عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاسباب الاصطلاح في الخط

باب الاصطلاح في الخط

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو جعفر النحاس
الكتاب
عمدة الكتاب
المؤلف
أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
المحقق
بسام عبد الوهاب الجابي
الناشر
دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
الطبعة
الأولى 1425 هـ - 2004 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل

471- اعلم أن الاصطلاح في الخط على ضربين، منه اصطلاحٌ قديمٌ ومنه اصطلاحٌ محدثٌ، من استعمله كان محطئاً عند النحويين الحذاق.
فمن الاصطلاح القديم كتبهم كل ما كان على فعل ثلاثي معتل إذا رددته إلى نفسك أو إلى المستقبل كان بالياء، كتبته بالياء، وهو نحو: رمى ومشى, لأنك تقول: رميت ومشيت؛ ونحو: يرمي ويمشي؛ فإن رجع إلى الواو كتبت بالألف, نحو دعا وغزا, لأنك تقول: دعوت وغزوت, وهو يدعو ويغزو, فإن كان الثلاثي اسماً, وكان يثنى ويجمع بالياء, كتبت بالياء, نحو مدىً وهدىً, تكتبان بالياء, لأنك تقول: مديان وهديان؛ فإن رجع إلى الواو كتب بالألف, نحو: عصاً وقطاً, لأنك تقول: عصوان وقطوان, وعصواتٌ وقطواتٌ.
فإن كان هذا كله تجاوز ثلاثة أحرف, كتب بالياء, نحو: استقرى

واستقضى وملهىً ومثنى.
وعلتهم في هذا أنهم أرادوا الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو في الثلاثي, وردوا ذوات الواو إلى الياء في ما جاوز ثلاثة أحرف, لأن الياء أخف من الواو, فلما زاد على ثلاثة أحرف ثقل, فحملوه على الأخف, وقيل لأنه يرجع في المستقبل إلى الياء.
وكذلك كتبوا يغزى بالياء اتباعاً للماضي على هذا القول, وعلى القول الآخر, لأنه جاوز الثلاثة.
ولا اختلاف بين النحويين في أن كتبت هذا كله بالألف فجائزٌ, ثم اختلفوا بعد إجازتهم إياه: فمنهم من قال: كتب ذوات الياء بالياء أولى للفرق.
ومنهم من قال: الكاتب مخيرٌ في ذينك, والأمر واحدٌ فيهما.
ومنهم من قال: هذا الاصطلاح, وإن كان قديماً, وقد جرى عليه الكتاب, فإنه خطأٌ لا يجوز, واحتج في ذلك بحجج بينة, منها: أنه لو كانت العلة صحيحةً في الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو بالياء, فقد نقضوا هذا, وكتبوا ضحىً بالياء, وهو من ضحا يضحو, وكتبوا ربىً بالياء, وهو من ربا يربو, واستعمل الكسائي والفراء هذا كله في كل مضموم أوله أو مكسور, إلا حمىً ورضىً, فإنهما أجازا كتبهما بالياء والألف, وكان إبراهيم بن السري أبو إسحاق يتعجب من هذا كله, ويقول: لم يأخذوا بما في كتاب الله جل وعز, ولا بالقياس الصحيح في كتاب الله جل وعز: ﴿وما ءاتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس﴾

472- وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد أن أصل هذا من الأخفش سعيد احتال على الكتاب ليضطرهم إلى النظر في النحو, ثم سأل الكسائي فتابعه عليه.
473- قال: وقد علمنا أنا إنما ننقل إلى الكتاب ما كان في اللفظ, وإذا قلنا: رمى, فليس في اللفظ إلا ألفٌ؛ ثم ذكر المناقضة في هذا بإجماعهم على كتب ذوات الياء بالألف إذا اتصلت بمضمر, نحو: رماه, وملهاك.
قال: وقولهم: إنما كتبنا رمى بالياء لتدل على أن الألف منقلبةٌ من ياء خطأً, لأنه يلزمهم أن يكتبوا غزا بالألف لأن الألف منقلبةٌ من واو.
474- وقال محمد بن يزيد: خاطبت أحمد بن يحيى على كتبهم ضحىً بالياء, فقال لي: لأنها ألف تأنيث فعلمت أن قد غلط غلطاً عظيماً فتجافيت عن كلامه على ما قال، لأني علمت أنه لم يقصده؛ ثم قال: لما انضم أولها توهموا أنها من ذوات الياء، فقلت له: نحن جميعاً على يقين أنها من ذوات الواو من ضحا يضحو؛ فانقطع، ولقيني بما أكره، إلى أن حلفت أني لا أكلمه في مسألة أبداً.
475- ومما أجمعوا عليه مما كتب بالألف وإن كان من ذوات

