الدّين فلو لَمْ يرخص للمريض والمسافر كان عسرا [29 أ] ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ يعني تمام الأيام المعدودات وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ يعني لكي تعظموا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ من أمر دينه وَلَعَلَّكُمْ يعني لكي تَشْكُرُونَ- 185- ربكم فِي هَذِهِ النعم إذ هداكم لأمر دينه، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وذلك أَنَّهُ كان فِي الصوم الأول أن الرَّجُل إذا صلى العشاء الآخرة أو نام قبل أن يصليها حرم عَلَيْه الطعام والشراب والجماع كَمَا يحرم بالنهار عَلَى الصائم ثُمّ إن عُمَر بن الخَطَّاب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- صلى العشاء الآخرة ثُمّ جامع امرأته1فَلَمَّا فرغ
ندم وبكا فَلَمَّا أصبح أتى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأخبره، فَقَالَ: يا نَبِيّ اللَّه، إني أعتذر إلى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ثُمّ إليك من نفسي هَذِهِ الخاطئة واقعت أهلي بعد الصَّلاة، فهل تجد لي رخصة، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَمْ تك جديرا بِذَلِك يا عُمَر، فرجع حزينا: ورأى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صرمة بن أنس بن صرمة بن مَالِك من بني عَدِيّ بن النَّجّار1عِنْد العشاء، فَقَالَ النَّبِيّ- صلى اللَّه عَلَيْه وسلم-: يا أبا قَيْس، مَالِك طليحا، فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، ظللت2أمس فِي حديقتي فَلَمَّا أمسيت أتيت أهلي، وأرادت المرأة أن تطعمني شيئًا سخنا، فأبطأت3علي بالطعام، فرقدت فأيقظتني وَقَدْ حرم عَلَي الطعام، فأمسيت وَقَدْ أجهدني الصوم.
واعترف رجال من الْمُسْلِمِين عِنْد ذَلِكَ بما كانوا يصنعون بعد العشاء فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ4أَي فأعلمهم أني قريب منهم فى
الاستجابة أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة وَلْيُؤْمِنُوا بِي يعني وليصدقوا بي فَإِنِّي1قريب سريع الإجابة أجيبهم لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ- 186- يعني لكي يهتدون، ثم قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ رخصة للمؤمنين بعد صنيع عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- الرَّفَثُ يعني الجماع إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ يَقُولُ هن سكن لَكُمْ وأنتم سكن لهن عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ يعني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فِي جماع امرأته فَتابَ عَلَيْكُمْ يعني فتجاوز عنكم وَعَفا عَنْكُمْ قوله سُبْحَانَهُ-: تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ بالمعصية نظيرها فَخانَتاهُما2فخالفتاهما يعني بالمعصية.
وكقوله- سُبْحَانَهُ-: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ3يعني عَلَى معصية وَعَفا عَنْكُمْ يَقُولُ ترككم فلم يعاقبكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يعني جامعوهن من حيث أحللت لَكُم الجماع الليل كله وَابْتَغُوا من نسائكم ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ من الولد يعني واطلبوا ما قضى لَكُمْ وأنزل فِي صرمة بن أنس وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [29 ب] حَتَّى يتبين لَكُمْ وجه الصبح، يعني بياض النهار من سواد الليل مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ والخيط الأبيض يعني أول بياض الصبح: الضوء المعترض قبل المشرق، والخيط الأسود أول سواد الليل وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ نزلت فِي عَلِيّ بْن أبي طَالِب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- وعمار بن ياسر، وأبي عُبَيْدة بن الجراح، كان أحدهم يعتكف فإذا أراد الغائط من السحر رجع إلى أهله بالليل، فيباشر ويجامع امرأته ويغتسل ويرجع إلى المسجد، فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ يقول
لا تجامعوا النساء ليلا ولا نهارا ما دمتم معتكفين.
ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ المباشرة تِلْكَ معصية اللَّه فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ1يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ يعني أمره لِلنَّاسِ وأمر الاعتكاف لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَّقُونَ- 187- المعاصي فِي الاعتكاف وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني ظلما وذلك أن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الْحَضْرَمِيّ اختصما فِي أرض فكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب فلم يَكُنْ لعبدان بينة وأراد امرؤ القيس أن يحلف، فقرأ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا2يعني عرضا يسيرا من الدُّنْيَا إلى آخر الآية فَلَمَّا سمعها امرؤ القيس كره أن يحلف3وَلَم يخاصمه فِي أرضه وحكمه فِيهَا فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ يَقُولُ لا يدلين أحدكم بخصومة فِي استحلال مال أَخِيهِ، وَهُوَ يعلم أَنَّهُ مبطل.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً يعني طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- 188- أنكم تدعون الباطل فَقَالَ النَّبِيّ- صلى اللَّه عَلَيْه وسلم-: إِنَّمَا أَنَا بشر مثلكم، فلعل بعضكم أَعْلَم بحجته، فأقضى لَهُ وَهُوَ مبطل، ثُمّ قَالَ- عَلَيْه السَّلام-: أيما رَجُل قضيت لَهُ بمال امرئ مُسْلِم.
فَإِنَّمَا هِيَ قطعة من نار جهنم أقطعها فلا تأكلوها.
قوله- سبحانه-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ نزلت فِي مُعَاذ بن جبل، وثعلبة بن غَنْمة وهما من الأَنْصَار فَقَالَ مُعَاذ: يا رَسُول اللَّهِ، ما بال الهلال
يبدو مثل الخيط ثُمّ يَزِيد حَتَّى يمتلئ فيستوي ثُمّ لا يزال ينقص حَتَّى يعود كما بدأ1فأنزل الله- عز وجل- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ فِي أجل دينهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم والشروط التي بينهم إلى أجل.
ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَالْحَجِّ يَقُولُ وقت حجهم والأهلة مواقيت لهم.
وذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وذلك أن الأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام كانوا إذا [30 أ] أحرم أحدهم بالحج أَوْ بالعمرة، وَهُوَ من أَهْل المدن وَهُوَ مقيم فِي أهله لَمْ يدخل منزله من باب الدار، وَلَكِن يوضع لَهُ سلم إلى ظهر البيت فيصعد فِيهِ، وينحدر منه أَوْ يتسور من الجدار، وينقب بعض بيوته، فيدخل منه ويخرج منه، فلا يزال كذلك حَتَّى يتوجه إلى مكة محرما.
وإذا كان من أهل الوبر دخل وخرج من وراء بيته وأن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دخل يومًا نخلا لبني النجار، ودخل معه قطبة بن عامر ابن حديدة» الْأَنْصَارِيّ من بني سَلَمَة3بن جشم من قبل الجدار، وَهُوَ محرم فَلَمَّا خرج النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الباب وَهُوَ محرم خرج قطبة من الباب.
فَقَالَ رَجُل هَذَا قطبة خرج من الباب وَهُوَ محرم فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ-: مَا حملك أن تخرج من الباب وأنت محرم.
قال: يا نبى رأيتك خرجت من الباب وأنت محرم فخرجت معك، وديني دينك.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم-:
خرجت لأني من أحمس.
فَقَالَ قطبة للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إن كُنْت أحمسيا فَإِنِّي أحمسي1، وَقَدْ رضيت بهديك2ودينك، فاستننت بسنتك.
فأنزل اللَّه فِي قول قطبة بن عامر للنبي- صلى الله عليه وسلم- لَيْسَ الْبِرُّ يعني التقوى بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى اللَّه واتبع أمره ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه يحذركم (لَعَلَّكُمْ).
