الذي فيه جزاء الأعمال وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ في سبيل الله قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ يعني واستغفار النبي- صلى الله عليه وسلم-، ويتخذ النفقة والاستغفار قربات يعني زلفى1عند الله فيها تقديم يقول أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ عند الله، ثم أخبر بثوابهم فقال: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ يعني جنته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ- 99- بهم.
نزلت في مقرن المزني»، ثم قال: وَالسَّابِقُونَ إلى الإسلام الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الذين صلوا إلى القبلتين علي بن أبي طالب- عليه السلام- وعشر نفر من أهل بدر وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ على دينهم الإسلام بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب وَأَعَدَّ لَهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهارُ يعني بساتين تجري تحتها الأنهار خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يموتون ذلِكَ الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- 100- وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ يعنى جهينة، مزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كانت منازلهم حول المدينة وهم منافقون، ثم قال: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ منافقون مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ يعني حذقوا منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، والجلاس، ومعتب بن قشير3، ووحوج بن الأسلت، وأبو عامر بن النعمان الراهب- الذي سماه النبي- صلى الله عليه وسلم- الفاسق4وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة- لا تَعْلَمُهُمْ يا محمد نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ يقول
للنبي- صلى الله عليه وسلم- لا تعرف نفاقهم نحن نعرف نفاقهم سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ عند الموت تضرب الملائكة الوجوه والأدبار وفي القبر منكر ونكير ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ- 101- يعني عذاب جهنم وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً يعني غزاة قبل غزاة تبوك مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وَآخَرَ سَيِّئاً تخلفهم عن غزاة تبوك نزلت في أبي لبابة: اسمه مروان بن عبد المنذر، وأوس بن حزام1، ووديعة بن ثعلبة، كلهم من الأنصار وذلك حين بلغهم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أقبل راجعا من غزاة تبوك وبلغهم ما أنزل الله- عز وجل- في المتخلفين أوثقوا أنفسهم هؤلاء الثلاثة إلى سواري المسجد2وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من غزاة صلى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل إلى أهله وإذا خرج إلى غزاة صلى ركعتين فلما رآهم موثقين سأل عنهم قيل هذا أبو لبابة وأصحابه ندموا على التخلف وأقسموا ألا يحلوا3أنفسهم حتى يحلهم النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: وأنا أحلف لا أطلق4عنهم حتى أومر ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله- عز وجل- فأنزل الله فى أبى لبابة [160 أ] وأصحابه وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً يعني غزوتهم قبل ذلك وَآخَرَ سَيِّئاً يعني تخلفهم بغير إذن عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لتخلفهم رَحِيمٌ- 102- بهم.
قال مُقَاتِل: العسى من الله واجب فلما نزلت هذه الآية حلهم النبي- عليه السلام- فرجعوا إلى منازلهم ثم جاءوا بأموالهم إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: هذه أموالنا التي تخلفنا من أجلها عنك فتصدق بها فكره النبي- صلى الله عليه وسلم- «أن1يأخذها» فأنزل الله خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ من تخلقهم وَتُزَكِّيهِمْ يعنى وتصلحهم بِها وَصَلِّ2عَلَيْهِمْ يعني واستغفر لهم إِنَّ صَلاتَكَ3سَكَنٌ لَهُمْ يعني إن استغفارك لهم، سكن لقلوبهم وطمأنينة لهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم خذ أموالنا فتصدق بها عَلِيمٌ- 103- بما قالوا.4
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ يعني ويقبل الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ- 104- فأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- من أموالهم التي جاءوا بها للثلث، وترك الثلثين لأن الله- عز وجل- قال: خذ من أموالهم، ولم يقل خذ أموالهم.
