه لكنةٌ: إذا كان يعترض في كلامه اللغة العجمية.
كما يروى عن زيادٍ الأعجم أنه كان إذا أراد أن يقول: السلطان, قال: السلتان.
1094- ورجلٌ تمتامٌ, وبه تمتمةٌ, إذا كان يكرر التاء.
1095- ورجلٌ فأفاءٌ, وبه فأفأةٌ: إذا كان يكرر الفاء.
1096- وبه حبسةٌ: إذا تعذر عليه الكلام عند إرادته.
ويقال: إنها
تعترض من كثرة السكوت.
1097- والرتة والرتت كالريح تعرض في أول الكلام, فإذا مر فيه انقطع ذلك, ويقال: إنها تكون غريزةً.
1098- والغمغمة: أن تقطع الحروف, وهي تستعمل في كل صوتٍ لا يفهم للناس وغيرهم.
1099- واللثغة: أن يدخل بعض الحروف في بعضٍ.
1100- والغنة: أن يخرج الصوت من الخياشيم, وهي تستحسن في الحديثة.
1101- فإن اشتدت, قيل لها: خنةٌ, وبها خننٌ.
1102- والترخيم: حذف آخر الكلام, غير أني سمعت محمد بن الوليد, يقول: قال الأصمعي: أخذ عني الخليل بن أحمد معنى الترخيم, وذلك أنه سألني: ما الترخيم؟ فقلت: العرب تقول: جاريةٌ رخيمةٌ إذا كانت حسنة الكلام لينته.
ذكر الفهاهة في المعاظلة بين الكلام
1103- قال ابن السكيت: تعظل القوم: اجتمعوا.
1104- وحكى غيره: تعاظلت الكلاب، أي: تسافدت.
1105- قال ثعلبٌ: المعاظلة: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظلت الجرادتان، وعاظل الرجل المرأة.
1106- وفي حديث عمر رضي الله عنه حين ذكر زهيراً، فقال: كان [لا] يعاظل بين الكلام.
1107- فالناس في المعاظلة على وجهين أصلهما واحدٌ، وهو: الاجتماع والمداخلة.
1108- فمنهم من قال: المعاظلة: اجتماع الحروف، يعني تكريرها، وذلك عيبٌ عند الكتاب.
كما كتب سعيد بن حميدٍ إلى بعض الرؤساء في يوم المهرجان: وميل خادمك بين ما يملك فلم يجد فيه شيئاً يفي بحقك، فرأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان، وإن كان مقصراً عن حقك أبلغ في أداء ما يجب لك.
فأعاد ((حقك)) مرتين، وليس هذا مما يعاد توكيداً، وقد مضى هذا الفصل في ما تقدم.
1109- ومن الكتاب من يسمي هذا التكرير، ويقول: المعاظلة أن
تدخل بعض الكلام في بعض مما ليس من جنسه، أو فيما نافره ولم يلق به، فتقول: فلانٌ فقيهٌ طويلٌ.
1110- ومن هذا فاحش الاستعارة، كما قال الشاعر:
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساقٍ وحافر
فاستعار الحافر مكان القدم.
1111- وقال آخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملكٍ أظلافه لم تقلم
وإنما الأظلاف للشاء والبقر، ولو استعار فجعل لغير الإنسان الظفر لكان حسناً، ولم يكن كقبح هذا.
1112- كما يقال: مات الإنسان، ونفقت الدابة، وتنبل البعير، ولو قلت في كله: مات، لصلح، ولو قلت: نفق الإنسان، لكان هذا عند قائل هذا المعاظلة، وإنما تقع المعاظلة في الاستعارة القبيحة البعيدة.
1113- فأما الاستعارة المستعملة فكثيرةٌ حسنةٌ، نحو: لقيت من فلانٍ عرق الجبين، أي: شدةً= ونحو: ضحكت الأرض إذا أنبتت، لأنها تبدي حسن النبات، وتشقق عن الزهر كما يفتر عن الثغر= ويقال: النور يضاحك الشمس، لأنه يدور معها، كما قال الأعشى يذكر روضةً:
يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزٌ بعميم النبت مكتهل
ذكر من لحقته الفهاهة من الكتاب وغيرهم
1114- يروى أن كاتباً لأبي موسى كتب إلى عمر رضي الله عنه: من أبو موسى؛ فكتب إليه عمر: اضربه سوطاً, واعزله عن عملك.