يَقُولُ لكي تُفْلِحُونَ- 189- والحمس قريش، وكنانة، وخزاعة وعامر بن صَعْصَعَة، الَّذِين لا يسلون السمن3وَلا يأكلون الأقط ولا يبنون الشعر والوبر.
وقوله- سُبْحَانَهُ-: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وذلك أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- نهى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والمؤمنين عن الشهر الحرام أن يقاتلوا فِي الحرم إِلَّا أن يبدأهم المشركون بالقتال، وأن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بينا هُوَ وأصحابه معتمرون إلى مكة فِي ذِي القعدة، وهم محرمون عام الحديبية، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة رَجُل.
فصدهم مشركو مكة عن المسجد الحرام وبدأوهم بالقتال، فرخص اللَّه فِي القتال.
فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا فتبدءوا بقتالهم فِي الشهر الحرام وَفِي الحرم فَإنَّهُ عدوان إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- 190- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني أَيْنَ أدركتموهم فِي الحل والحرم وَأَخْرِجُوهُمْ من مكة مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعني من مكة وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [30 ب]
يعني الشرك أعظم1عِنْد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- جرما من القتل نظيرها أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا2يعني فِي الكفر وقعوا فَلَمَّا نزلت وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بعد وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني أرض الحرم كله فنسخت هَذِهِ الآية3ثُمّ رخص لهم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ يعني حَتَّى يبدءوا4بقتالكم فِي الحرم فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ- 191- إن بدأوا بالقتال فِي الحرم أن يقاتلوا فِيهِ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم ووحدوا ربهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لشركهم رَحِيمٌ- 192- بهم فِي الْإِسْلام. نظيرها فِي الأنفال وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ إلى آخر الآية.5
ثم قال: وَقاتِلُوهُمْ أبدا حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ يَقُولُ حَتَّى لا يَكُون6فيهم شرك فيوحدوا ربهم وَلا يعبدوا غيره يعني مشركي العرب خاصة وَيَكُونَ يعني ويقوم الدِّينُ لِلَّهِ فيوحدوه وَلا يعبدوا غيره فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك ووحدوا ربهم فَلا عُدْوانَ يعني فلا سبيل إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ- 193- الَّذِين لا يوحدون ربهم نظيرها فِي القصص فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ7يعني فلا سبيل علي.8
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين ساروا إلى مكة محرمين بعمره، ومن كان معه عام الحديبية، لست
سنين من هجرته إلى المدينة.
فصدهم مشركو مكة.
وأهدى1أربعين بدنة «ويُقَالُ مائة بدنة»2فردوه وحبسوه شهرين لا يصل إلى البيت وكانت بيعة الرضوان عامئذ فصالحهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أن ينحر الهدي مكانه فِي أرض الحرم ويرجع فلا يدخل مكة، فإذا كان العام المقبل خرجت قريش من مكة وأخلوا لَهُ مكة ثلاثة أيام.
لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِين3سلاح إِلَّا في غمده فرجع النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمّ توجه من فوره ذَلِكَ إلى خيبر، فافتتحها فِي المحرم ثُمّ رجع إلى المدينة فَلَمَّا كان العام المقبل.
وأحرم النبي (ص) وأصحابه بعمرة4فِي ذِي القعدة وأهدوا ثُمّ أقبلوا من المدينة فأخلى5لهم المشركون مكة ثلاثة أيام.
وأدخلهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- مكة فقضوا عمرتهم ونحروا البدن فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- الشَّهْرُ الْحَرامُ الَّذِي دخلتم فِيهِ مكة هَذَا العام بِالشَّهْرِ الْحَرامِ يعني الَّذِي صدوكم فِيه العام الأول وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يعني اقتصصت لك منهم فِي الشهر الحرام يعني فِي ذِي القعدة كَمَا صدوكم فِي الشهر الحرام وذلك أنهم فرحوا وافتخروا حين صدوا النَّبِيّ- صلى اللَّه عَلَيْه وسلم- عن المسجد الحرام، فأدخله اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- من قابل، ثُمّ6قَالَ سُبْحَانَهُ: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ وذلك أن أصحاب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- أهلوا إلى مكة محرمين بعمرة
فخافوا ألا يفي لهم المشركون بدخول المسجد الحرام وأن يقاتلوهم عنده1فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فقاتلكم فِي الحرم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ يَقُولُ فقاتلوهم فِيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فِيهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني الْمُؤْمِنِين وَلا تبدءوهم بالقتال فِي الحرم فَإِن بدأ المشركون فقاتلوهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ2فِي النصر مَعَ الْمُتَّقِينَ- 194- الشرك فخبرهم أنه ناصرهم.
قوله- سبحانه: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين ساروا من المدينة إلى مكة محرمين بعمرة فِي العام الَّذِي أدخله اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- مكة، فَقَالَ ناس من العرب منازلهم حول المدينة: والله مالنا زاد، وما يطعمنا أحد، فأمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالصدقة عليهم.
فَقَالَ سُبْحَانَهُ-:3وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَي وَلا تكفوا أيديكم عن الصدقة فتهلكوا.
وقَالَ رَجُل من الفقراء: يا رسول اللَّه ما نجد ما نأكل، فبأي شيء نتصدق.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ4فَإِن أمسكتم عَنْهَا فهي التهلكة.
وَأَحْسِنُوا النفقة فِي سبيل اللَّه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- 195- يعني من أحسن فِي أمر النفقة فِي طاعة الله.
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ5من المواقيت وَلا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم.
فريضتان واجبتان.
ويُقَالُ العمرة هِيَ الحج الأصغر، وتمام الحج والعمرة المواقيت والإحرام خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدُّنْيَا وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يشركون فِي إحرامهم.
فأمر1اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والمسلمين أن يتموهما للَّه فَقَالَ2: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَهُوَ ألّا يخلطوهما3بشيء ثُمّ خوفهم أن يستحلوا4منهما ما لا ينبغي5فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- فِي آخر الآية وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ6فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقول فإن حسبتم كقوله- سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ7اللَّهِ يعني حبسوا.
نظيرها أيضا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً8يعني محبسا.
يَقُولُ إن حبسكم فِي إحرامكم بحج أَوْ بعمرة كسر» أَوْ مرض أَوْ عدو عن المسجد الحرام فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يعني فليقم محرما مكانه ويبعث ما استيسر من الهدى أَوْ بثمن الهدى فيشتري لَهُ الهدى.
فإذا نحر الهدى عَنْهُ فَإنَّهُ يحل من إحرامه مكانه.
ثُمّ قَالَ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ فى الإحرام حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ يعني حَتَّى يدخل الهدى مكة، فإذا نحر الهدى حل من إحرامه فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً10وذلك أن كَعْب بن عُجْرة الْأَنْصَارِيّ كان محرما بعمرة عام الحديبية فرأى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مقدم رأسه قملا كثيرًا، فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-[31 ب] : يا كَعْب، أيؤذيك هوام رأسك.
قَالَ:11نعم، يا نبى الله.
فأمره رَسُول اللَّهِ1- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يحلق.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي كعب فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فحلق رأسه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ2فعليه فدية صيام ثلاثة أيام إن شاء متتابعا وإن شاء متقطعا أَوْ صَدَقَةٍ عَلَى ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة أَوْ نُسُكٍ يعني شاة أَوْ بقرة أَوْ بعيرا ينحره ثُمّ يطعمه المساكين بمكة، وَلا يأكل منه، وَهُوَ بالخيار إن شاء ذبح شاة أَوْ بقرة أَوْ بعيرا.
