وكَّل شياطين بالإنس يضلونهم، ووكل شياطين بالجن يضلونهم فإذا التقى شيطان الإنس مَعَ شيطان الجن قَالَ أَحَدهمَا لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فاضلل أَنْت صاحبك بكذا وكذا فذلك قوله: «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» يقول يزين بعضهم زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً يَقُولُ ذَلِكَ التزيين بالقول بَاطِل يغرون به الإنس والجن، ثُمّ قَالَ1: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ يَقُولُ لو شاء اللَّه لمنعهم عن ذَلِكَ.
ثم قال للنبي- صلى الله عليه وسلم- فَذَرْهُمْ يعني خل عَنْهُمْ يعني كفار مكة وَما يَفْتَرُونَ- 112- من الكذب وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني ولتميل إلى ذَلِكَ الزخرف والغرور قلوب الَّذِين لا يؤمنون بالآخرة- يعني الَّذِين لا يصدقون بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال وَلِيَرْضَوْهُ يعنى وليحبوه وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ- 113- يعني ليعملوا من المعاصي ما هُمْ عاملون أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً فَلَيْس أحد أحسن قضاء من اللَّه فِي نزول العذاب ببدر وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا يعني القرآن حلاله وحرامه وكل شيء مفصلا يعنى مبينا فيه أمره ونهيه «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ»2- 114-. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بأنه ناصر محمد- صلى الله عليه وسلم- ببدر ومعذب قومه ببدر فحكمه عدل فِي ذَلِكَ، فذلك قوله: صِدْقاً فيما وعد وَعَدْلًا فيما حكم لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني لا تبديل لقوله فِي نصر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأن قوله حق وَهُوَ السَّمِيعُ بما سألوا من العذاب الْعَلِيمُ- 115- به حين سألوا: «فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ»3يعني جانبا من السماء وَإِنْ تُطِعْ يا محمد
أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعني أهل مكة حين دعوه إلى مِلَّة آبائه يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني يستنزلوك عن دين الْإِسْلام إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ يعني وما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ- 116- الكذب إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني عن دينه الْإِسْلام وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ- 117- فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ- 118- يعنى بالقرآن مصدقين وذلك [123 ب] أن كفار مكة حين سمعوا أن اللَّه حرم الميتة قَالُوا للمسلمين: أتزعمون أنكم تتبعون مرضاة ربكم؟ ألا تحدثونا عما قتلتم أنتم بأيديكم أهو أفضل؟ أَوْ ما قَتَل اللَّه؟ فَقَالَ المسلمون: بل اللَّه أفضل صنعا فقالوا لهم: فَمَا لَكُمْ تأكلون مما ذبحتم بأيديكم، وما ذبح اللَّه فلا تأكلونه وَهُوَ عندكم ميتة فأنزل اللَّه وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يعني وَقَدْ بين لَكُمْ ما حرم عليكم: يعني الميتة والدم ولحم الخنزير، ثُمّ استثنى فقال: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ مما نهيتم عن أكله وَإِنَّ كَثِيراً من الناس يعني سادة قريش لَيُضِلُّونَ أَهْل مكة بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه فى أمر الذبائح إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ- 119- وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ يعني واتركوا ظاهر الإثم وَباطِنَهُ يعني الزنا فِي السر والعلانية.
وذلك أن قريشا كانوا ينكرون الزنا فِي العلانية وَلا يرون به بأسا سرا إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ يعني الشرك سَيُجْزَوْنَ فِي الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ- 120- يعني يكسبون وأنزل اللَّه فِي قولهم، ما قَتَل اللَّه فلا تأكلوه وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني إن أكل الميتة لمعصية وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من المشركين لِيُجادِلُوكُمْ فِي أمر الذبائح1وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ باستحلالكم الميتة إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ- 121-
مثلهم وفيهم نزلت لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ1يعني أمر الذبائح أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعني أَوْ من كان ضالا فهديناه.