1115- وزعم عمرو بن بحرٍ الجاحظ أن ممن أدخل نفسه في الكتابة وتسمى باسمها, وكان غثاً أنوك= صالح بن سير, وجعفر بن معروفٍ, والفضل بن مروان ابن أخت أبي الوزير, وغيرهم.
1116- وأحمد بن الخطيب رأى جراداً كثيراً يطير, فقال: ما أحسنه! إلا أن أكثره ميتٌ.
1117- وأنشد عمروٌ:
حمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ من زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك بالمداد
1118- حدثني ميمون البري, قال: قرأ محمد بن الفضل الكاتب على صاحبه كتاباً فيه: ومطرنا مطراً كثر عنه الكلأ؛ فقال له: ما الكلأ؟ فتردد في الجواب, وتعثر لسانه, ثم قال: لا أدري؛ فقال: سل عنه.
1119- وقرأ محمد بن عيسى الكاتب على بعض الخلفاء كتاباً يذكر فيه حاضر طيىءٍ, فصحفه تصحيفاً أضحك منه الحاضرين, وذلك أنه قال: جاء ضرطي.
1120- وحكى القتبي أن بشراً المريسي كان يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها.
وسمع قاسمٌ التمار قوماً يضحكون؛ فقال: هذا كما قال الشاعر:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيءٍ ما كان يرزؤها
فالاحتجاج أعجب من اللحن.
1121- ويروى أن بعض كتاب الدواوين ألزم بعض العمال مالاً وجب إلزامه إياه من حسابه, فوقع عبيد الله بن سليمان على رقعته إلى كتاب الدواوين: هذا هذاءٌ؛ فقدر العامل لضعف أدبه وعلى سبيل التمويه منه أن الوزير قد قبل حجته وقبل في الرقعة قوله كما يقال تثبيت الشيء: هو هو, كما قال الله: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ ؛ فأخرج التوقيع إلى الكتاب, وناظرهم على أنه يوجب إزالته عنه, فما منهم أحدٌ درى ما أراد عبيد الله, فرد صاحب الديوان التوقيع إلى عبيد الله, فلم يزده على أن شدد الكلمة الأخيرة, ووقع: الله المستعان.
1122- وحدثني العباس بن أسدٍ, أن أبا الحسين علي بن عيسى كتب إلى أبي الطيب أحمد بن علي كتاباً من مكة, فقرأه, ثم رمى به إلي, فقال: اقرأه! فلما ابتدأت أوله أرتج علي حرفٌ منه, ثم قرأت: كتابي إليك يوم القر؛ فوبخني, وقال: وما معنى يوم القر؟ قلت: القر البرد؛ وقال: إنما هو يوم القر حين يقر الناس بمنىً, وهو اليوم الثاني من النحر.
1123- وحكى محمد بن يزيد، أن المأمون عقد لرجلٍ أربعةً، وقال: كم هذه؟ فقال: أيهما يريد أمير المؤمنين، آلقائمة أم النائمة؟
1124- وحضر رجلٌ ذو هيئةٍ ولحيةٍ ونبلٍ مجلس بعض الولاة، فرفعه وهاب مجلسه، فلما استقر به المجلس، قال: أعزك الله! إن أبيك كان صديقٌ لأبي؛ فقال لحاجبه: أقم هذا الماص كذا من أمه من مجلسي؛ فانصرف القوم بسببه بغير حاجةٍ.
1125- قال أبو بكرٍ: وحضرت مجلس رجلٍ، فأفحمت عن مسألة حاجتي لكثرة حمقه، فرأيته وقد أنكر على كاتبه وقد أملى عليه: ولم أكتب إليك بخطي خوفاً من أن تقف على رداوته؛ فكتب كاتبه: على راءته؛ كما يجب، فقال: أما تحسن الهجاء، أين الواو؟ فأثبتها الكاتب، فخس في عيني، فاجترأت عليه، ودنوت منه، فسألته حاجتي.
1126- وقال عمرو بن بحران للرشيد: قد هجوت الرافضة؛ فقال: هات، فقال:
رغماً وشنغماً وزيتوناً ومظلمةً ... من أن ينالوا من الشيخين طغيانا
فقال له الرشيد: فسره لي! فقال: أنت يا أمير المؤمنين معك مئة ألفٍ من الجند لا تعرفه، أعرفه أنا وحدي!؟
1127- وقال رجلٌ للأحنف: ما أبالي أهجيت أم مدحت؛ فقال له الأحنف: لقد استرحت من حيث تعب الكرام.