فأما كَعْب فذبح بقرة فَإِذا أَمِنْتُمْ من الحبس من العدو عن البيت الحرام فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يَقُولُ وَهُوَ يريد الحج فَإِن دخل مكة وَهُوَ محرم بعمرة فِي غرة3شوال، أَوْ ذِي القعدة، أَوْ فِي عشر من ذِي الحجة فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ4يعني شاة فَمَا فوقها يذبحها5فيأكل منها ويطعم.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة، وسلمان، وأَبُو العرباض للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنا لا نجد الهدي، فلنصم ثلاثة أيام.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فليصم فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ فِي عشر الأضحى فِي أول يَوم من العشر إلى يَوْم عرفة فَإِن كان يوم عرفة يوم الثالث تَمَّ صومه ثُمّ قَالَ وَسَبْعَةٍ6يعني ولتصوموا سبعة أيام إِذا رَجَعْتُمْ من منى إلى أهليكم تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ فَمنْ شاء صام فِي الطريق ومن7شاء صام فِي أهله إن شاء متتابعا، وإن شاء متقطعا، ثُمّ قَالَ: ذلِكَ التمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- 196- يعني من لَمْ يَكُنْ منزله فِي أرض الحرم كله فمن كان
أهله فِي أرض الحرم فلا متعة عَلَيْه وَلا صوم.
ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ يَقُولُ من أحرم بالحج فليحرم فِي شوال أَوْ فِي ذِي القعدة1أَوْ فِي عشر ذِي الحجَّة فَمنْ أحرم فِي سوى هَذِهِ الأشهر فقد أخطأ السنة، وليجعلها عَمْرَة، ثُمّ قَالَ: فَمَنْ فَرَضَ يَقُولُ فَمنْ أحرم فِيهِنَّ الْحَجَّ2أَي الحج فَلا رَفَثَ يعني فلا جماع.
كقوله- سُبْحَانَهُ- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ يعني الجماع إِلى نِسائِكُمْ3وَلا فُسُوقَ يعني ولا سباب وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ4يعني وَلا مراء كقوله- سُبْحَانَهُ-: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ5يعني ما يماري حَتَّى يغضب وَهُوَ محرم، أَوْ يغضب صاحبه وَهُوَ محرم، فَمنْ فعل ذَلِكَ فليطعم مسكينا، وذلك أن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر فِي حجة الوداع فَقَالَ: من6لَمْ يَكُنْ معه هدى، فليحل من إحرامه، وليجعلها عَمْرَة، فقالوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنا أهللنا بالحج فذلك جدالهم للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يعنى مما نهى [32 أ] من ترك7الرفث والفسوق والجدال يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجزيكم به ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى8وذلك أن ناسا من أَهْل اليمن وَغَيْرُهُمْ كانوا يحجون
بغير زاد وكانوا يصيبون من أَهْل الطريق ظلما فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَتَزَوَّدُوا من الطعام ما تكفون به وجوهكم عن الناس وطلبهم وخير الزاد التقوى.
يَقُولُ اللَّه- تبارك اسمه- التقوى خير زاد من غيره، وَلا تظلمون من تمرون عَلَيْه وَاتَّقُونِ وَلا تعصون يا أُولِي الْأَلْبابِ- 197- يعنى يا أهل اللُّبِّ والعقل فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: تزودوا ما تكفون به
وجوهكم عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يحجون منهم الحاج والتاجر فَلَمَّا أسلموا قَالُوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ تقوم قبل الحج وبعد الحج فهل يصلح لنا البيع والشراء1في أيام حجنا قبل الحج وبعد الحج، فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فى مواسم الحج يعنى النجارة فرخص اللَّه- سُبْحَانَهُ- فِي التجارة فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بعد غروب فَاذْكُرُوا اللَّهَ تِلْكَ الليلة عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ فإذا أصبحتم يعني بالمشعر حيث يبيت الناس بالمزدلفة فاذكروا اللَّه وَاذْكُرُوهُ2كَما هَداكُمْ لأمر دينه وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل أن يهديكم لدينه لَمِنَ الضَّالِّينَ- 198- عن الهدى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وذلك الحمس، قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعه كانوا يبيتون بالمشعر الحرام، وَلا يخرجون من الحرم خشية أن يقتلوا وكانوا لا يقفون بعرفات: فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات فَقَالَ لهم: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني رَبِيعَة، واليمن كانوا يفيضون منْ عرفات قبل غروب الشمس، ويفيضون من جمع3إذا طلعت الشمس فخالف النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- فى الإفاضة وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوب الْمُؤْمِنِين رَحِيمٌ- 199- بهم فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ بعد أيام التشريق فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا فرغوا من المناسك وقفوا بين مَسْجِد منى وبَيْنَ الجبل يذكر كل واحد منهم أباه
ومحاسنه ويذكر صنائعه1فِي الجاهلية أَنَّهُ كان من أمره كذا وكذا، ويدعو لَهُ بالخير.
فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [32 ب] كذكر2الأبناء الآباء فَإِنِّي أَنَا فعلت ذَلِكَ الخير إلى آبائكم الَّذِين تثنون عليهم ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ-: أَوْ أَشَدَّ يعني أكثر ذِكْراً للَّه منكم لآبائكم وكانوا إذا قضوا مناسكهم، قَالُوا: اللهم أكثر أموالنا، وأبناءنا، ومواشينا، وأطل بقاءنا، وأنزل علينا الغيث، وأنبت لنا المرعى، واصحبنا فِي سفرنا، وأعطنا الظفر عَلَى عدونا، وَلا يسألون ربهم عن أمر آخرتهم شيئًا.
فأنزل اللَّه- تَعَالَى- فيهم فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا يعني أعطنا فِي الدُّنْيا يعني هَذَا الَّذِي ذكر.
فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ- 200- يعني من نصيب نظيرها فِي براءة فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ3يعني بنصيبهم فهؤلاء مشركو العرب فَلَمَّا أسلموا وحجوا دعوا ربهم.
فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ4- 201- أَي دعوا ربهم أن يؤتيهم فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني الرزق الواسع وأن يؤتيهم فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً فيجعل ثوابهم الجنة وأن يقيهم عَذابَ النَّارِ.
ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا يَقُولُ حظ من أعمالهم الحسنة وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ- 202- يَقُولُ كأَنَّه قَدْ كان.
فهؤلاء المؤمنون.
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ إذا رميتم الجمار يعني أيام التشريق «والأيام المعلومات يعني يوم النحر ويومين من أيام التشريق5» بعد النحر فكان
عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- يكبر فِي قبته1بمنى، فيرفع صوته فيسمع أَهْل مَسْجِد منى فيكبرون كلهم حَتَّى يرتج منى2تكبيرا، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ يعني بعد يوم النحر بيومين، يَقُولُ من تعجل فنفر قبل غروب الشمس فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يَقُولُ فلا ذنب عَلَيْه يَقُولُ ذنوبه مغفورة فَمنْ لَمْ ينفر حَتَّى تغرب الشمس فليقم إلى الغد يوم الثالث فيرمي الجمار ثُمّ ينفر مَعَ الناس. قَالَ: وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى يوم الثالث حَتَّى ينفر الناس فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يَقُولُ لا ذنب عَلَيْه.3
يَقُولُ ذنوبه مغفورة.