نزلت فِي النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يعني إيمانا يَمْشِي بِهِ يعني يهتدي به فِي النَّاسِ أهو كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ يعني كشبه من هُوَ فِي الشرك يعني أبا جهل لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها يعني من الشرك يعني لَيْسَ بمهتد هُوَ فيها: متحير لا يجد منفذا، ليسا بسواء كَذلِكَ يعني هكذا زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ يعني للمشركين ما كانُوا يَعْمَلُونَ- 122- يعني أبا جهل وذلك أَنَّهُ قَالَ زحمتنا بنو عَبْد مَنَاف فِي الشرف حَتَّى «إذا»2صرنا كفرسي رهان، قَالُوا مِنَّا نَبِيّ3يوحى إِلَيْهِ فَمنْ يدرك هَذَا واللَّه لا نؤمن به وَلا نتبعه أبدا أو يأتينا وحي كَمَا يأتيه فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ... إلى آخر الآية.4
وَكَذلِكَ يعني وهكذا جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ خلت يعني عصت أَكابِرَ مُجْرِمِيها يعني جبابرتها وكبراءها جعلنا بمكة المستهزئين من قريش لِيَمْكُرُوا فِيها يعني فِي القرية بالمعاصي حين أجلسوا فِي كُلّ طريق أربعة منهم، يَقُولُ اللَّه وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وما معصيتهم إِلَّا عَلَى أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ- 123- وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ يعنى انشقاق القمر والدخان [124 أ] قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يعنى النبي- صلى الله عليه وسلم-
وحده، يَقُولُ اللَّه اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ اللَّه أَعْلَم حيث يختص بنبوته من يشاء سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني مذلة وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ- 124- يعني يقولون لقولهم لو كان هَذَا القرآن حقا «لنزل عَلَى الْوَلِيد بن المُغِيرَة أَوْ عَلَى أَبِي مَسْعُود الثَّقَفيّ، وذلك قولهم»1: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ2فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لدينه يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ نزلت في النبي- صلى الله عليه وسلم- يعني يوسع قلبه وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ عن دينه يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بالتوحيد يعني أبا جهل حَتَّى لا يجد التوحيد من الضيق مجازا، ثُمّ قَالَ: حَرَجاً شاكا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يَقُولُ هُوَ بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عَلَيْه كَذلِكَ يعني هكذا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ يقول الشر عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ- 125- بالتوحيد وَهذا التوحيد صِراطُ رَبِّكَ يعني دين ربك مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني قَدْ بينا الآيات فِي أمر القلوب فِي الهدى والضلالة يعني الَّذِي يشرح صدره للإسلام وَالَّذِي جعله ضيقا حرجا لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ- 126- بتوحيد اللَّه.
ثُمّ ذكر ما أعد للموحدين فقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ يعني جنة اللَّه عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي الآخرة وَهُوَ وَلِيُّهُمْ يَقُولُ اللَّه وليهم فِي الآخرة بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- 127- لَهُ في الدُّنْيَا يعني يوحدون ربهم وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني كفار الإنس والشياطين والجن يَقُولُ ويوم نجمعهم جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ ثُمّ يَقُولُ للشياطين قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني من ضلال الإنس فيما أضللتم منهم وذلك أن كفار الإنس كانوا تولوا الجن وأعاذوا بهم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعنى
أولياء الجن من كفار الإنس رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ كاستمتاع الإنس بالجن، وذلك أن الرَّجُل كان إذا سافر فأدركه الليل بأرض القفر خاف فيقول أعوذ بسيد هَذَا الوادي من سفهاء قومه فيبيت فِي جواره آمنا، وكان استمتاع الجن بالإنس: أن يقولوا لقَدْ سودتنا الإنس حين فزعوا إلينا فيزدادوا بِذَلِك شرفا وَقالت بَلَغْنا أَجَلَنَا الموت الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا فِي الدُّنْيَا فرد اللَّه عليهم: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ومثوى الكافرين خالِدِينَ فِيها أبدا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ واستثنى أَهْل التوحيد أنهم لا يخلدون فيها إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ يعني حكم النار لمن عصاه عَلِيمٌ- 128- يَقُولُ عالم بمن لا يعصيه قوله: وَكَذلِكَ يعنى وهكذا نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً فولى اللَّه ظلمة الإنس ظلمة الجن، وولى ظلمة الجن ظلمة الإنس بأعمالهم الخبيثة، فذلك قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- 129- يعني يعملون من الشرك، ثُمّ قَالَ لهم عند ذلك: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [124 ب] يعني كفار الجن وكفار الإنس، وَلا يعني به الشياطين لأن الشياطين هُمْ أغروا كفار الجن وكفار الإنس وبعث اللَّه رسولا من الجن إلى الجن، ومن الإنس الإنس يقصون، فذلك قوله: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يعني من أنفسكم الجن إلى الجن والإنس إلى الإنس قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي يعنى آيات القرآن يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يعنى يوم القيامةالُوا يعنى قالت الإنس والجن: هِدْنا عَلى أَنْفُسِنا بِذَلِك أنا كفرنا بما قَالَت الرسل فِي الدُّنْيَا، قَالَ اللَّه للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم-: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن دينهم الْإِسْلام، وَيَقُولُ اللَّه للنبي- صَلَّى الله عليه وسلم-: شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ فى الآخرةنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ - 130- فِي الدُّنْيَا، وذلك حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر فِي الدُّنْيَا، ثُمّ قَالَ الخازن- فى التقديم-: «النَّارُ مَثْواكُمْ» يعني مأواكم «خالِدِينَ
فِيها» لا يموتون ثُمّ استثنى فَقَالَ «إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» حكم عليهم حقا بِذَلِك الهلاك كفعله بالأمم الخالية- فى سورة أخرى.1
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى يعني معذب أَهْل القرى بِظُلْمٍ بغير ذنب فِي الدُّنْيَا وَأَهْلُها غافِلُونَ- 131- عن العذاب حَتَّى يبعث فِي أمها رسولا ينذرهم بالعذاب حجة عليهم وَلِكُلٍّ يعني كفار الجن والإنس دَرَجاتٌ يعني فضائل2من العذاب فِي الآخرة مِمَّا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ- 132- هَذَا وعيد نظيرها فِي الأحقاف3، وقوله: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه ذُو الرَّحْمَةِ يعني النعمة فلا تعجل عليهم بالعذاب يعني كفار مكة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ بهلاك وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ خلقا من غيركم بعد هلاككم ما يَشاءُ إن شاء مثلكم وإن شاء أمثل وأطوع للَّه منكم كَما أَنْشَأَكُمْ يعني كَمَا خلقكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ- 133- يعني ذرِّيَّة أَهْل سفينة نوح إِنَّ مَا تُوعَدُونَ من العذاب فِي الدُّنْيَا لَآتٍ يعني لكائن وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ- 134- يعني بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها، قوله: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يعني جديلتكم يعني كفار مكة إِنِّي عامِلٌ عَلَى جديلتي التي أمرني بها ربي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعنى الجنة
أنحن أم انتم، ثُمّ قَالَ للنبي- صَلَّى الله عليه وسلم-: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ يعني لا يسعد الظَّالِمُونَ- 135- فِي الآخرة يعني المشركين نظيرها فِي القصص1وَجَعَلُوا لِلَّهِ يعني وصفوا للَّه مِمَّا ذَرَأَ يعني مما خلق مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا يعني النصيب لآلهتهم، مثل ذَلِكَ فَمَا أخرج اللَّه من بطون الأنعام وظهورها من الحرث، قَالُوا: هَذَا للَّه فيتصدقون به عَلَى المساكين وما أخرج الله من نصيب الآلهة [125 أ] أنفقوه عَلَيْها فَإِن زكا نصيب الآلهة وَلَم يَزك نصيب اللَّه تركوه للآلهة، وقالوا: لو شاء اللَّه لأزكى نصيبه، وإن زكا نصيب اللَّه وَلَم يَزْك نصيب الآلهة: خدجت أنعامهم وأجدبت أرضهم، وقالوا: لَيْسَ لآلهتنا بد من نفقة فأخذوا نصيب اللَّه فقسموه بين المساكين والآلهة نصفين، فذلك قوله: فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني لآلهتهم مما خرج من الحرث والأنعام فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يعني إلى المساكين وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يعني آلهتهم يَقُولُ اللَّه: ساءَ يعني بئس ما يَحْكُمُونَ- 136- يَقُولُ لو كان معي شريك كَمَا يقولون ما عدلوا فِي القسمة أن يأخذوا مني وَلا يعطوني، ثُمّ انقطع الكلام فَقَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ «شُرَكاؤُهُمْ»2كَمَا زينوا لهم تحريم الحرث والأنعام يعني دَفْن البنات وهن أحياء لِيُرْدُوهُمْ يعني ليهلكوهم وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ يعني وليخلطوا عليهم دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يَقُولُ لو شاء اللَّه لمنعهم من ذَلِكَ فَذَرْهُمْ يعني فخل عَنْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ- 137- من الكذب لقولهم
فى الأعراف «وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها»1وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ يعني حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ يعني الرجال دون النّساء وكانت2مشيئتهم أنهم جعلوا للحوم والألبان للرجال دون النّساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها يعني الحام وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني البحيرة إن نتجوها أَوْ نحروها لَمْ يذكروا اسم اللَّه عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ عَلَى اللَّه يعني كذبا عَلَى اللَّه سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ- 138- حين زعموا أن اللَّه أمرهم بتحريمه: حين قالوا فى الأعراف وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها3، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا يعني من الولد والألبان وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا يعني البحيرة والسائبة والوصيلة فكانوا إذا أنتجوه4حيا ذبحوه فأكله الرجال دون النّساء وكذلك الألبان وإن وضعته ميتا اشترك فِي أكله الرجال والنساء، فذلك قوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ اللَّه العذاب فِي الآخرة [وَصْفَهُمْ ذَلِكَ بالتحليل والتحريم أَيّ جزاءه5] إِنَّهُ حَكِيمٌ حكم عليهم العذاب عَلِيمٌ- 139- به ثم عليهم بقتل أولادهم وتحريم الحرث والأنعام فقال: قَدْ خَسِرَ فى الآخرة الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعني دَفْن البنات أحياء6سَفَهاً يعني جهلا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ
من الحرث والأنعام افْتِراءً عَلَى اللَّهِ الكذب حين زعموا أن اللَّه أمرهم بِهَذَا يعني بتحريمه، يَقُولُ اللَّه: قَدْ ضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ- 140- وكانت رَبِيعَة ومضر يدفنون البنات وهن أحياء غَيْر بني كنانة كانوا لا يفعلون ذَلِكَ، قوله [125 ب] : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ يعني الكروم وما يعرش وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ يعني قائمة عَلَى أصولها وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ يعني طعمه منه الجيد ومنه الدون، ثُمّ قال: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً ورقها فِي النظير يشبه ورق الزيتون ورق الرمان وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ثمرها وطعمها وهما متشابهان فِي اللون مختلفان فِي الطعم، يَقُولُ اللَّه: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ حين يَكُون غضا، ثُمّ قَالَ: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ- 141- يَقُولُ وَلا تشركوا الآلهة فِي تحريم الحرث والأنعام وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً يعني الإبل والبقر وَفَرْشاً والفرش الغنم الصغار مما لا يحمل عَلَيْهَا1كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الأنعام والحرث حلالا طيبا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني تزيين الشَّيْطَان فتحرمونه إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- 142- كلم النبي- صلى الله عليه وسلم- في ذلك عوف بن مالك الجشمي يكن أبا الأحْوَص.2
ثُمّ قَالَ أنزل ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قبل خلق آدم- عَلَيْه السَّلام- مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ يعنى ذكرا وأنثى وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى.
