اسباب النزول فى تفسير مقاتل
تفسير مقاتل تفسير بالمأثور، اى انه يعتمد على ما اثر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحابته والتابعين، ولذلك اعتنى مقاتل فيه بأسباب نزول القرآن، ومن نزلت فيهم الآية. وقد كان الرأي السائد ضعف الأحاديث والآثار التي اعتمد عليها مقاتل فى اسباب نزول القرآن، وفى تفسير القرآن. ولكن بمقارنة هذه الأحاديث والآثار بكتب السنن، ظهر ان أكثرها غير ضعيف، فضلا عن ان فيها عددا وافرا من الأحاديث الصحيحة. وتوجد أحاديث ضعيفة فى تفسير مقاتل، وبعضها ضعيف الاسناد، لكن المتن فيه صحيح، واسناده مؤيد بطرق أخرى تقويه.1
ولا نستطيع ان نبرئ مقاتلا من تهمة اعتماده على الآثار الضعيفة والموضوعة وخصوصا فى الاسرائيليات، واخطر من ذلك حذفه للإسناد، فقد اختلط بسببه الصحيح بالعليل فى تفسيره، حتى قال فيه ابن المبارك: (يا له من تفسير لو كان له اسناد).
على انه ليس لكل آية سبب نزول، فان من آيات القرآن ما نزل ابتداء بشرح الدعوة، ويدعو الى الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا النوع من
الآيات ليس له سبب نزول سوى الأسباب العامة التي تنزلت من أجلها الشرائع، وهي الشرائع، وهي هداية البشر وتنظيم حياتهم، وإرشادهم الى ما فيه خيرهم، واغلب هذا القسم يشتمل على آيات العقائد والوقائع الماضية، وقصص الأنبياء ومشاهد القيامة.
ومن آيات القرآن آيات نزلت بأسباب دعت إليها، شان كثير من آيات احكام العبادات والمعاملات، والحلال والحرام، والغزو والجهاد، والأحوال الشخصية، والحقوق المدنية والمعاهدات الدولية.
فان الغالب على أمثال هذه الآيات ان تكون لها اسباب دعت الى نزولها، ومعرفتنا بهذه الأسباب تعين كثيرا على فهم الآيات التي نزلت فيها.
وقد لقى هذا القسم عناية سلف الامة وخلفها، وأفرده جماعة بالتأليف، منهم على بن المديني شيخ البخاري، ومنهم الواحدي، والجعبري، وابن حجر، والسيوطي.
وأشهر كتب اسباب النزول وأيسرها الآن كتابان هما: اسباب النزول للواحدي المتوفى سنة 468 هـ. ولباب النقول فى اسباب النزول للسيوطي المتوفى سنة 911 هـ. وهما مطبوعان متداولان فى أيدي الناس.
ويكاد تفسير مقاتل ان يكون تفسيرا خاصا بأسباب النزول ومن نزلت فيهم آيات القرآن.
ان معرفة سبب النزول يجعلك تعيش فى زمن الوحى تستطلع الحياة وأسبابها، ويعطيك تاريخ الآيات، وما نزلت متحدثة عنه او مبينة لحكمه ايام وقوعه.
فإذا وقعت حادثة فى زمن الرسول (ص) نزل الوحى من السماء يبين الحكم ويشرع للناس ما يرشدهم الى ما فيه صلاحهم فى معاشهم ومعادهم.
سواء أكانت تلك الحادثة خصومة دبت، كالخلاف الذي شجر بين جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج، بدسيسة من اعداء الله اليهود حتى تنادوا: السلاح السلاح، ونزل بسببه تلك الآيات الحكيمة فى سورة آل عمران من أول قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ...2الى آيات اخرى بعدها هي من أروع ما ينفر من الانقسام والشقاق ويرغب فى المحبة والوحدة والاتفاق.