ثُمّ قَالَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصيد4وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا» قتل الصيد فِي الإحرام وَاعْلَمُوا يخوفهم أَنَّكُمْ6إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- 203- فِي الآخرة فيجزيكم بأعمالكم نظيرها فِي المائدة وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ7فيجزيكم بأعمالكم.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق بن عمرو بن وَهْب بن أَبِي سَلَمَة الثَّقَفيّ، وأُمّه اسمها ريطة بِنْت عَبْد اللَّه بن أَبِي قيس الْقُرَشِيّ من بني عامر بن لؤي، وكان عديد بنى زهرة8وكان يأتى النبي [33 أ]- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيخبره9أَنَّهُ يحبه ويحلف بِاللَّه عَلَى ذَلِكَ ويخبره10أَنَّهُ يتابعه عَلَى دينه فكان النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- «يعجبه ذلك»11
ويدنيه فِي المجلس، وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما يَقُولُ يعني يمينه التي حلف بِاللَّه وما فِي قَلْبِهِ أن الَّذِي يَقُولُ حق وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ- 204- يَقُولُ جدلا بالباطل كقوله- سبحانه: - وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا1يعني جدلاء خصماء ثُمّ أخبر نبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: وَإِذا تَوَلَّى يعني إذا توارى وكان رَجُلا مانعا جريئا2عَلَى القتل سَعى فِي الْأَرْضِ بالمعاصي لِيُفْسِدَ فِيها يعني فِي الأرض وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ يعني كُلّ دابة وذلك أَنَّهُ عمد إلى كديس بالطائف إلى رَجُل مُسْلِم فأحرقه وعقر دابته وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ- 205- وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ يعنى الحمية نظيرها فى ص (آية 2) قوله- سُبْحَانَهُ- بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ يعني حمية بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ شدة عذاب وَلَبِئْسَ الْمِهادُ- 206- وكان الْأَخْنَس يسمى3أبي بن شريق من بنى زهرة ابن كَعْب بن لؤي بن غالب.
وإنما سمي الأخنس لأنه يوم بدر رد ثلاثمائة رَجُل من بني زهرة عن قتال النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقَالَ لهم: إن محمدا ابْن أختكم وأنتم أحق من كف عَنْهُ، فَإِن كان نَبِيّا لَمْ نقتله وإن كان كذابا كنتم أحق من كف عَنْهُ فخنس بهم فَمنْ ثُمّ سمي الْأَخْنَس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة أخذوا عمارا وبلالا وخبابا وصهيبا فعذبوهم لإسلامهم حَتَّى يشتموا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأما صُهَيْب بن سِنَان مَوْلَى عَبْد اللَّه بن جدعان الْقُرَشِيّ وكان شخصا ضعيفا فَقَالَ لأهل مكة: لا تعذبونى، هل
لَكُمْ إليّ خير؟ قَالُوا: وما هُوَ؟ قَالَ: أَنَا شيخ كبير لا يضركم إن كُنْت معكم، أَوْ مَعَ غيركم، لئن كُنْت معكم لا أنفعكم، ولئن كُنْت مَعَ غيركم لا أضركم، وإن لي عليكم لحقا لخدمتي وجواري إياكم.
فقد علمت أنكم إِنَّمَا تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي واتركوني وديني غَيْر راحلة.
فَإِن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني.
فَقَالَ بعضهم1لبعض: صدق خذوا ماله فتعاونوا به عَلَى عدوكم.
ففعلوا ذَلِكَ فاشترى نفسه بماله كله غَيْر راحلة، واشترط ألا يمنع عن صلاة وَلا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله، ثُمّ ركب راحلته نهارا حَتَّى أتى المدينة مهاجرا فلقبه أبو بكر الصديق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فَقَالَ: ربح البيع يا صُهَيْب.
فَقَالَ: وبيعك لا يخسر.
فَقَالَ أَبُو بَكْر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ-: قَدْ أنزل اللَّه [33 ب] فيك وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ- 207- يعني للفعل فعل الرومي صُهَيْب بن سنان2مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن سَعِيد بن تيم بن مرة بن كَعْب بن لؤي بن غالب الْقُرَشِيّ «قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا الكتاب من أوله إلى آخره من الْهُذَيْلِ أَبِي صَالِح عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان ببغداد درب السدرة سنة تسعين ومائة.
قَالَ: وسمعته من أوله إلى آخره قراءة عَلَيْه3فِي المدينة فِي سنة أربع ومائتين وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة رحمنا الله وإياهم».4
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام، وسلام بن قَيْس، وأسيد وأسد ابنا كَعْب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنو أَهْل التوراة استأذنوا
النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قراءة التوراة فِي الصَّلاة.
وَفِي أمر السبت1وأن يعملوا ببعض ما فِي التوراة.
فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- خذوا سنة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وشرائعه، فَإِن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله، فقال: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً يعني في شرائع الْإِسْلام كلها وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعنى تزيين الشيطان فإن السنّة الأولى بعد ما بعث محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-2ضلالة من خطوات الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- 208- يعني بين فَإِنْ زَلَلْتُمْ يعني ضللتم عن الهدى وفعلتم هَذَا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ يعني شرائع محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأمره ثُمّ حذرهم عقوبته.
فَقَالَ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فى نقمته حَكِيمٌ- 209- حكم عليهم العذاب هَلْ يَنْظُرُونَ يعني ما يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ يعني كهيئة الضبابة أبيض وَالْمَلائِكَةُ فِي غَيْر ظلل فِي سبعين حجابا من نور عرشه والملائكة يسبحون.
فذلك قوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا3يعني وليس بسحاب.
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني وقع العذاب وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ- 210- يَقُولُ يصير أمر الخلائق إِلَيْهِ فِي الآخرة.
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني يهود المدينة كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ يعني كم أعطيناهم من آية بينة يعني حين فرق بهم البحر، وأهلك عدوهم، وأنزل عليهم المن والسلوى والغمام والحجر، فكفروا برب هَذِهِ النعم، حين كفروا بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
فخوفهم عقوبته1بقوله فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- 211- إذا عاقب.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وما بسط لهم فيها من الخير نزلت فِي المنافقين عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه [34 أ] وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي أمر المعيشة بأنهم فقراء نزلت فِي عَبْد اللَّه بن ياسر الْمَخْزُومِيّ، وصهيب بن سِنَان من بني تيم بن مرة، وبلال بن رباح مَوْلَى أَبِي بَكْر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- وخباب بن الأرت مَوْلَى ابْن أمَّ بهار الثَّقَفيّ حليف بني زهرة، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة، وعامر بن فهيرة مَوْلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ-، وعبد اللَّه بن مَسْعُود، وأبي هُرَيْرَة الدوسي، وَفِي نحوهم من الفقراء يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك يعني هَؤُلاءِ النفر فَوْقَهُمْ يعني فوق المنافقين والكافرين يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- 212- حين يبسط للكافرين الرزق ويقدر عَلَى الْمُؤْمِنِين يَقُولُ لَيْسَ فوقي ملك يحاسبني أَنَا الملك أعطي من شئت بغير حساب حين أبسط للكافرين فِي الرزق وأقتر عَلَى الْمُؤْمِنِين.