فلذلك لم يأخذها كلها، فتصدق بها عنهم وَقُلِ لهم يا محمد اعْمَلُوا فيما تستأنفون فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ5وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
- 105- وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ يعني التوبة عن أمر الله نظيرها «أَرْجِهْ وَأَخاهُ»1يعني أوقفه2وأخاه حتى ننظر في أمرهما، «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ» يعني موقوفون للتوبة عن أمر الله مرارة بن ربيعة من بني زيد، وهلال بن أمية من الأنصار من أهل قباء من بني واقب،3وكعب بن مالك الشاعر من بني سلمة كلهم من الأنصار من أهل قباء، لم يفعلوا كفعل أبي لبابة لم يذكروا بالتوبة ولا بالعقوبة فذلك قوله: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فيتجاوز عنهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- 106- في قراءة ابن مسعود «والله غفور رحيم» ثم قال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً يعني مسجد المنافقين وَكُفْراً في قلوبهم يعني النفاق وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ نزلت في اثني عشر رجلا من المنافقين وهم من الأنصار كلهم من بني عمرو4بن عوف منهم: حرح5بن خشف، وحارثة بن عمرو6، وابنه زيد بن حارثة، ونفيل بن الحرث7، ووديعة بن ثابت، وحزام8بن خالد9، ومجمع بن حارثة، قالوا: نبني مسجدا نتحدث فيه وتخلوا فيه فإذا رجع أبو عامر الراهب10
اليهودي من الشام أبو حنظلة- غسيل الملائكة، قلنا له: بنيناه لتكون إمامنا فيه فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ يعني أبا عامر الذي كان يسمى الراهب لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين لدعوة النبي- صلى الله عليه وسلم-، وأنهم أتوا النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يبعد علينا المشي [160 ب] إلى الصلاة «فأذن لنا في بناء مسجد فأذن لهم1ففرغوا» منه يوم الجمعة فقالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم-: من يؤمهم؟ قال رجل منهم.
فأمر مجمع بن حارثة أن يؤمهم فنزلت هذه الآية وحلف مجمع ما أردنا ببناء المسجد إلا الخير فأنزل الله- عز وجل- في مجمع وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- 107- فيما يحلفون لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً يعني في مسجد المنافقين، إلى الصلاة أبدا فكان النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يصلي فيه ولا يمر عليه ويأخذ غير ذلك الطريق وكان قبل ذلك يصلي فيه ثم قال: لَمَسْجِدٌ يعني مسجد قباء وهو أول مسجد بني بالمدينة أُسِّسَ يعني بني عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يعني أول مرة أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ إلى الصلاة لأنه كان بني من قبل مسجد المنافقين، ثم قال: فِيهِ رِجالٌ يعني فى مسجد قباء يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا من الأحداث والجنابة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ- 108- نزلت في الأنصار فلما نزلت هذه الآية انطلق النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى قام على باب مسجد قباء وفيه المهاجرون والأنصار.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لأهل المسجد: أمؤمنون أنتم؟ فسكتوا فلم يجيبوه.
ثم قال ثانية: أمؤمنون أنتم؟ قال عمر
ابن الخطاب: نعم.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: أتؤمنون بالقضاء؟ قال عمر: نعم.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: أتصبرون على البلاء؟ قال عمر: نعم.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: أتشكرون على الرخاء؟ فقال عمر: نعم.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: أنتم مؤمنون ورب الكعبة.
وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- للأنصار: إن الله- عز وجل- قد أثنى عليكم في أمر الطهور.
فماذا تصنعون؟ قالوا: نمر الماء على أثر البول والغائط فقرأ النبي- صلى الله عليه وسلم- هذه الآية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ثم إن مجمع بن حارثة1حسن إسلامه فبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة يعلمهم القرآن وهو علم عبد الله بن مسعود لقنه2القرآن أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ يعني مسجد قباء عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ يقول مما يراد فيه من الخير ورضى الرب خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ أصل بنيانه عَلى شَفا جُرُفٍ يعني على حرف ليس له أصل هارٍ يعني وقع فَانْهارَ بِهِ فجر به القواعد فِي نارِ جَهَنَّمَ يقول صار البناء إلى نار جهنم وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- 109- فلما فرغ القوم من بناء المسجد استأذنوا النبي- صلى الله عليه وسلم- في القيام في ذلك المسجد، وجاء أهل مسجد قباء.
فقالوا: يا رسول الله، إنا نحب أن تأتى مسجدنا فتصلي فيه حتى نقتدي بصلاتك فمشى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه وهو يريد مسجد قباء فبلغ ذلك المنافقون فخرجوا يتلقونه فلما بلغ المنتصف3
نزل جبريل بهذه الآية أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ [161 أ] يعني أهل مسجد قباء أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ فلما قالها جرف نظر النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد «حتى تهور1» في السابعة فكاد يغشى على النبي- صلى الله عليه وسلم- وأسرع الرجوع إلى موضعه وجاء المنافقون يعتذرون بعد ذلك فقبل علانيتهم ووكل سر أثرهم إلى الله- عز وجل- فقال الله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ يعني حسرة وحزازة في قلوبهم لأنهم ندموا على بنائه إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ يعني حتى الممات وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- 110- فبعث النبي- صلى الله عليه وسلم- عمار بن ياسر، ووحشي مولى المطعم بن عدى فخرفاه فخسف به في نار جهنم وأمر أن يتخذ كناسة ويلقي فيه الجيف، وكان مسجد قباء في بني سالم، وبني بعد هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم- بأيام، ثم رغب الله في الجهاد فقال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ يعني بقية آجالهم وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ العدو وَيُقْتَلُونَ ثم يقتلهم العدو وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا حتى ينجز لهم ما وعدهم يعني ما ذكر من وعدهم في هذه الآية وذلك أن الله عهد إلى عباده أن من قتل في سبيل الله فله الجنة ثم قال: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فليس أحدا أوفى منه عهدا، ثم قال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ الرب بإقراركم وَذلِكَ الثواب هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- 111- يعني النجاء العظيم يعني الجنة، ثم نعت أعمالهم فقال: التَّائِبُونَ من الذنوب
الْعابِدُونَ يعني الموحدين الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ يعني الصائمين الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ في الصلاة المكتوبة الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يعني بالإيمان بتوحيد الله وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى عن الشرك وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ يعني ما ذكر في هذه الآية لأهل الجهاد وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ- 112- يعني الصادقين بهذا الشرط بالجنة مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ إلى آخر الآية، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- سأل بعد ما افتتح مكة: أي أبويه أحدث به عهدا؟ قيل له: أمك آمنة بنت وهب بن عبد مناف.
