هل كان مقاتل أول من فسر القرآن كله؟
ذكرنا ان التفسير كان مقصورا على رواية ما اثر عن رسول الله وعن صحابته والتابعين، وان جمهور المفسرين لم يكن يزيد فى تفسيره عن المأثور، اى ان التفسير كان لآيات ورد فى تفسيرها اثر ولم يكن تفسيرا لجميع القرآن.
ولا يعترض علينا بتنوير المقياس المنسوب الى ابن عباس، فان هذه النسبة مطعون فيها.
وقد جاء فى مقدمته انه برواية الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وقد سبق ان هذه الطريق اوهى الطرق عن ابن عباس5، على ان الشافعي قال: (لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير الا شبيه بمائة حديث).6
والذي لا شك فيه هو ان تفسير مقاتل أول تفسير كامل للقرآن وصل إلينا. بقي ان نتساءل: هل سبق مقاتل بمثل هذا التفسير؟ وبعبارة اخرى: هل عاصر مقاتلا مفسرون فسروا القرآن تفسيرا كاملا فضاعت كتبهم، وسلم كتاب مقاتل من الضياع؟. للاجابة عن هذا التساؤل نذكر هذه الأشياء: 1- قول الشافعي: (من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان). 2- قول ابراهيم الحربي: لم يسمع مقاتل من مجاهد شيئا وانما جمع مقاتل تفسير الناس وفسر عليه من غير سماع، ولو ان رجلا جمع تفسير معمر عن قتادة، وشيبان عن قتادة كان يحسن ان يفسر عليه. قال ابراهيم: لم ادخل فى تفسيري منه شيئا. قال ابراهيم: تفسير الكلبي مثل تفسير مقاتل سواء.7
ونلاحظ ان التفاسير التي اعتمد عليها مقاتل تفاسير بالمأثور، فتفسير مجاهد نقله عن ابن عباس، وابن عباس لم يصح عنه فى التفسير الا شبيه بمائة حديث، اى ان تفسير مجاهد كان مقصورا عن تفسير الآيات الصعبة التي عجز مجاهد عن فهمها، فامسك بالواحه وسال ابن عباس عنها وسجل فى ألواحه تفسيرها.
ويشير ابراهيم الحربي الى اعتماد مقاتل على تفسير قتادة، وهو قتادة بن دعامة السدوسي الاكمة، عربي الأصل، كان يسكن البصرة.
توفى سنة 117 هـ.8 روى عن انس وابى الطفيل وابن سيرين وعكرمة وعطاء بن ابى رباح، وكان قوى الحافظة واسع الاطلاع فى الشعر العربي، بصيرا بأيام العرب عليما بانسابهم، متضلعا فى اللغة العربية. وقد اثنى احمد بن حنبل على علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه. ونسب الى قتادة الحوض فى القضاء والقدر، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا حجة فى الحديث، وكان يقول بشيء من القدر. والمرجح لدى ان تفسير قتادة تفسير يغلب عليه الأثر، مع اشتماله على جزء من التفسير العقلي.9
ومع ان من ترجم لمقاتل لم يذكر انه روى عن قتادة، سوى ابراهيم الحربي الذي ذكر ذلك تلميحا لا تصريحا، الا ان سكنى قتادة بالبصرة، ورحيل مقاتل الى البصرة، وموالاته للأزد بها ووفاته فيها تؤيد ان مقاتلا قد استفاد من تفسير قتادة. اما ان قتادة توفى سنة 117 هـ، وقد رجحنا ان رحيل مقاتل الى البصرة كان بعيد سنة 130 هـ، فان هذا لا ينفى استفادة مقاتل من تفسير قتادة، بل يؤيد ان استفادة مقاتل بتفسير قتادة كان بطريق معمر عن قتادة، وشيبان عن قتادة، كما نفهمه من اشارة ابراهيم الحربي. 3- وقد روى ان تفسير مقاتل عرض على الضحاك فلم يعجبه قال فسر كل حرف.10
وهذا دليل على ان التفسير الكامل للقرآن لم يكن مألوفا فى عصر مقاتل، فضلا عن العصر السابق عليه.
وان مقاتلا كان من أوائل من فسروا القرآن تفسيرا كاملا، وربما اشترك معه معاصرون مثل الكلبي الذي قيل ان تفسيره مثل تفسير مقاتل سواء.
بيد ان هذه التفاسير الكاملة للقرآن الكريم لم تصل إلينا، والذي وصل إلينا منها هو تفسير مقاتل بن سليمان.
وقد طبع بالهند تفسير سفيان الثوري المتوفى سنة 161 هـ، ولكنه تفسير يقتصر على كلمات معدودة وآيات محدودة فى كل سورة.
ففي سورة البقرة مثلا يقول: 3: 6 عن سعيد بن جبير فى قوله عز وجل أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ قال، السحاب فيه المطر- (الآية 19).11 4: 73 سفيان عن ابى نجيح عن مجاهد فى قول الله جل وعز يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قال تطيعون (الآية 21).
5: 133- سفيان عن مجاهد فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً قال عدلاء وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يا اهل الكتاب تعلمون انه واحد فى التوراة والإنجيل (الآية 22).
6: 113 سفيان فى قول الله جل وعز وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ قال حجارة من كبريت.
وقال ابن مسعود كبريت احمر (الآية 24).
7: 111 سفيان فى قوله وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال «متشابها» لونه واحد مختلف طعمه (الآية 25).12 وتلاحظ ان تفسير سفيان الثوري لم يشمل جميع الآيات فتراه يفسر كلمة واحدة من آية، ثم كلمة او كلمات من آية اخرى، وأحيانا يترك عدة آيات لا يفسر منها شيئا.
فمجموع الآثار التي أوردناها فى سورة البقرة 136 أثرا، وعدد آيات سورة البقرة 286 آية.
وقريب من تفسير سفيان، تفسير عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة 211 هـ، وهو تفسير بالمأثور يذكر ما اثر عنده فى تفسير الآية، ثم يترك عدة آيات لم يرد فيها اثر.
وهو محفوظ بدار الكتب المصرية بالقاهرة.
والذي نخلص اليه ان التفسير بالمأثور كان هو المألوف فى عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، وانه كان يقتصر على ما اثر عن السلف فى تفسير الآيات، ويسكت عن تفسير الآيات التي لم يؤثر فى تفسيرها شيء.
وان تفسير مقاتل بن سليمان من أوائل التفاسير التي فسرت القرآن كله آية آية، وان هذه الخطة لم تكن مألوفة من قبل ولذلك أنكرها العلماء على مقاتل.
كما ان تفسير مقاتل اقدم تفسير كامل للقرآن وصل إلينا.