كانَ النَّاسُ يعني أَهْل السفينة أُمَّةً واحِدَةً يعني عَلَى مَلَّة الْإِسْلام وحدها وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام خاصم اليهود فِي أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إِبْرَاهِيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ولوط بن حران بن آزر فبعثهم اللَّه مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني صحف إِبْرَاهِيم لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ليقضي الكتاب فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدّين فدعا2بها إِبْرَاهِيم وإسحاق قومهما ودعا بها إسماعيل جرهم فآمنوا به ودعا بها يعقوب
أَهْل مصر، ودعا بها لوط سدوم وعامورا وصابورا ودمامورا1فلم يسلم منهم غَيْر ابنتيه ريتا وزعوتا يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ يعني أعطوا الكتاب مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني البيان بَغْياً بَيْنَهُمْ يَقُولُ تفرقوا بغيا وحسدا بينهم فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يَقُولُ حين اختلفوا فِي القرآن مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ يعني التوحيد وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- 213- يعني دين الإسلام لأن غير دين الإسلام باطل ثم بين للمؤمنين أن لا بد لهم من البلاء والمشقة فِي ذات اللَّه. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ نظيرها فِي آل عِمْرَانَ قوله سُبْحَانَهُ-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ.2
وَفِي العنكبوت: الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ.3
وذلك أن المنافقين قَالُوا للمؤمنين فِي قتال أحد: لَمْ تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم، فإنه لو كان محمد بيننا لَمْ يسلط عليكم4القتل.
فرد المؤمنون عليهم فقالوا: قال الله: [34 ب] من قُتِل5مِنَّا دخل الجنة.
فَقَالَ المنافقون: لَمْ تمنون أنفسكم بالباطل.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يَومَ أحد أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ نزلت فِي عُثْمَان بن عَفَّان وأصحابه- رحمهم اللَّه.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ يعني سنة الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من البلاء يعني مؤمني الأمم الخالية ثُمّ أخبر عَنْهُمْ ليعظ أصحاب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ: مَسَّتْهُمُ يعني أصابتهم الْبَأْساءُ يعني الشدة وهي6البلاء وَالضَّرَّاءُ يعني البلاء وَزُلْزِلُوا يعني وخوفوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وهو اليسع وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
وَهُوَ حزقيا الملك حين حضر القتال ومن معه من الْمُؤْمِنِين مَتى نَصْرُ اللَّهِ فَقَالَ الله- عَزَّ وَجَلّ-: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ- 214- يعني سريع.
وإن ميشا بن حزقيا قَتَل اليسع واسمه اشعيا يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ من أموالهم وذلك أن اللَّه أمر بالصدقة فَقَالَ عمرو بن الجموح الْأَنْصَارِيّ من بني سلمة ابن جشم بن الخزرج- قُتِل يوم أحد، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- قَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، كم ننفق، وعلى من ننفق؟ فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي قول عمرو كم ننفق وعلى من ننفق يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ من الصدقة قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ من مال كقوله- سُبْحَانَهُ-: إِنْ تَرَكَ خَيْراً1يعني مالا فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فهؤلاء موضع نفقة أموالكم وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ من أموالكم فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ- 215- يعني بما أنفقتم عليم، وأنزل فِي قول عمرو يا رَسُول اللَّهِ كم ننفق من أموالنا وعلى من ننفق قول2اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: قُلِ الْعَفْوَ يعني فضل قوتك فَإِن كان الرَّجُل من أصحاب الذهب والفضة أمسك الثلث وتصدق «3» بسائره، وإن كان من أصحاب الزرع والنخل أمسك ما يكفيه فِي سنته وتصدق «4» بسائره، وإن كان مِمَّنْ يعمل بيده أمسك ما يكفيه يومه ذَلِكَ وتصدق «5» بسائره فبين اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ما ينفقون فِي هَذِهِ الآية فَقَالَ: قُلِ الْعَفْوَ يعني فضل القوت كَذلِكَ يعظكم هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني أمر الصدقات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ6يَقُولُ لكي تتفكروا- فِي- أمر الدُّنْيَا- فتقولون هِيَ دار بلاء وهي دار فناء ثُمّ تتفكروا فِي الآخرة فتعرفون فضلها فتقولون هي دار
خير ودار بقاء فتعملون لها فِي أيام حياتكم فهذا التفكر فيهما.
فشق عَلَى الناس حين أمرهم أن يتصدقوا1بالفضل حَتَّى نزلت آية الصدقات2فى براءة [35 أ] فكان لهم الْفَضْل وإن كثر إذا أدوا الزكاة3قوله- سبحانه-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني فرض عليكم، كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ يعني فرض وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ يعني مشقة لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فيجعل اللَّه عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً يعني القعود عن الجهاد وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فيجعل اللَّه عاقبته شر فلا تصيبون ظفرا وَلا غنيمة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- 216- أَي واللَّه يعلم من ذَلِكَ ما لا تعلمون يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ4وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث عُبَيْدة بن الْحَارِث بن عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى سرية فِي جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين عَلَى رأس ستة عشر شهرا بعد قدوم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة فَلَمَّا ودع رسول اللَّه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فاضت عيناه ووجد من فراق النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد أن عقد له اللواء5فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وجده بعث مكانه عَبْد اللَّه بْن جحش الأَسَديّ من بني غَنْم ابن دودان وأُمّه عمَّة النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أميمة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب وَهُوَ حليف لبني عبد شمس وكتب لَهُ كتابا وأمره أن يتوجه قبل مكة
وَلا يقرأ الكتاب حَتَّى يسير ليلتين فَلَمَّا سار عَبْد اللَّه ليلتين قرأ1الكتاب فإذا فِيهِ: سر باسم اللَّه إلى بطن نخلة عَلَى اسم اللَّه وبركته، وَلا تكرهن أحد من أصحابك عَلَى السير، وامض لأمري ومن اتبعك منهم، فترصد بها عير قريش.
فَلَمَّا قرأ الكتاب استرجع عَبْد اللَّه، واتبع استرجاعه بسمع وطاعة لله- عَزَّ وَجَلّ- ولرسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمّ قَالَ عَبْد اللَّه لأصحابه: من أحبّ منكم أن يسير معي فليسر ومن أحبّ أن يرجع فليرجع وهم ثمانية رهط من المهاجرين2عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ، وسعد بنى أَبِي وَقَّاص الزُّهْرِيّ، وعتبة بن غزوان المُزَني حليف لقريش، وأبي حُذَيْفة بن عُتْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، وسهل3بن بيضاء الْقُرَشِيّ ويُقَالُ سهل من بني الْحَارِث بن فهد، وعامر بن رَبِيعَة الْقُرَشِيّ من بني عَدِيّ بن كَعْب، وواقد بن عَبْد اللَّه التَّميْميّ.
فرجع من القوم سعد بن أَبِي وَقَّاص وعتبة بن غزوان وسار عَبْد اللَّه ومعه خمسة نفر وَهُوَ سادسهم4فَلَمَّا قدموا لبطن نخلة بين مكة والطائف حملوا عَلَى أهل العير فقتلوا عُمَر بن الْحَضْرَمِيّ الْقُرَشِيّ قتله واقد بن عَبْد اللَّه التَّميْميّ رماه بسهم فكان أول قتيل فِي الْإِسْلام من المشركين وأسروا عُثْمَان بن عَبْد اللَّه بن المُغِيرَة، والحكم بن كَيْسَان مَوْلَى هِشَام بن المُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ فغديا بعد ذَلِكَ فِي المدينة، وأفلتهم نوفل بن عَبْد اللَّه بن المغيرة [35 ب] الْمَخْزُومِيّ عَلَى فرس لَهُ جواد أنثى فقدم مكة من الغد وأخبر الخبر مشركي مكة، وكرهوا الطلب، لأنه أول يوم من رجب وسار المسلمون بالأسارى والغنيمة حَتَّى قدموا المدينة.