الياء في موضع ما كان قبل آخره ياءٌ، كراهة الجمع بين ياءين، من ذلك، نحو: خطايا وزوايا إذا كانت جمع خطيئة.
476- وكتبوا يحيى بالياء إذا كان اسماً، وجمعوا بين ياءين، فزعم بعض الكتاب أنهم لم يلزموا فيها القياس، وهذا غلطٌ منه، وقد سمعت أبا إسحاق يذكر ضعف هذا الرجل في النحو، وأنه خاطبه، فرأى ذلك منه.
477- قال أبو جعفر: والقياس في هذا مستمرٌ: أنك إذا سميت بيحيى أو بخطايى أو بزوايى كتبت هذا كله بالياء، وجمعت بين ياءين، فرقاً بين التسمية وغيرها، فإن قلت فلانٌ يحيا حياةً طيبةً، كتبته بالألف لا غير.

ومن الاصطلاح القديم

478- زيادتهم الألف بعد واو الجمع، نحو: كفروا، وذهبوا: فمذهب الخليل أنهم فرقوا بين واو الإضمار والأصلية وأولوه.
وقول أحمد بن يحيى: أنهم فرقوا بين واو المضمر المتصل والمنفصل.
479- واصطلحوا على أن كتبوا على بالياء، لقولهم: عليك،

وكذا إلى؛ وكتبوا حتى بالياء؛ قال أبو إسحاق: شبهوها بسكرى؛ وكتبوا متى وبلى وأنى بالياء، وهذا اصطلاحٌ يتعذر أن يقع فيه علةٌ، وعلى أن بعضهم قد قال: كتبن بالياء لأن الإمالة تحسن فيهن.
480- واصطلحوا على أن كتبوا هذا بغير ألف تلي الهاء، وكذا ذلك، قيل: لئلا تقرأ ذا لك.
481- وزادوا في عمرو واواً فرقاً بينه وبين عمر، وكان أولى بالزيادة لخفته، هذا إذا كان مخفوضاً أو مرفوعاً، فإن كان منصوباً لم تزد فيه واوٌ، لأن عمر لا ينصرف، فقد زال الإشكال؛ وقيل: لم تزد فيه واوٌ في النصب لئلا يجمع بين زائدين، وهما الألف والواو، فإن شكلت عمراً في موضع الخفض والرفع لم تلحق فيه واواً، لأنه لا يشكل بعمر، فإن قلت: لعمر الله، لم تلحق فيه واواً، لأنه لا يشكل.
482- وزادوا الواو في أولئك فرقاً بينه وبين إليك، وزادوها في أولى فرقاً بينها وبين إلى.
483- وكتبوا إذاً بالألف على اختلاف في ذلك.
حدثنا علي بن سليمان، عن محمد بن يزيد، أنه كان لا يجيز أن تكتب إذن إلا بالنون، لأنها مثل: لن، قال: وأشتهي أن أكوي يد من يكتبها بالألف.
وقال الفراء: ينبغي لمن نصب الفعل المستقبل بإذن أن يكتبها بالنون، فإذا توسطت الكلام، وكانت لغواً، كتبت بالألف, وهذا لعمري قولٌ ثابتٌ قد جاء به, غير أنه نقضه, فقال: وأحب إلي أن يكتبها

بالألف في كل حال, لأن الوقوف عليها في كل حال بالألف.

جارٍ التحميل