[قُلْ يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذَلِكَ إلى اللَّه: آلذَّكَرَيْنِ من الضأن والمعز حَرَّمَ اللَّه عليكم؟ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ ذكرا كان أَوْ أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ عن كيفية تحريم ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- 143- فِيهِ.
المعنى من أَيْنَ جاء التحريم فَإِن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام، أَو الأنوثة فجميع الإناث أَوْ اشتمال الرحم فالزوجان فمن أين التخصيص والاستفهام للاستنكار1]. وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى قُلْ يا محمد «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ»2يعني من أَيْنَ تحريم الأنعام من قبل الذكرين أم قبل الأنثيين أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يَقُولُ عَلَى ما اشتمل، ما يشتمل الرحم إِلَّا ذكرا أَوْ أنثى فأين هَذَا الَّذِي جاء التحريم من قبله، وما اشتمل الرحم إِلَّا عَلَى مثلها.
يَقُولُ ما تلد الغنم إِلَّا الغنم وما تلد الناقة إِلَّا مثلها يعني أن الغنم لا تلد البقر وَلا البقر تلد الغنم فَإِن قَالُوا حرم الأنثيين خصوا وَلَم يجز لهم أن يأكلوا الإناث من الأنعام وإن قَالُوا الذكرين لَمْ يجز لهم أن يأكلوا ذكور الأنعام فسكتوا.
يَقُولُ الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- قل لهم نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ3بأن اللَّه حرم هَذَا، ثُمّ قَالَ: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا التحريم فسكتوا فلم يجيبوه إِلَّا أنهم قَالُوا: حرمها آباؤنا فَقَالَ لهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَمنْ أَيْنَ حرمه آباؤكم؟ قَالُوا: اللَّه أمرهم بتحريمه فأنزل اللَّه: فَمَنْ أَظْلَمُ يقول فلا
أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- 144- قَالُوا: يا محمد فَمنْ أين حرمه آباؤنا فأوحى اللَّه إلى نبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ يعني عَلَى آكل يأكله إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يعني يسيل أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ يعني إثما أَوْ فِسْقاً يعني معصية أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني ذبح لغير اللَّه فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء مما حرمت عَلَيْه غَيْرَ باغٍ ليستحله فِي دينه وَلا عادٍ يعني وَلا معتديا لَمْ يضطر إِلَيْهِ فأكله فَإِنَّ رَبَّكَ1غَفُورٌ [126 أ] لأكله الحرام رَحِيمٌ- 145- به إذا رخص لَهُ فِي الحرام فِي الاضطرار ثُمّ بين ما حرم على اليهود فَقَالَ: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعنى الإبل والنعامة والوزر والبط وكل شيء لَهُ خف وظفر من الدواب والطير فهو عليهم حرام وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما وحرم عليهم الشحوم من البقر والغنم، ثُمّ استثنى ما أحل لهم من الشحوم فَقَالَ: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما يعني ظهور البقر والغنم والأكتاف والإلية أَوِ الْحَوايا يعنى المعى2أَوْ مَا اخْتَلَطَ من الشحم بِعَظْمٍ فكل هَذَا حلال لهم، وحرم عليهم شحوم الكليتين والثروب3ذلِكَ التحريم جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يعني عقوبة بقتلهم الْأَنْبِيَاء وبصدهم عن سبيل اللَّه وبأكلهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل فهذا البغي وَإِنَّا لَصادِقُونَ- 146- بِذَلِك وهذا ما أوحى اللَّه إلى نبيه- صَلَّى الله عليه وسلم-
أَنَّهُ محرم، منه عَلَى الْمُسْلِمِين ومنه عَلَى اليهود فَقَالَ كفار العرب للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فإنك لَمْ تصب.