فقالوا: يا نَبِيّ اللَّه، أصبنا القوم نهارا فَلَمَّا أمسينا رأينا هلال رجب، فَمَا ندري أصبناهم فى رجب أَوْ فِي آخر يوم من جمادى الآخرة وأقبل مشركو مكة عَلَى مسلميهم فقالوا: يا مَعْشَر الصباة، ألا ترون أن إخوانكم استحلوا القتال فِي الشهر الحرام وأخذوا أسارانا وأموالنا وأنتم تزعمون أنكم عَلَى دين اللَّه، أفوجدتم1هَذَا فِي دين اللَّه حيث أمن الخائف، وربطت الخيل، ووضعت الأسنة، وبدأ الناس لمعاشهم.
فَقَالَ المسلمون: اللَّه ورسوله أَعْلَم.
وكتب2مسلمو مكة إلى عَبْد اللَّه بن جحش أن المشركين عابونا فِي القتال وأخذ الأسرى والأموال فِي الشهر الحرام فاسأل3رَسُول اللَّه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ألنا4فِي ذَلِكَ متكلم، أَوْ أنزل اللَّه بِذَلِك قرآنا.
فدفع عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ الكتاب إلى النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله- عز وجل- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَلَم يرخص فِيهِ القتال، ثُمّ قَالَ: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الْإِسْلام وَكُفْرٌ بِهِ5أَي وكفر بالله وَصد عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ من عِنْد المسجد الحرام فذلك صدهم، وذلك أنهم أخرجوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه من مكة أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ فهذا أكبر عِنْد اللَّه من القتل6والأسر وأخذ الأموال. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالْفِتْنَةُ يعني الإشراك الَّذِي أنتم فِيهِ أَكْبَرُ عِنْد اللَّه مِنَ الْقَتْلِ.7
ثُمّ أخبر- عَزَّ وَجَلّ- عن رأي مشركي العرب فِي الْمُسْلِمِين، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى مشركي مكة
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ يا معشر الْمُؤْمِنِين عَنْ دِينِكُمْ الْإِسْلام إِنِ اسْتَطاعُوا ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الْإِسْلام يَقُولُ، ومن ينقلب كافرا بعد إيمانه فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ يعني بطلت أَعْمالُهُمْ الخبيثة فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- 217- يعنى لا يموتون.1
فكتب عَبْد اللَّه بن جحش إلى مسلمي أَهْل مكة بهذه الآية وكتب إليهم إن عيروكم فعيروهم بما صنعوا.
وقَالَ2عَبْد اللَّه ابن جحش وأصحابه أصبنا القوم فِي رجب فنرجو أن يَكُون لنا أجر المجاهدين فِي سبيل اللَّه فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 218- الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة وَجاهَدُوا المشركين فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ يعني جنة اللَّه نظيرها فِي آل عِمْرَان قوله- سُبْحَانَهُ-: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ3يعني فَفِي جنة اللَّه لقولهم للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَلْ لنا أجر المجاهدين فى سبيل الله وَاللَّهُ غَفُورٌ لاستحلالهم القتل والأسر والأموال فِي الشهر الحرام. فكانت هَذِهِ أول سرية، وأول غنيمة، وأول خمس، وأول قتيل، وأول أسر كان فِي الإسلام.4
فأما نوفل بن عَبْد اللَّه الَّذِي أفلت يومئذ فَإنَّهُ يوم الخندق ضرب بطن فرسه ليدخل الخندق عَلَى الْمُسْلِمِين فِي غزوة الأحزاب فوقع فِي الخندق فتحطم هُوَ وفرسه فقتله الله- تعالى.5
وطلب المشركون
جيفته بثمن فَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خذوه فإنه1خبيث الجيفة خبيث الدية.2
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ يعني القمار نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعمر بن الخَطَّاب، وعلي بن أَبِي طَالِب، ونفر من الأَنْصَار- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ3- وذلك أن الرَّجُل كان يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّة أَيْنَ أصحاب الجزور فيقوم نفر فيشترون الجزور فيجعلون لكل رَجُل منهم سهم4، ثُمّ يقرعون فَمنْ خرج سهمه يبرأ من الثمن حَتَّى يبقى آخرهم رَجُلا فيكون ثمن الجزور كله عَلَيْه وحده، وَلا حق لَهُ فِي الجزور ويقتسم الجزور بقيتهم بينهم فذلك الميسر. قَالَ- سبحانه-: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فِي ركوبهما لأن فيهما ترك الصَّلاة، وترك ذكر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-، وركوب المحارم، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ يعني بالمنافع اللذة والتجارة فِي ركوبهما قبل التحريم فَلَمَّا حرمهما اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قَالَ: وَإِثْمُهُما بعد التحريم أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قبل التحريم، وأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- تحريمهما بعد هَذِهِ الآية بسنة. والمنفعة فِي الميسر أن بعضهم ينتفع به، وبعضهم يخسر يعني المقامر، وإنما سمي الميسر لأنهم قَالُوا يسروا لنا ثمن الجزور يَقُولُ الرجل أفعل كذا وكذا.5
وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ- 219- فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وذلك أن الله-
عَزَّ وَجَلّ- أنزل فِي أموال اليتامى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً1فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية أشفق المسلمون من خلطة2اليتامى فعزلوا بيت اليتيم وطعامه وخدامه عَلَى حدة مخافة العذر فشق ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِين، وعلى اليتامى اعتزالهم.
فَقَالَ ثَابِت بن رفاعه للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ سمعنا ما أنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي اليتامى فعزلناهم، وَالَّذِي لهم، وعزلنا الَّذِي لنا فشق ذَلِكَ علينا وعليهم، وليس كلنا يجد سعة فِي عزل3اليتيم وطعامه وخادمه، فهل يصلح لنا خلطتهم فيكون البيت والطعام واحد والخدمة وركوب الدابة، وَلا نرزأهم شيئًا إِلَّا أن نعود عليهم بأفضل منه فانزل اللَّه- عز وجل-[36 ب] فى قول ثابت بن رفاعة الأنصارى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى4قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يَقُولُ ما كان لليتيم فِيهِ صلاح، فهو خير أن تفعلوه.
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فِي المسكن والطعام والخدمة وركوب الدابة5فَإِخْوانُكُمْ فهم إخوانكم وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لمال اليتيم مِنَ الْمُصْلِحِ لماله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ يَقُولُ لآثمكم فِي دينكم نظيرها6فِي براءة قوله- سبحانه- عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ7يَقُولُ ما أثمتم، فحرم عليكم خلطتهم فِي الَّذِي لهم، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير.
فلم تنتفعوا بشيء منه إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فى ملكه
حَكِيمٌ- 220- يعني ما حكم فِي أموال اليتامى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ نزلت فِي أَبِي مَرْثَد1الغَنَويّ2واسمه أيمن، وَفِي عناق القرشية وذلك أن أبا مرثد كان رَجُلا صالحا وكان المشركون أسروا أناسا بمكة.
وكان أَبُو مَرْثَد ينطلق إلى مكة مستخفيا فإذا كان الليل أَخَذَ الطريق، وإذا كان النهار تعسف الجبال لئلا3يراه أحد، حَتَّى يقدم مكة فيرصد4الْمُسْلِمِين ليلا، فإذا أخرجهم المشركون5للبراز تركوهم6عِنْد البراز والغائط.
