عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاسباب الاصطلاح القديم في العدد والتاريخ

باب الاصطلاح القديم في العدد والتاريخ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو جعفر النحاس
الكتاب
عمدة الكتاب
المؤلف
أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: 338هـ)
المحقق
بسام عبد الوهاب الجابي
الناشر
دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
الطبعة
الأولى 1425 هـ - 2004 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل

484- اصطلحوا قديماً على أن كتبوا التاريخ, ويقال: التوريخ, لأنه يقال: ورخت الكتاب وأرخته من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
485- ويقال: إن المبتدي بهذا التاريخ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه, لأن عامله على اليمن قدم عليه, فقال: أما تؤرخون كتبكم؟ فأراد عمر رضي الله عنه أن يبتدئ ببعث النبي صلى الله عليه وسلم , قال ابن سيرين: فقالوا: من وفاته؛ ثم أجمعوا على الهجرة.
486- وأرادوا أن يجعلوا أوله شهر رمضان, ثم اتفقوا على المحرم, لأنه منصرف الناس من حجهم, وهو شهرٌ حرامٌ.
487- وقال ابن عباس: والفجر المحرم فجر السنة؛ والتاريخ: اليوم قبل الهجرة بشهرين وثنتي عشرة ليلةً, لأن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر في شهر ربيع الأول, فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت منه, فقدموا التاريخ.
488- قال أبو جعفر: وهذا المعروف عند العلماء, غير أن محمد بن جرير قال: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: حدثنا

أبو عاصم, عن ابن جريج, عن ابن أبي سلمة, عن ابن شهاب, أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة –وقدمها, في شهر ربيع الأول- أمر بالتاريخ.
489- قال محمد بن جرير: وقد كانوا أرخوا بعام الفيل, أعني قريشاً خاصةً؛ وفي عام الفيل ولد النبي صلى الله عليه وسلم , وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنةً, وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنةً, وبين بناء الكعبة ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين, وبعث وهو ابن أربعين سنةً, فقرن بنبوته جبريل صلى الله عليه وسلم , ويقال: بل الذي قرن إليه بدءاً إسرافيل من غير أن يؤمر بإظهار الدعوة, ثم أمر بإظهارها؛ وأقام بمكة عشر سنين, وبالمدينة عشراً.
490- قال أبو جعفر: وهذا استخراجٌ حسن, لأن الصحابة اختلفوا في هذا, فقال ابن عباس: أنزل عليه الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنةً, فمكث بمكة عشراً, وهو قول جماعة من الصحابة, والذي قال: قرن بنبوته إسرافيل صلى الله عليه وسلم الشعبي, قال: كان يسمع حسه ولا يرى شخصه, يعلمه الكلمة والشيء, ولم ينزل القرآن على لسانه, فلما مضت لنبوته ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل صلى الله عليه وسلم , فنزل القرآن على لسانه بعد.

491- وممن قال: أقام بمكة عشراً؛ عائشة رضي الله عنها وأنس بن مالك, كما روى مالكٌ, عن ربيعة, عن أنس سمعه يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، وليس بالآدم، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله عز وجل على رأس أربعين سنةً، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنةً، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء.
قال أبو جعفر: قوله بالأبيض الأمهق، هو البياض الذي ليس بمشرق، يخاله الناظر إليه برصاً؛ والقطط أشد الجعودة.
492- وإذا كان أول ليلة من الشهر كتب، بمعنى كتب الكتاب: غرة شهر كذا في أول ليلة من كذا.
ومستهل شهر كذا ومهل شهر كذا ولا يجوز لليلة خلت ولا مضت لأنهم في الليلة بعد فإذا أصبحوا لم يجز من ذلك شيء لأن الاستهلال بالليل ولكن يليه خلت ومضت، لأن الليلة قد انقضت؛ ويجوز لغرة الشهر، ولأول يوم من صفر.
493- قصد أبو جعفر صفراً دون سائر الشهور في هذا الموضع، لأنا بلغنا هذا الفصل ونحن في صفر سنة سبع وعشرين.
494- ويكتبون: لثمان خلون، ولإحدى عشرة ليلةً خلت؛ اصطلحوا على هذا، ولو كتبوا لثمان خلت، ولإحدى عشرة ليلةً خلون

لجاز، وليس قول من قال: إنما قالوا لإحدى عشرة ليلة خلت، لأن الليلة موحدةٌ = شيئاً، لأن الخبر ليس عن الليلة.
واحتج آخر بقول الله عز وجل: ﴿منها أربعةٌ حرمٌ ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ واحتج بمجيء النون في القليل، لأن ﴿فيهن﴾ عنده لأربعة، وقد قيل: ﴿فيهن﴾ لاثني عشر.
495- واصطلحوا على أن كتبوا: للنصف من الشهر، وأجازوا لخمس عشرة ليلةً خلت، ومضت، فإذا جاوزوا ذلك كتبوا لأربع عشرة ليلةً بقيت، لأن الشهر قد يكون ناقصاً.
ورأيت علي بن سليمان يختار هذا.
وبعضهم يقول: لأربع عشرة ليلةً إن بقيت.
ورأيت بعض العلماء وأهل النظر يصوبون الكتاب في ما يكتبون به من هذا، واحتج لهم بأنهم إنما يكتبون هذا على أن الشهر تامٌ قد عرف معناه، وأن كاتبه وقائله يريد إن كان الشهر تاماً ولا يحتاج أن يلفظ بهذا، لأن اللفظ به عيٌ وشيءٌ لا يحتاج إليه.
وقد علمنا أن قائلاً لو قال: أنا أدفع إليك كذا، لكان كلاماً صحيحاً، وأنه لا يحتاج أن يقول: إلا أن يحدث علي حدثٌ.
496- ومع هذا، فقد وجدنا من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رواه ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، في سابعة تبقى، أو خامسة تبقى)) .