يَقُولُ اللَّه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ بما تَقُولُ من التحريم فَقُلْ لكفار مكة رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ملأت رحمته كُلّ شيء لا يعجل عليكم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ يَقُولُ عذابه إذا جاء الوقت عَلَى من كذب بما يقول عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ- 147- يعنى كفار العرب سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّه آلهة يعني مشركي العرب لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا أشرك آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ يعني الحرث والأنعام وَلَكِن اللَّه أمر بتحريمه كَذلِكَ يعني هكذا كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية رسلهم كَمَا كذب كفار مكة بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يعني عذابنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا يعني بيانا من اللَّه بتحريمه فتبينوه لنا، يَقُولُ اللَّه: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ- 148- الكذب قُلْ لهم: يا محمد فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ- 149- لدينه قُلْ هَلُمَّ1شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا الحرث والأنعام فَإِنْ شَهِدُوا أن اللَّه حرمه فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ يأمر نبيه- صلى الله عليه وسلم- أن لا يصدق قولهم وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن الَّذِي فِيهِ تحليل ما حرموا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَالذين هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ- 150- يعني يشركون قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يَقُولُ تعالوا حَتَّى أقرأ ما حرم عليكم أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من خلقه وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني برا بهما وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
يعني دفن البنات وهن أحياء مِنْ إِمْلاقٍ يعني خشية الفقر نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ يعنى الزنا ما ظَهَرَ مِنْها يعني السفاح علانية وَما بَطَنَ يعني الزنا1فى السر [126 ب] تتخذ الخليل فيأتيها فِي السر وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ يعني بالقصاص والثيب الزاني بالرجم والمرتد عن الْإِسْلام فهذا الحق ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَعْقِلُونَ- 151- أَنَّهُ لَمْ يحرم إِلَّا ما ذكر فِي هَذِهِ الآيات الثلاث وَلَم يحرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا ليثمر لليتيم ماله بالأرباح حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعنى ثماني عشرة سنة وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ يعني بالعدل لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يَقُولُ لا نكلفها من العمل إِلَّا طاقتها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني أولي قربى إذا تكلمتم فقولوا الحق، وإن كان ذو قرابتك فقل فِيهِ الحق وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا فيما بينكم وبَيْنَ الناس ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَذَكَّرُونَ - 152- فِي أمره ونهيه وَأَنَّ هَذَا الَّذِي ذكر فِي هَذِهِ الآيات من أمر اللَّه ونهيه صِراطِي مُسْتَقِيماً يعني دينا مستقيما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني طرق الضلالة فيما حرموا فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني فيضلكم عن دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَتَّقُونَ- 153- فهذه الآيات المحكمات لَمْ ينسخهن شيء من جميع الكتب وهن محكمات عَلَى بني آدم كلهم ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعنى أعطيته التوراة تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ يَقُولُ تمت الكرامة عَلَى من أحسن منهم فِي الدُّنْيَا والآخرة فتمم اللَّه لبني إِسْرَائِيل ما وعدهم من قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا... إلى آيتين.2
ثم قال: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَالتوراة هُدىً1من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ- 154- يعني بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال وَهذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فهو بركة لمن آمن به فَاتَّبِعُوهُ فاقتدوا به وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ يعني لكي تُرْحَمُونَ- 155- فلا تعذبوا أَنْ تَقُولُوا يعنى لئلا تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا يعني اليهود والنصارى وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ- 156- وذلك أن كفار مكة قَالُوا قاتل اللَّه اليهود والنصارى كيف كذبوا أنبياءهم فواللَّهِ لو جاءنا نذير وكتاب لكنا أهدى منهم فنزلت هَذِهِ الآية فيهم أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ يعني اليهود والنصارى يَقُولُ اللَّه لكفار