1128- وحكي عن أحمد بن إسرائيل مع تقدمه في الكتابة أنه كتب: كانت رسومهم مساناةً، ثم صارت مشاهرةً، ثم صارت مياومةً، ثم صارت مساعاةً؛ فأخطأ، وكان يجب أن يقول مساوعةً.
1129- وعن آخر، قيل له: خير الغداء بواكره، فكيف تقول في العشاء؟ فقال: لا أدري؛ فقيل: بواصره.
1130- وعن آخر، قال: ولى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل صنعاء والجند، أراد الجند، وهو أحد مخاليف اليمن.
1131- وقال آخر: بنو حجحبى، وإنما هو جحجبى حيٌ من الأنصار.
1132- وعن آخر تعجب من حسن دارٍ دخلها، فقال: قد كنت أعرفها في موضع غير هذا.
1133- وعن آخر، لم يفرق بين عرض الحائط وطوله وسمكه.
1134- وعن آخر، لم يعرف يمين القبلة وشمالها.
1135- وربما سألوا عما لا يلزمهم معرفته، نحو قولهم: كم في ﴿العصر﴾ واوأً؟ وكم في ﴿إنا أنزلناه﴾ ؟ وعن آيتين تجمع كل واحدة منهما اب ت ث؟ وكم في آية الكرسي من لام ألفٍ؟ وعن بيتٍ يجمع اب ت ث؟ وهذا تفسير ما مضى مما سألوا عنه.
1136- أما الذي لا يفرق بين عرض الحائط وطوله وسمكه؛ فعرضه البناء المبني, وطوله نواحيه, وسمكه ارتفاعه.
1137- وأما يمين القبلة وشمالها, فما كان عن يمينك إذا قابلتها فهو شمالها, وما كان عن شمالك إذا قابلتها فهو يمينها.
1138- وفي ﴿العصر﴾ عشر واواتٍ.
1139- وفي ﴿إنا أنزلناه﴾ ثلاثٌ.
1140- وأما الآيتان اللتان تجمع كل واحدةٍ منهما حروف اب ت ث, فقوله جل وعز ﴿محمدٌ رسول الله﴾ ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاساً﴾ .
1141- وفي آية الكرسي لام ألفٍ اثنا عشر موضعاً.
1142- والبيت الذي يجمع حروف اب ت ث أنشدنيه علي بن سليمان:
صف خلق خودٍ كمثل الشمس إذ بزغت ... يحظى الضجيع بها شنباء معطارا
1143- وقال آخر:
هلا سكنت بذي ضغثٍ فقد زعموا ... شخصت تطلب ظبياً راح مجتازا
1144- وكتب الحسين بن علي بن العباس, على محله وعلمه ورئاسته: وهم مجانون؛ توهم أنه جمعٌ مسلمٌ.
1145- وشك آخر في صرف خفيفٍ, فقيل له: إن الشيء إنما يصرف لأنه خفيفٌ.
1146- وصحف بعضهم فأنشد:
إن الذنوب تنفع المغلوبا
وإنما هو تنقع, أي: تروي.
ومنه يقال: الرشيف أنقع للظمآن, والعرب تقول: إنه لشرابٌ بأنقعٍ, أي فطنٌ, حسن التدبير, وأصله أن الطائر الفطن يأتي إلى القيعان من الماء ليشرب منها ويتخلص.
1147- قال أبو العيناء في أسد بن جهورٍ الكاتب:
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... وأمات أهل العلم والآداب
وأتى بكتابٍ لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
جيلٌ من الأنعام إلا أنهم ... من بينها خلقوا بلا أذناب لا يفرقون إذا الجريدة جردت ... مابين عتاب إلى عناب أو ما ترى أسد بن جهورٍ قد غدا ... متشبهاً بأجلة الكتاب لكن يخرق ألف طومارٍ إذا ... ما احتيج منه إلى جواب كتاب وإذا أتاه سائلٌ في حاجةٍ ... رد الجواب له بغير جواب وسمعت من غث الكلام ورثه ... وقبيحه واللحن بالإعراب ثكلتك أمك هبك من بقر الملا ... ما كنت تغلط مرةً بصواب 1148- ومما وجدته في آخر كتابٍ عندي في هذه القصيدة، ونسبت إلى أحمد بن مهران الكاتب بأسرها: وإذا أتاه مسلمٌ في حاجةٍ ... رد الجواب له بغير جواب وأتاه من غث الكلام ورثه ... وحديثه واللحن بالإعراب