قال: حتى أستغفر لها فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك.
فهم النبي- صلى الله عليه وسلم- بذلك فأنزل الله- عز وجل-: «ما كانَ لِلنَّبِيِّ» يعني ما ينبغي للنبي «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما كانوا1كافرين ف تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ- 113- حين ماتوا على الكفر نزلت في محمد- صلى الله عليه وسلم-، وعلي بن أبي طالب- عليه السلام2- فقد استغفر إبراهيم لأبيه وكان كافرا فبين الله كيف كانت هذه الآية فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ وذلك أنه كان [161 ب] وعد أباه أن يستغفر له فلذلك استغفر له فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ لإبراهيم أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ حين مات كافرا لم يستغفر له وتَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ يعنى لموقن بلغة الحبشة
حَلِيمٌ- 114- يعني تقي زكي وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ وذلك أن الله أنزل فرائض فعمل بها المؤمنون ثم نزل بعدُ ما نسخ به الأمر الأول فحولهم إليه، وقد غاب أناس لم يبلغهم ذلك فيعملوا بالناسخ بعد النسخ وذكروا ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا نبي الله، كنا عندك والخمر حلال والقبلة إلى بيت المقدس ثم غبنا عنك فحولت القبلة ولم نشعر بها فصلينا إليها بعد التحويل والتحريم.
وقالوا1: ما ترى يا رسول الله.
فأنزل الله- عز وجل- «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ» المعاصي.
يقول ما كان الله ليترك قوما حتى يبين لهم ما يتقون حين رجعوا من الغيبة وما يتقون من المعاصي إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- 115- من أمرهم بنسخ ما يشاء من القرآن فيجعله منسوخا ويقر ما يشاء فلا ينسخه.
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ الأحياء وَما لَكُمْ معشر الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني من قريب بنفسكم وَلا نَصِيرٍ- 116- يعني ولا مانع لقول الكفار إن القرآن ليس من عند الله إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه نظيرها في البقرة «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ... » إلى آخر الآية-: «أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ2» لَقَدْ تابَ اللَّهُ يعني تجاوز الله عنهم عَلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ يعنى غزاة تبوك وأصاب
المسلمين جهد وجوع شديد فكان الرجلان والثلاثة يعتقبون بعيرا سوى ما عليه1من الزاد، وتكون التمرة بين الرجلين والثلاثة يعمد أحدهم إلى التمرة فيلوكها ثم يعطيها الآخر فيلوكها ثم يراها آخر فيناشده أن يجهدها ثم يعطيها إياه مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ2يعنى تميل قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يعني طائفة منهم إلى المعصية ألا ينفروا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى غزاة تبوك فهذا التجاوز الذي قال الله: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ3وَالْأَنْصارِ» ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يعنى تجاوز عنهم إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- 117- يعني يرق لهم حين تاب عليهم، يعني أبا لبابة وأصحابه ثم ذكر الذين خلفوا عن التوبة.