فينطلق أَبُو مَرْثَد فيجعل الرَّجُل منهم عَلَى عنقه حَتَّى إذا أَخْرَجَهُ من مكة كسر قيده بفهر ويلحقه بالمدينة.
كان ذَلِكَ دأبه فانطلق يومًا حَتَّى انتهى إلى مكة، فلقيته عناق وكان يصيب منها فِي الْجَاهِلِيَّة.
فقالت: أبا مَرْثَد، مَالِك فِي حاجة.
فَقَالَ: إن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قَدْ حرم الزنا.
فَلَمَّا أيست منه أنذرت به كفار مكة فخرجوا يطلبونه.
فاستتر منهم بالشجر فلم يقدروا7عَلَيْه فَلَمَّا رجعوا احتمل بعض8الْمُسْلِمِين حَتَّى أخرجه من مكة فكسر9قيده.
ورجع إلى المدينة فأتى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَه بالخبر.
فَقَالَ: وَالَّذِي بعثك بالحق لو شئت أن آخذهم وأنا مستتر بالشجرة لفعلت، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اشكر ربك أبا مَرْثَد إن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- حجزهم عنك.
فَقَالَ أَبُو مَرْثَد: يا رَسُول اللَّه، إن عناق أحبها وكان بيني وبينها فِي الْجَاهِلِيَّة، أفتأذن لي فِي تزويجها فَإِنَّهَا10لتعجبني.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ
يصدقن بتوحيد اللَّه وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ يعني مصدقة بتوحيد اللَّه خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ لقوله إنها لتعجبني وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ1- 221-. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً يعني قذر نزلت فِي عمرو بن الدحداح الْأَنْصَارِيّ2من قضاعة فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية3لَمْ يؤاكلوهن فِي إناء واحد وأخرجوهن4من البيوت والفرش كفعل العجم فَقَالَ5ناس من العرب للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شق علينا اعتزال الحائض، والبرد شديد فَإِن آثرناهم بالثياب هلك سائر البيت [37 أ] وإن آثرنا أهل البيت، هلكت النّساء بردا.
فقال النبي- صلى الله عليه
وَسَلَّمَ-: إنكم لَمْ تؤمروا أن تعزلوهن من البيوت، إِنَّمَا أمرتم باعتزال الفرج إذا حضن، ويؤتين إذا طهرن، وقرأ عليهم فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ يعني يغتسلن.
فَإِذا تَطَهَّرْنَ يعني اغتسلن من المحيض فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَي يؤتين غَيْر حيض فِي فروجهن التي نهى عَنْهَا فِي الحيض إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ- 222- من الأحداث والجنابة والحيض نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ وذلك أن حيي بن أخطب ونفرا من اليهود قَالُوا للمسلمين: إنَّه لا يحل لَكُمْ جماع النّساء إِلَّا مستلقيات وإنا نجد فِي كتاب اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أن جماع المرأة غَيْر مستلقية ذنبا عِنْد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَقَالَ المسلمون لرسول اللَّه (ص) : إنا كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام نأتي النّساء عَلَى كُلّ حال فزعمت اليهود أَنَّهُ ذنب عِنْد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِلَّا مستلقيات فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- نِساؤُكُمْ حَرْثٌ1لَكُمْ يعني مزرعة للولد فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فِي الفروج وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الولد وَاتَّقُوا اللَّهَ يعظكم فلا2تقربوهن حيضا ثُمّ حذرهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجزيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ- 223- يعني المصدقين بأمر اللَّه ونهيه بالجنة.
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نزلت فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- وَفِي ابنه عَبْد الرَّحْمَن.
حلف أَبُو بَكْر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- ألا يصله حَتَّى يسلم.
وذلك أن الرَّجُل كان إذا حلف قَالَ: لا يحل إِلَّا إبرار القسم.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ يَقُولُ لا يحلف عَلَى ما هو فِي معصية:
ألا يصل قرابته وذلك أن الرَّجُل يحلف أن لا يدخل عَلَى جاره، وَلا يكلمه، وَلا يصلح بين إخوانه، والرجل يريد الصلح بين الرجلين فيغضبه أَحَدهمَا أو يتهمه فيحلف المصلح أن لا يتكلم بَيْنَهُمَا.
قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: لا تحلفوا ألّا تصلوا القرابة أَنْ «تَبَرُّوا» وَتَتَّقُوا1اللَّه وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ فهو خير لَكُمْ من وفاء باليمين فِي معصية اللَّه وَاللَّهُ سَمِيعٌ لليمين لقولهم حلفنا عَلَيْهَا عَلِيمٌ- 224- يَقُولُ عالم بها كان هَذَا قبل أن تنزل الكفارة فِي المائدة لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَهُوَ الرَّجُل يحلف2على أمر يرى أَنَّهُ فِيهِ صادق وَهُوَ مخطئ فلا يؤاخذه اللَّه بها ولا كفارة عليه فيها، فذلك اللغو.
ثم قال- عَزَّ وَجَلّ-: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يعني بما عقدت قلوبكم من المأثم يعني اليمين الكاذبة التي حلف عَلَيْهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهُ فيها كاذب فهذه فيها كفارة3وَاللَّهُ غَفُورٌ يعني ذا تجاوز عن اليمين التي حلف عَلَيْهَا حَلِيمٌ- 225- حين لا يوجب فيها الكفارة.
ثم نزلت الكفارة فى سورة المائدة4[37 ب] فبين
فيها لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ يعني يقسمون مِنْ نِسائِهِمْ فهو الرَّجُل يحلف أن لا يقرب امرأته تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ يعنى فإن رجع فى يمينه فجامعها قبل أربعة أشهر فهي امرأته وعليه أن يكفر عن يمينه فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهذه اليمين رَحِيمٌ- 226- به إذ جعل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- الكفارة فيها لأنه لَمْ يَكُنْ أنزل الكفارة فِي المائدة.
ثُمّ نزلت بعد ذَلِكَ الكفارة فِي المائدة.
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ يعني فَإِن حققوا «الطلاق»1يعني أنفذوا فِي السراح فلم يجامعها أربعة أشهر بانت منه بتطليقة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ليمينه عَلِيمٌ- 227- يعني عالم بها وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يعني ثلاث حيض إذا كَانَتْ مِمَّنْ تحيض وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الولد إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ يعني يصدقن بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يصدقن بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال بأنه كائن ثُمّ قَالَ- عَزَّ وجل-: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ يقول الزوج أحق برجعتها، وهي حبلى نزلت فِي إسماعيل الغفاري وَفِي امرأته لَمْ تشعر بحبلها، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً يعني بالمراجعة فيما بَيْنَهُمَا، فعمد إسماعيل فراجعها وهي حبلى، فولدت منه، ثُمّ ماتت ومات ولدها، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ لهن من الحق عَلَى أزواجهن مثل ما لأزواجهن عليهن. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ يَقُولُ لأزواجهن عليهن فضيلة فِي الحق وبما ساق إليها من الحق وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي ملكه حَكِيمٌ- 228- يعني حكم الرحمة عليها فى الحبل.2
ثُمّ نسختها الآية التي بعدها.
