اهداف القرآن ومقاصده السامية
وقد انزل الله القرآن هدى ونورا لتصحيح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، وتشريع الأحكام، وتعليم المسلمين.
فمن آياته ما أبطل بعض عادات الجاهلية، مثل قوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
سورة المائدة: 103.13 ومن آياته ما نزل ردا على افتراء بعض اليهود مثل افتراء مَالِك بن الضيف اليهودي حين خاصمه عُمَر بن الخَطَّاب فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وذكر عمر أَنَّهُ مكتوب فِي التوراة، فغضب مَالِك فَقَالَ ما انزل الله على احد كتابا، وكان ربانيا فِي اليهود فعزلته اليهود عن الربانية14، فانزل الله عز وجل قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ سورة الانعام: 91.
ومنه ما فند دعوى الكافرين ورد على مسيلمة بن حبيب الكذاب الحنفي حين زعم ان الله اوحى اليه بالنبوة، فقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ.15
ومن آياته ما بين سماحة الإسلام ويسر تعاليمه وموافقته للفطرة السمحة، كقوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.16
قال المفسرون ومقاتل17: نزلت فِي عشر نفر منهم عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وعمر وابن مَسْعُود وعمار بن ياسر وعثمان بن مَظْعُون والمقداد بن الأسود وأَبُو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وحُذَيْفة بن اليمان وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة ورجل آخر، اجتمعوا فِي بيت عُثْمَان بن مظعون وذلك ان بعض الصحابة اتفقوا على ان يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم، ويترهبنوا ويجبوا المذاكير، فانزل الله الآية.
ومنه ما بين احكام العبادات كالصلاة والصيام والطهارة مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى18أَوْ عَلى سَفَرٍ... الآية).19
قال وقد نزلت فِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا حين أسقطت قلادتها وهي مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غزاة بني أنمار، وهم حي من قَيْس عيلان.20
وهناك حوادث فردية نادرة الحدوث كانت سببا فى نزول آيات من القرآن الكريم، حلالها وبيانا لامثالها.
مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ... سورة المائدة: 106. قال مقاتل21: نزلت فِي بديل بن أَبِي مارية مَوْلَى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافرا فِي البحر إلى أرض النجاشي ومعه رجلان نصرانيان أَحَدهمَا يسمى تميم بن أَوْس الداري وكان من لحم وعدي بن بندا، فمات بديل وَهُمْ فِي البحر فرمى
به فى البحر. وكان بديل قد كتب وصيته ثُمّ جعلها فِي متاعه ثُمّ دفعه إلى تميم وصاحبه وقَالَ لهما أبلغا هَذَا المتاع إلى أهلي فجاءا ببعض المتاع وحبسا جاما من فضة مموها بالذهب، فنزلت الآية.22
## نماذج تطبيقية من هدى القرآن وكثيرا ما تنزل آيات لتهذيب النفوس وتأديب المسلمين بأدب الإسلام فتكون الحادثة سببا فى إبراز أخلاق الإسلام العالية ودعوة المسلمين إليها بلا محاباة ولا مجاملة فى الحق.
كان لأحد المسلمين شهادة على أبيه23فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً سورة النساء: 135. ان الأخلاق السامية التي دعا إليها القرآن كانت نموذجا رائعا للخلق الكريم المتسامى على النفعية والانانية.
«هذا24يهودي يسمى زيد بن السمين يستودع طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس درعا من حديد، ثم يطلب اليهودي درعه من طعمة فيجحده طعمة، ويذهب قوم طعمة الى النبي صلى الله عليه وسلم فيبرئوا صاحبهم ويجادلوا عنه بالباطل، وقد صدقهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى انهم صدقوا.
ولكن القرآن نزل يدافع عن اليهودي ويتهم الأنصاري» رغم حرب اليهود للمسلمين وحملتهم المضلة على الإسلام، وذلك فى قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً.
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً.
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً.
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً.
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً.25