مسئولية المفسرين
ان المسئولية الاولى عن هذه الاسرائيليات التي ملئت بها كتب التفسير، لا تقع على عاتق اهل الكتاب وحدهم كما هو قائم فى الأذهان، وانما تقع على عاتق الرواة والمدونين القدماء، سواء الذين رووا ودونوا اجوبة اهل الكتاب وشروحهم لاول مرة فى كتب لم تصل إلينا، او الذين دونوها فى الكتب التي وصلت إلينا نقلا عن الكتب المتقدمة.
وكلهم مفروض فيه القدرة على تمييز الغث من السمين، والباطل من الحق، والكذب من الصدق، وعلى لمح ما فى هذه الروايات من غلو ومبالغات لا يصح كثير منها فى عقل او منطق او واقع، ولا يؤيدها اثر صحيح.
ولا شك ان هناك مفسرين وقفوا من بعض هذه الروايات موقف المنكر الناقد، غير ان الحق يقتضينا ان نقول ان هذا لم يكن شاملا ولا عاما، وان الناقدين والمفكرين أنفسهم رووا كثيرا منها فى مناسبات كثيرة بدون نقد او انكار.
الدارس لكتب التفسير القديمة يجد بيانات مسهبة حول القصص والشخصيات والاعلام والاحداث القرآنية، معزوزة الى بعض اصحاب رسول الله وتابعيهم، من غير مسلمي اهل الكتاب: أمثال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابى هريرة، وابى ذر، وعبد الله بن جابر، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والضحاك وسعيد بن جبير، وزيد بن اسلم، وعطاء، وطاوس، وابن اسحق، وغيرهم. ويجد فى هذه البيانات اغرابا ومبالغة وخيالا وبعدا عن المنطق والعقل والإمكان. ومنها ما رووه بصيغة أحاديث نبوية غير واردة فى كتب الأحاديث المعتبرة، بحيث تكون تسمية البيانات جميعها بالاسرائيليات ليس صحيحا، وانما هو من قبيل التغليب. ومن هذه البيانات ما يدور حول قصص وشخصيات وأعلام واحداث قرآنية ليست واردة فى اسفار اهل الكتاب، وبخاصة اسفار العهد القديم، مثل قصص هود وقومه عاد فى الأحقاف، وتبع، وصالح وقومه ثمود فى الحجر، وشعيب وقومه فى مدين، واصحاب الايكة واهل الرس، ولقمان، وذى القرنين، واصحاب الكهف، وغير ذلك مما هو عربي او غير اسرائيلى بالاضافة الى البيانات التي تساق على هامش قصص ابراهيم عليه السلام، والتي لم تذكر فى الاسفار.74
والامثلة على هذا القصص لا حصر لها فى كتب التفسير، ومن ذلك ما يروى عن قتادة فى سياق إنشاء ابراهيم بيت الله مع إسماعيل75، من ان آدم حين هبط الى الأرض كان رأسه فى السماء ورجلاه فى الأرض، وانه طاف بالبيت فى مكة، ومد الله له فى خطوه فكان بين كل خطوتين مفازة، فطاف آدم بالبيت، وطاف به من بعده الأنبياء.76
ومن ذلك ما يروى عن السدى عن زيد بن اسلم فى سياق المناظرة بين ابراهيم عليه السلام والملك نمروذ.
وهذه القصة قد وردت فى تفسير مقاتل77، كما وردت فى تفسير ابن كثير78، وفيها ان الله سلط العوض على النمروذ وجنوده
وقت طلوع الشمس فلم يروا عين الشمس، وسلطها عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها فى منخري الملك فمكثت فيها اربعمائة سنة يعذبه الله بها، حتى كان يضرب رأسه بالمرزبة فى هذه المدة، ثم أهلكه الله بها.79
على ان هناك وجها آخر لهذه المسالة، فنحن لا نعتقد ان هذه البيانات العجيبة الغريبة سواء منها ما روى عن اصحاب رسول الله وتابعيهم من غير مسلمي اهل الكتاب، ام ما روى عن مسلمي اهل الكتاب، مخترعة من قبل الذين أوردوها جوابا عن سؤال او توضيحا لمسالة من المسائل او قصة من القصص، لان هذا يقتضى ان يكونوا جميعهم كذابين مفترين.