مكة، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى بيان من ربكم القرآن أَوْ هو أَهْدى من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لقوم يؤمنون فكذبوا به، فنزلت فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن وَصَدَفَ عَنْها يعني وأعرض عن آيات القرآن فلم يؤمن بها، ثُمّ أوعدهم اللَّه فَقَالَ: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا يعني يعرضون عن إيمان بالقرآن سُوءَ الْعَذابِ يعنى شدة العذاب بِما كانُوا يَصْدِفُونَ [127 أ]- 157- يعني بما كانوا يعرضون عن إيمان بالقرآن ثُمّ وعدهم فَقَالَ هَلْ يَنْظُرُونَ يعني ما ينتظر كفار مكة بالإيمان إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده بالموت أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ يوم الْقِيَامَة فِي ظلل من الغمام أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني طلوع الشمس من مغربها، ثم قال يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني طلوع الشمس من المغرب لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها يعني نفسا كافرة حين لَمْ تؤمن قبل أن تجيء هذه الآية
لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ يَقُولُ لَمْ تكن صدقت من قبل طلوع الشمس من مغربها أَوْ لَمْ تكن كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً يَقُولُ لَمْ تكن هَذِهِ النَّفْس عملت قبل طلوع الشمس من مغربها وَلَم يقبل منها1بعد طلوعها. ومن كان يقبل منه عمله قبل طلوع الشمس من مغربها فَإنَّهُ يتقبل منه بعد طلوعها، ثُمّ أوعدهم، العذاب فَقَالَ الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: قُلِ انْتَظِرُوا العذاب إِنَّا مُنْتَظِرُونَ- 158- بكم العذاب إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ الْإِسْلام الَّذِي أمروا به ودخلوا فِي غيره يعني اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكانُوا شِيَعاً يعني أحزابا يهود ونصارى وصابئين وَغَيْرُهُمْ لَسْتَ مِنْهُمْ يا محمد فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ- 159- فنسختها آية براءة «قاتِلُوا الَّذِينَ... » إلى قوله: «صاغِرُونَ».2
مَنْ جاءَ فِي الآخرة بِالْحَسَنَةِ بالتوحيد والعمل الصالح فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فِي الأضعاف وَمَنْ جاءَ فِي الآخرة بِالسَّيِّئَةِ يعنى الشرك فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها فِي العظم فجزاء الشرك أعظم الذنوب والنار أعظم العقوبة
وذلك قوله: جَزاءً وِفاقاً1وافق الجزاء العمل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- 160- كلا2الفريقين جميعًا.
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني الْإِسْلام دِيناً قِيَماً مستقيما لا عوج فيه مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً يعني مخلصا وَما كانَ إِبْرَاهِيم مِنَ الْمُشْرِكِينَ- 161- من اليهود والنصارى قُلْ: يا محمد إِنَّ صَلاتِي الخمس وَنُسُكِي يعني وذبحي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- 162- لا شَرِيكَ لَهُ يَقُولُ لَيْسَ معه شريك وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ- 163- يعني المخلصين من أَهْل مكة، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي- صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «ارجع»3عن هَذَا الأمر فنحن لك كفلاء بما أصابك من تبعة، فأنزل اللَّه «قُلْ» لهم «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا» يعني أتخذ ربا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ فِي السموات والأرض وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها يعني إِلَّا عَلَى نفسها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى لقولهم للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نَحْنُ لك الكفلاء بما أصابك من تبعة ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ فِي الآخرة مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ فِي الدّين أنتم وكل قبيلة فِي الدّين تَخْتَلِفُونَ- 164- أنتم وكفار مكة نظيرها [127 ب] فِي الروم.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ يعني من بعد هلاك الأمم الخالية وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ يعنى بالدرجات الفضائل
والرزق لقولهم للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ما يحملك عَلَى الَّذِي أتيتنا به إِلَّا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا فنزلت وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ يعني ليبتليكم فيما أعطاكم يَقُولُ يبتلي بعض الْمُؤْمِنِين الموسر بالغني، ويبتلي بعض الْمُؤْمِنِين المعسر بالفاقة إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه فِي فاقة أَوْ غنى يخوفهم كأَنَّه قَدْ جاء ذَلِكَ اليوم وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- 165- بعد التوبة.
قوله من الضأن اثنين يعنى كبشا ونعجة ومن المعز اثنين يعنى تيسا وشاة ومن الإبل اثنين يعنى جملا وناقة ومن البقر اثنين يعنى ثورا وبقرة1
[