497- واصطلحوا أيضاً على كتب ثلاث وثلاثين بغير ألف فيهما جميعاً، وكذلك ثلاث عشر وثلاث عشرة، وكذلك ثمانية بغير ألف اصطلاحاً قديماً، وربما يعاب من خالفه، وكذا ثماني نسوة بغير ألف, فإن قلت جاءني من النسوة ثمان فبالألف, لأنك قد حذفت ياءً, فلا تجمع حذفين, ومن قال جاءني من النسوة ثماني عشرة حذف الألف, ومن قال: ثمان عشرة لم يحذف, لأنه حذف الياء؛ كما أنشد بعض أهل اللغة للأعشى: ولقد شربت ثمانياً وثمانياً ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا وأبو إسحاق ينشده: وثلاث عشرة.
فأما اثنتا عشرة, فمن العرب من يقول: جاءني ثنتا عشرة, فيحذف الألف من أوله.
وأما ثمانون فيكتب بالألف لأنه لا ياء فيه, فيشبه ثمانياً.
498- ومن الاصطلاح القديم كتبهم أربعة درهم بغير ألف, وكذلك أربعة دننير, وكذلك أربعة ألف بالحذف لكثرة استعمالهم إياه, وأنه لا يشكل, فإن قلت: عنده دراهم أو دنانير أو آلاف, فالألف لا غير, لئلا يشكل؛ وكتبوا: له أربعة دكاكين بالألف, لأنه لا يكثر استعمالهم إياه, وكتبوا: أربعة أثواب وخمسة أثواب وخمسة أجمال

بالألف, وإن كان قد كثر استعمالهم, لئلا يشكل بأثوب وأجمل, لأن فعلاً قد جمع على أفعل نحو زمن.
499- وكتبوا مائة بالألف ليفرقوا بينها وبين منه.
500- وإذا عرفت بالألف واللام فقد وقع في ذلك اصطلاحٌ متفقٌ عليه وآخر مختلفٌ فيه.
فأما المتفق عليه, فقولهم: ما فعلت خمسة الدراهم وعشرة الأثواب, كما قال ذو الرمة: وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع فإن شئت قلت: كتبت الخمسة الكتب, ودفعت الستة الدراهم, تنصبهما جميعاً, هذان الوجهان جائزان بإجماع, واختلفوا في قولهم: ما فعلت الخمسة الأثواب بالإضافة, فأجاز ذلك الكسائي, ومنع منه البصريون لاجتماع الألف واللام مع الإضافة, وهذا لا يشبه من الحسن الوجه شيئاً, وهو من الخطإ البين.
501- قال أبو إسحاق: سألت أحمد بن يحيى في مجلس الوزير القاسم بن عبيد الله: على أي شيء أجزتم عندي الخمسة الأثواب؟ فلم يكن عنده جوابٌ, غير أن قال: لأن الوزير يكتب بذلك؛ فأمسكت.
502- فإن قلت: عندي خمسة عشر درهماً, فأردت تعريفه,

فالصواب على قول الجميع: ما فعلت الخمسة عشر درهماً, عرفته من أوله, لأنه بمنزلة اسم واحد, كما تقول رجلٌ والرجل؛ وأجاز الكسائي الخمسة العشر درهماً؛ وهذا نقض ما يقول النحويون؛ جعلوا الاسمين اسماً واحداً, وأجازوا: ما فعلت الخمسة العشر الدرهم, وهذا أبعد من ذاك, وهو خطأٌ عند البصريين والفراء, إلا أبا زيد؛ فإنه حكاه وأجازه, وأبو زيد وإن كان له المحل الجليل, صاحب شذوذ, وليس كالأصمعي.
فإن قلت: عندي خمسةٌ وعشرين درهماً، ثم عرفت، قلت: ما فعلت الخمسة والعشرون درهماً؟ وأجاز الكسائي: ما فعلت الخمسة والعشرون الدرهم؟ فإن قلت: ما فعلت الخمسة والعشرون الدراهم، جاز عند الجميع.
فإن قلت: له مائة درهم، ثم عرفت، قلت: ما فعلت مائة الدرهم؟ كما فعلت في أربعة الدراهم؟ غير أنه لا يجوز المائة الدرهم إلا أن يقول: المائة الدراهم، وكذا ألف الدرهم؛ ولا يجوز الألف الدرهم عند الفراء والبصريين، إلا أبا زيد، فإنه حكى أن من العرب من يقول: المائة الدرهم، والألف الدرهم، والخمس مائة الدرهم، والخمسة عشر الدرهم؛ ولا نعلم اختلافاً في الكسور أن الألف واللام تدخل في الآخر إذا عرفت، نحو أخذت نصف الدرهم، وربع الدينار، فيجب على هذا أن ترد ما اختلفوا فيه على ما اجتمعوا عليه، فيقال: ثلاثة الدراهم، ومائة الثوب، وألف الدينار؛ وهذا بينٌ؛ وكتبوا مائةً في

التثنية بزيادة ألف، كما قالوا في الواحد لئلا تخالف التثنية الواحد، إلا أن الكسائي والفراء وقطرباً ذكروا أن من مضى كان يكتب التثنية بإسقاط الألف، ولا اختلاف في الجمع أنه على أصله يكتب بغير ألف، قالوا: مئون ومئات، والأصل في مئة مئيةٌ، كما قال: فقلت والمرء تخطيه منيته ... أدنى عطيته إياي مئيات

جارٍ التحميل