ونحن ننزههم عن ذلك، ونرجح ان هذه البيانات مما كان متداولا فى بيئتهم.
ومن المحتمل جدا ان تكون واردة فى كتب وقراطيس لم تصل إلينا.
كما ان من المحتمل ان بعضها كان من بعض الناس، ثم لفقوا لها الأسانيد.
وعلماء الحديث يذكرون ان من اسباب رفض الحديث ان يكون به علة قادحة تمنع من قبوله.. وكم فى هذه الاسرائيليات من شذوذ وعلل قادحة.
كثير من اخبار الأنبياء وقصصهم ورد ذكره فى القرآن، كما ورد فى كتب العهد القديم والجديد.
ومع ذلك انفرد القرآن باخبار عن بعض هؤلاء الأنبياء لم ترد فى الاسفار المتداولة اليوم، مثل المحاورة بين الله والملائكة فى صدد خلق آدم وخلافته.
وامر الله الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس وتخلف احد أبناء نوح عن الركوب فى السفينة وغرقه.
وتوبة آدم وقبول الله لها.
وقصص ابراهيم مع أبيه وقومه، واسكان ابراهيم بعض ذريته فى منطقة المسجد الحرام، وبنائه البيت هو وإسماعيل، وايمان سحرة فرعون.
ومؤمن آل فرعون، وصنع داود للدروع، وحكومة داود وسليمان فى الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، وتسخير الخيل والطير لداود، وتسخير الجن والريح والطير لسليمان، وبناء الجن له التماثيل والمحاريب، وغوصهم له، وتقييده إياهم بالاغلال، وقصة الهدهد وملكة سبا وعرشها، والصرح الممرد من القوارير، وإحضار الذي عنده العلم عرشها فى لمح البصر.
والجسد الملقى على عرشه والصافنات الجياد، ومائدة عيسى وكلامه فى المهد وغير ذلك بكثير.80
وقد وردت أشياء كثيرة فى القرآن مغايرة قليلا او كثيرا لما ورد فى الاسفار مثل نسبة صنع العجل للسامري فى القرآن بدلا من هارون فى الاسفار، وشق قميص يوسف وهمه بامراة العزيز، ومثل ما جاء مباينا للقرآن فى قصص يونس وأيوب وزكريا ومريم وأمها وغير ذلك كثير ايضا. (ونحن نرجح انه كانت هناك اسفار وقراطيس لم تصل إلينا فيها ما هو المتطابق مع ما جاء فى القرآن، وانه كان فى هذه الاسفار والقراطيس التي لم تصل إلينا كثير من البيانات التي تروى عن مسلمي اهل الكتاب، وعن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم من غير مسلمي اهل الكتاب. وفى الاسفار المتداولة اليوم إشارات الى اسفار كانت موجودة فى القديم ثم فقد تداولها فى هذه الأيام. من جملتها توراة موسى التي كتبها بيده، ودون فيها تبليغات الله تعالى ووصاياه، والألواح، ومدونة وصفت بالنشيد الرباني، واسفار عديدة اخرى: مثل اسفار ياشر وعدى واخيلو وشيلو، واخبار ايام كل ملك من ملوك إسرائيل ويهوذا.. إلخ، مما يمكن ان يكون مثالا يقاس عليه).81
وقد ذكر القرآن ان اليهود حرفوا التوراة82، وكتموا بعض ما انزل الله83، وأضافوا الى التوراة ما ليس منها84، وجحدوا ما انزل الله كفرا وعنادا، قال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً، وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.85