ام كانت تلك الحادثة خطا ارتكب كخطا ذلك الأنصاري الذي سكر فضرب وجه سعد بن ابى وقاص بلحى بعير فشجه، فانطلق سعد مستعديا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل تحريم الخمر فى قوله سبحانه فى سورة المائدة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 90- إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ- 91.3 وما اكثر الاخطاء التي تحدث فى المجتمع، لكن القرآن يضع العلاج الحاسم لكل خطا، حتى يحفظ المجتمع من استمرار الخطا او تكرار الجريمة. فهذا عَيَّاش بن أَبِي رَبِيعَة بن المغيرة الْمَخْزُومِيّ، يقتل مؤمنا خطا، والقتيل هو الْحَارِث بن يزيد بن أَبِي أنيسة من بنى عامر بن لؤي، فينزل الوحى علاجا للمشكلة الحادثة، ونظاما متبعا فى أمثالها الى يوم الدين، يقول تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا.4
وحينما قتل مقيس بن ضبابة الكناني ثم الليثي رجلا من قريش يقال له عمرو الفهري عامدا متعمدا- انزل الله الآية الكريمة التي يقول فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً.5
## اسباب النزول وشئون الاسرة وقد تكون الحادثة سببا فى بيان حكم فى شان من شئون الاسرة او المجتمع: فمن امثلة ذلك ان اهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات والصغار من الذكور ولكن القرآن كرم المراة فجعل لها نصيبا من الميراث، وكرم انسانية الإنسان فجعل نصيب الصغير والكبير سواء.
وحدث هذا التشريع اثر حادثة معينة، حتى تتشوف له النفوس وتستجيب له القلوب، فقد جاء فى تفسير مقاتل لقوله تعالى (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً)
قال المفسرون6: ان أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امراة يقال لها ام كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه، يقال لهما سويد وعرفطة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته شيئا ولا بناته، وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وان كان ذكرا، انما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون: لا يعطى الا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فجاءت ام كحة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: يا رسول الله ان أوس بن ثابت مات وترك على بنات: وانا امراة، وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا، وهو عند سويد وعرفطة لم يعطيانى ولا بناته من المال شيئا، وهن فى حجري، ولا يطعمانى ولا يسقياني ولا يرفعان لهن رأسا، فدعاهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالا: يا رَسُول الله ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ولا ينكى عدوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفوا حتى انظر ما يحدث الله لي فيهن، فانصرفوا، فانزل الله تعالى هذه الآية: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ... الآية.7
وطبيعي ان تكثر الآيات التي تتحدث عن شئون الاسرة فانها قوام المجتمع ومرتبطة بأحوال الناس فى غدوهم ورواحهم وصباحهم ومسائهم. وما اكثر المشاكل التي تنشأ فى احوال الزواج، والعشرة الزوجية، والطلاق وما الى ذلك من النفقات، والظهار، والإيلاء، والخلع، واللعان، وغيرها. وقد حفلت كتب التفسير ببيان هذه الأحكام وذكرت اسباب نزولها كما عنى بها مقاتل فى تفسيره، وهي بالطبع تناولت شخصا او اشخاصا فيجب ان يعرفهم المفسر ليكشف الإبهام فى الآية، ويحيط بالواقع الذي نزلت فيه الآية او الآيات. وسيظل سياق الآيات مع هذا عاما يشمل الاحياء فى كل زمان ومكان كما قال علماء الأصول، فان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. لقد قال سبحانه: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.8
«فلا بد للمفسر من معرفة سبب نزول هذه الآية توضيحا لمبهماتها، حتى نعرف اسم المراة واسم البعل».9
قال المفسرون ومقاتل9: نزلت فِي رافع بن خَدِيج الْأَنْصَارِيّ وَفِي امرأته خويلة بِنْت محمد بن مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ، وكان رافع قد كره منها امرا اما كبرا او غيره فأراد طلاقها، فقالت لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فانزل الله: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً.. الآية).
وغنى عن البيان ان هذا الحكم وان نزل بسبب رافع وخويلة، هو حكم عام فى كل الأزواج الى يوم القيامة.
كذلك آيات الميراث، فقد يحدث ان يموت بعض الأشخاص فتنزل الآية تجيب على اسئلة ورثته، حلا لمشكلتهم، ولتكون دستورا لمن جاء بعدهم.
وفى تفسير قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ....10 قال المفسرون ومقاتل11: «نزلت فِي جَابِر بن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ من بني سَلَمَة بن جشم بن سعد بْن عَلِيّ بن شاردة12بن يَزِيد بن جشم بن الخزرج فى أخواته.
والكلالة: هو الميت الَّذِي يموت وليس لَهُ وَلَد وَلا والد فهو الكلالة.
وذلك أن جَابِر بن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ- رحِمَه اللَّه- مرض بالمدينة فعاده رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ إني كلالة لا أب لي وَلا وَلَد، فكيف أصنع فِي مالي؟ فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) يعني مات (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) الميت من الميراث (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) إذا ماتت قبله (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) يعني أختين (فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) يَقُولُ لئلا تخطئوا قسمة المواريث (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) من قسمة المواريث (عَلِيمٌ) ».