فقال4: وَتاب الله عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عن التوبة بعد أبي لبابة وأصحابه وهم ثلاثة5مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك، ولم يذكر توبتهم ولا عقوبتهم وذلك أنهم6لم يفعلوا كفعل أبي لبابة وأصحابه فلم ينزل فيهم شيء شهرا فكان الناس لا يكلمونهم، ولا يخالطونهم [162 أ]، ولا يبايعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يكلمهم أهلهم، فضاقت عليهم الأرض فأنزل الله- عز وجل- فيهم بعد شهور أو شهر وَتاب أيضا «عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا»
عن التوبة يعني بعد أبي لبابة، وهم1مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يقول ضاقت الأرض بسعتها لأنه لم يخالطهم أحد وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ يعني وأيقنوا ألا حرز من الله إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا يعني تجاوز عنهم لكي يتوبوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ على من تاب الرَّحِيمُ- 118- بهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله- عز وجل- اتَّقُوا اللَّهَ ولا تعصوه في الهجرة وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ- 119- في إيمانهم وقد2أخبر عن الصادقين فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.3
ثم ذكر المؤمنين الذين لم يتخلفوا عن غزاة تبوك فقال: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عن غزاة تبوك وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ يعني عطشا4وَلا نَصَبٌ يعني ولا مشقة في أجسادهم وَلا مَخْمَصَةٌ يعني الجوع والشدة فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً من سهل ولا جبل
يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ1من عدوهم نَيْلًا من قتل فيهم أو غارة عليهم إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- 120- يعني جزاء «المحسنين2» ولكن يجزيهم بإحسانهم وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً فى سبيل الله صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً يعني قليلا ولا كثيرا وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً من الأودية مقبلين ومدبرين إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما يعني الذي كانُوا يَعْمَلُونَ- 121- وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وذلك أن الله عاب في القرآن من تخلف عن غزاة تبوك فقالوا: لا يرانا الله أن نتخلف عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غزاته، ولا في بعث3سرية، فكان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا بعث سرية رغبوا فيها رغبة في الأجر فأنزل الله- عز وجل- وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ يعنى ما ينبغي لهم لِيَنْفِرُوا إلى عدوهم كَافَّةً يعني جميعا فَلَوْلا نَفَرَ يعني فهلا نفر مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ يعني من كل عصبة منهم طائِفَةٌ وتقيم طائفة مع النبي- صلى الله عليه وسلم- فيتعلمون ما يحدث الله- عز وجل- على نبيه- صلى الله عليه وسلم- من أمر، أو نهي، أو سنة، فإذا رجع هؤلاء الغيب تعلموا من إخوانهم المقيمين فذلك قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يعنى المقيمين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ يعنى وليحذروا [162 ب] إخوانهم إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ من غزاتهم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ- 122- يعني لكي يحذروا المعاصي التي عملوا بها قبل النهى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالله- عز وجل- قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
يعنى الأقرب فالأقرب وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يعني شدة عليهم بالقول وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ- 123- في النصر لهم على عدوهم وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ على النبي- صلى الله عليه وسلم- فَمِنْهُمْ من المنافقين مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً يعنى تصديقا، مع تصديقهم بما أنزل الله- عز وجل- من القرآن من قبل هذه السورة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ- 124- بنزولها وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الشك في القرآن وهم المنافقون فَزادَتْهُمْ السورة رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ يعني إثما إلى إثمهم يعني نفاقا مع نفاقهم الذي هم عليه قبل ذلك وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ- 125- ثم أخبر عن المنافقين فقال: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا فيما لا يحل لهم وإذا أتوا النبي- صلى الله عليه وسلم- أخبرهم بما تكلموا به في الخلاء فيعلمون أنه نبي رسول ثم يأتيهم الشيطان فيحدثهم أن محمدا إنما أخبركم بما قلتم لأنه بلغه عنكم فيشكون فيه فذلك قوله: يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فيعرفون أنه نبي، وينكرون أخرى يقول الله: ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ- 126- فيما أخبرهم النبي- صلى الله عليه وسلم- بما تكلموا به فيعرفوا ولا يعتبروا.
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ المنافقون بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يسخرون بينهم1يعني يتغامزون فقالوا: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ انْصَرَفُوا عن الإيمان بالسورة، يقول: أعرضوا عن الإيمان بها صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان بالقرآن بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
- 127- لَقَدْ جاءَكُمْ يا أهل مكة رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ تعرفونه ولا تنكرونه عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ يقول يعز1عليه ما أثمتم «في دينكم2» حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالرشد والهدى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- 128- يعني يرق لهم رحيم بهم يعني حين يودهم: كقوله3الرأفة يعني الرقة والرحمة يعني مودة بعضكم لبعض، كقوله رُحَماءُ بَيْنَهُمْ4يعنى متوادين.
فَإِنْ تَوَلَّوْا عنك يعني فإن لم يتبعوك على الإيمان يا محمد فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني به واثق وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ- 129- يعنى بالعظيم العرش نزلت هاتان الآيتان بمكة، وسائرها بالمدينة.
(10) سورة يونس مكّيّة وآياتها تسع ومائة