مناقشة نسخ هذه الآيات
وإذا امعنا النظر فى الآيات التي ادعى مقاتل انها منسوخة وجدنا كثيرا منها لا ينطبق عليه تعريف النسخ عند الأصوليين، وعذر مقاتل واضح فى ذلك، فقد جاء فى عصر مبكر7كان النسخ يطلق فيه على التخصيص والتقييد وبيان المبهم وتفصيل المجمل. (فقد كان الصحابة والتابعون يرون ان النسخ هو مطلق التغيير الذي يطرأ على بعض الأحكام فيرفعها ليحل غيرها محلها او يخصص ما فيها من عموم او يقيد ما فيها من اطلاق).8
## مناقشة المنسوخ بآية السيف ويكفى ان تعرف ان ست عشرة آية منسوخة عنده بآية السيف وليس فى هذه الآيات نسخ. بل هي مما امر به لسبب ثم زال سببه. فالله امر المسلمين بالصبر وعدم القتال، فى ايام ضعفهم وقلة عددهم، لعلة الضعف والقلة، ثم أمرهم بالجهاد فى ايام قوتهم وكثرتهم، لعلة القوة والكثرة. وأنت خبير بان الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وان انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا، بدليل ان وجوب الصبر والتحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما الى اليوم، وان وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك الى اليوم. وما احكم الزركشي فى تعليقه على هذا الموضوع بقوله: (وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين فى الآيات الآمرة بالتخفيف انها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ، بمعنى ان كل امر ورد يجب امتثاله فى وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة الى حكم آخر، وليس بنسخ انما النسخ الازالة حتى لا يجوز امتثاله ابدا).9
## راى أستاذي الدكتور مصطفى زيد فى المراد بآية السيف وقد جاء فى كتاب (النسخ فى القرآن) ان آية السيف تامر بقتل المشركين
حيث وجدوا، وباسر من لم يقتل منهم، وبحصارهم وتضييق الخناق عليهم. لكن من هم هؤلاء المشركون؟. (ان الآية السابقة واللاحقة تحدد انهم فريق خاص من المشركين. كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوه، وظاهروا عليه أعداءه. وقد برىء الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب ان لم يتوبوا عن كفرهم، ويؤمنوا بالله ربا واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا. (وهؤلاء المشركون اعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كل المشركين، بدليل قوله جل ثناؤه قبل آية السيف: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.10
(فليس قتال المشركين غاية فى ذاته، بل هو وسيلة لتأديب أئمة الكفر الذين طعنوا فى دين الله، وصدوا الناس عن سبيله، ونقضوا عهودهم مع رسول الله، وظاهروا عليه أعداءه، ونكثوا ايمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وبداوا المؤمنين بالقتال فى بدر).11
فقتالهم مقصود به كسر شوكتهم، وازالة جبروتهم وطغيانهم من طريق الدعوة الاسلامية، حتى تستطيع ان تصل الى آذان العرب جميعا.
(وانما شرع القتال فى الإسلام لتأمين الدعاة اليه، ولضمان الحرية التي تكفل لهم إبلاغ دعوته، ودرء الشبه عن عقيدته، بالمنطق السليم والحجة المقنعة.
ومن اجل هذا خص أئمة الكفر بالأمر بقتالهم، لأنهم يحولون بالقوة بين الدعاة والشعوب التي يجب ان تدعى.
فإذا ما هيئت للدعاة وسائل الدعوة فى امن وحرية فلا حرب ولا قتال)12؟