موضع الاتفاق وهو اللب:
والوحدانية فى الذات يقر بها المسلمون أجمعون، ويتفقون على اصل المعنى فيها من غير نكير من احد على احد، ولا اختلاف فيها عند اهل القبلة، وهي فى مرتبة البديهيات المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يمترى فيها عالم من العلماء ولا فرقة من الفرق، ولا مذهب من المذاهب الاسلامية.41
(ج) اختلاف الفرق فى معنى توحيد الذات: اختلفت فرق المسلمين فى وصف الذات العلية بالصفات الكمالية، وقد قال فى ذلك ابن تيمية: (لفظ التوحيد والتنزيه والتجسيم ألفاظ قد دخلها الاشتراك بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم، فكل طائفة تعنى بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرهم.
فالمعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه نفى جميع الصفات.
وبالتجسيم او التشبيه اثبات شيء منها، حتى ان من قال ان الله يرى او ان له علما فهو عندهم مجسم.
وكثير من الطوائف المتكلمة بصفاته يريدون بالتوحيد والتنزيه نفى الصفات الخبرية42او بعضها، وبالتجسيم والتشبيه إثباتها او بعضها).43
«بينما يقرر السلفيون ان الأخذ بظاهر القرآن والسنة لا يقتضى التشبيه او التجسيم لان ما يثبت لله بنصهما ليس من جنس ما يثبت للحوادث، بل يثبت44صفات واحوال تليق بذاته الكريمة، وبما يجب له سبحانه من تنزيه ووحدانية، فالتشابه فى الاسم لا يقتضى التشابه فى الحقيقة، والمنفي ليس هو التشابه فى الحقائق، وان الله سبحانه وتعالى مخالف للحوادث فى ذلك تمام المخالفة».45
(د) بين السلف والخلف: ذكرنا ان مذهب السلف فى الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى ان يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها او تأويلها. وان مذهب الخلف ان يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالى عن مشابهة خلقه. وقد حدث خلاف شديد بين اهل الرأيين، حتى ادى بهما الى التنابز بالألقاب العصبية.46
ولو نظرنا للأمر من زاوية أوسع افقا، وارحب صدرا- لوجدنا ان الاتفاق بين الفريقين اكثر من الاختلاف، وبيان ذلك من عدة وجوه: الاول: اتفق الفريقان على تنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه. والثاني: كل منهما يقطع بان المراد بألفاظ هذه النصوص فى حق الله تبارك وتعالى غير ظواهرها التي وضعت لها هذه الألفاظ فى حق الخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفى التشبيه. والثالث: كل من الفريقين يعلم ان الألفاظ توضيع للتعبير عما يجول فى النفوس، او يقع تحت الحواس، مما يتعلق باصحاب اللغة وواضعيها. وان اللغات مهما اتسعت، لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله تبارك وتعالى من هذا القبيل. فاللغة اقصر من ان تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق، فالتحكم فى تحديد المعاني بهذه الألفاظ تغرير. إذا تقرر هذا، فقد اتفق السلف والخلف على اصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما فى ان الخلف زادوا تحديد المعنى المراد، حينما ألجأتهم ضرورة التنزيه الى ذلك، حفظا لعقائد العوام من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا اعناتا ولا حيرة وليس بعيدة الشقة كما يذكر شترثمان.47
ان صدر الإسلام أوسع من هذا كله، وقد لجا أشد الناس تمسكا براى السلف- رضوان الله عليهم- الى التأويل فى عدة مواطن، وهو الامام احمد بن حنبل رضى الله عنه، من ذلك تأويله لحديث: «الحجر الأسود يمين الله فى ارضه».48
وقوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»49، وقوله
صلى الله عليه وسلم: «انى لأجد نفس الرحمن من جانب اليمين».50
وقد روى حنبل ابن أخي الامام احمد انه سمعه يقول: (احتجوا على يوم المناظرة فقالوا تجيء يوم القيامة سورة البقرة وتجيء سورة تبارك قال: «فقلت لهم انما هو الثواب».
قال الله جل ذكره: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» وانما تأتي قدرته)51وهذا بلا شك تفسير للمجيء بمجاز الحذف.
وقد ذكر ابن حزم الظاهري فى الفصل ان احمد بن حنبل قال فى قوله تعالى: «وجاء ربك» انما معناه وجاء امر ربك فابن حنبل سلفي من اهل التفويض والتنزه والتوقف52ومع هذا لجا الى التأويل فى المجاز الظاهر. «وقد رأيت للإمام النووي رضى الله عنه ما يفيد قرب مسافة الخلاف بين راى السلف والخلف مما لا يدع مجالا للنزاع والجدال، ولا سيما وقد قيد الخلف أنفسهم فى التأويل بجوازه عقلا وشرعا، بحيث لا يصطدم بأصل من اصول الدين».53
وقال الرازي فى كتابه (أساس التقديس) : ثم ان جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وان لم نجز التأويل فوضنا العلم بها الى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلى المرجوع اليه فى جميع المتشابهات، وبالله التوفيق».
(هـ) وخلاصة هذا البحث ان السلف والخلف قد اتفقا على ان المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تاويل فى الجملة.
واتفقا كذلك على ان كل تاويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز.
فانحصر الخلاف فى تاويل الألفاظ بما يجوز فى الشرع، وهو هين كما ترى، وليس موجبا للحيرة.
ولا مبعدا لشقة الخلاف بين المسلمين كما ادعى شترثمان.
وقد لجا بعض السلف الى التأويل، واثر ذلك عن الامام احمد بن حنبل رضى الله عنه.
والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.