فأنزل اللَّه بعد ذَلِكَ بأيام يسيرة فبين للرجل كيف يطلق المرأة، وكيف تعتد، فَقَالَ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ يعنى بإحسان
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ1يعني التطليقه الثالثة فِي غَيْر ضرار كَمَا أمر اللَّه- سُبْحَانَهُ- فِي وفاء المهر: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ إذا أردتم طلاقها أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً وذلك أن الرَّجُل كان إذا طلق امرأته، أخرجها من بيته فلا يعطيها شيئًا من المهر ثُمّ استثنى ورخص، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ يعني أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- «فيما أمرهما وذلك أن تخاف المرأة»2الفتنة على نفسها فتعصي الله فيما أمرها زوجها أَوْ يخاف الزوج إن لم تطعه امرأته أن يعتدي عَلَيْهَا يَقُولُ- سُبْحَانَهُ-: فَإِنْ خِفْتُمْ يعني علمتم أَلَّا يُقِيما يعني الحاكم حُدُودَ اللَّهِ يعني أمر الله فى أنفسهما إن نشرت عَلَيْه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني الزوج والزوجة فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ من شيء يَقُولُ لا حرج عليهما إذا رضيا أن تفتدي منه ويقبل منها الفدية ثُمّ يفترقا وكانت3نزلت [38 أ] فِي ثَابِت بن قَيْس بن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج، وَفِي امرأته أم حبيبة بِنْت عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ رأس4المنافقين، وكان5أمهرها حديقة فردتها عَلَيْه، واختلعت منه، فهي أول خلعة كَانَتْ فِي الْإِسْلام.
ثُمّ قَالَ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني أمر اللَّه فيهما فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ يَقُولُ ومن يخالف أمر اللَّه إلى غيره فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- 229- لأنفسهم ثُمّ رجع إلى الآية الأولى فِي قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِنْ طَلَّقَها بعد التطليقتين تطليقة أخرى سواء أكان بها حبل أم لا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فيجامعها فنسخت هَذِهِ الآية، الآية6التي قبلها، فى قوله- عز وجل-
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ونزلت فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فِي تميمة بِنْت وَهْب بن عتيك النَّقْرِيّ وفى زوجها رفاعة بن عبد الرحمن ابن الزبير- وتزوجها عبد الرحمن بن الزُّبَيْر الْقُرَظِيّ، يَقُولُ: فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الأخير عَبْد الرَّحْمَن فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني الزوج الأول رِفَاعة وَلا عَلَى المرأة تميمة أَنْ يَتَراجَعا بمهر جديد ونكاح جديد إِنْ ظَنَّا يعني إن حسبا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أمر اللَّه فيما أمرهما وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني أمر اللَّه فِي الطلاق يعني ما ذكر مِن أحكام الزوج والمرأة فِي الطلاق وَفِي1المراجعة.
يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- 230- وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ واحدة فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني انقضاء عدتهن من قبل أن تغتسل من قرئها الثالث فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ2يعني بإحسان من غَيْر ضرار فيوفيها المهر والمتعة، نزلت فِي ثَابِت بن ياسر الْأَنْصَارِيّ فِي الطعام والكسوة وغير ذَلِكَ.
فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً وذلك أَنَّهُ طلق امرأته، فَلَمَّا أرادت أن تبين منه راجعها فَمَا زال يضارها بالطلاق ويراجعها يريد بِذَلِك أن يمنعها من الزواج لتفتدي منه.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لِتَعْتَدُوا وكان ذَلِكَ عدوانا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ3وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً يعني استهزاء فيما أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي كتابه من إمساك بمعروف أَوْ تسريح بإحسان، وَلا تتخذوها لعبا، وَاذْكُرُوا يعني واحفظوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَاحفظوا ما أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ يعني القرآن وَالْحِكْمَةِ والموعظة التي فِي القرآن من أمره ونهيه يقول: يَعِظُكُمْ بِهِ
يعني بالقرآن وَاتَّقُوا اللَّهَ يعظكم فلا تعصوه فيهن ثُمّ حذرهم فَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم عَلِيمٌ- 231- فيجزيكم بها وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ تطليقة واحدة فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يَقُولُ انقضت عدتهن نزلت فِي أَبِي البداح بن عَاصِم ابن عَدِيّ الْأَنْصَارِيّ من بني العجلان الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ حي من قضاعة، وَفِي امرأته جمل بِنْت يَسَار1المُزَني بانت منه بتطليقة، فأراد مراجعتها، فمنعها أخوها، وقَالَ: لئن فعلت لا أكلمك أبدا.
أنكحتك وأكرمتك وآثرتك عَلَى قومي فطلقتها2وأجحفت بها واللَّه لا أزوجكها أبدا.3
فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يعني معقل فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ يعنى فلا تمنعوهن أن يراجعن أزواجهن إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعني بمهر جديد ونكاح جديد ذلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مَن النهي ألا يمنعها من الزوج ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ، ويصدق بالبعث الَّذِي فِيه جزاء الأعمال، فليفعل ما أمره اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- من المراجعة ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ يعني خير لَكُمْ من الفرقة وَأَطْهَرُ لقلوبكم من الريبة وَاللَّهُ يَعْلَمُ حب كُلّ واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- 232- ذَلِكَ منهما فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا معقل، إن كُنْت تؤمن بِاللَّه واليوم الآخر فلا تمنع أختك فلانا.
يعني أبا البداح.
قَالَ: فَإِنِّي أنا أؤمن بِاللَّه واليوم الآخر وأشهدك أني قد أنكحته.
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني إذا طلقن حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ يعني يكمل الرضاعة وليس الحولان بالفريضة فَمنْ شاء أرضع فوق الحولين ومن شاء قصر عَنْهُمَا.
ثُمّ قَالَ: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ إذا طلق امرأته وله ولد رضيع
ترضعه أمه فعلى الأب رزق الأم والكسوة «رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ»1بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها يعني إِلَّا ما أطاقت من النفقة والكسوة.
ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها يقول لا يجعل بالرجل إذا طلق امرأته أن يضارها فينزع منها ولدها وهي لا تريد ذَلِكَ فيقطعه عن أُمّه فيضارها بِذَلِك بعد أن ترضى بعطية الأب من النفقة والكسوة2، ثُمّ ذكر الأم فقال: وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يعني لا يجمل بالمرأة أن تضار زوجها3وتلقي إِلَيْهِ ولدها ثُمّ قَالَ فِي التقديم: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ يَقُولُ وعلى من يرث اليتيم إذا مات الأب مثل ما عَلَى الأب من النفقة والكسوة لو كان حيا فلا يضار الوارث الأم.
وهي بمنزلة الأب إذا لَمْ يَكُنْ لليتيم ماله فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ يَقُولُ واتفقا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني لا حرج ما لَمْ يضار أَحَدهمَا، صاحبه أن يفصلا الولد قبل الحولين والأم أحق بولدها من المرضع إذا رضيت [39 أ] من النفقة والكسوة بما يرضى به غيرها فَإِن لَمْ ترض الأم بما يرضى4به غيرها من النفقة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ- عَزَّ وَجَلّ- فلا جناح عَلَى الوالد أن يسترضع لولده، ويسلم للظئر أجرها، وَلا كسوة لها، وَلا رزق، وإنما هُوَ أجرها.
قوله- سُبْحَانَهُ-: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ لأمر اللَّه فِي المراضع ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ 0 ما أعطيتم الظئر من فضل عَلَى أجرها وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه فيما حذركم الله فى هذه الآية من أمر
المضارة والكسوة والنفقة للأم وأجر الظئر ثُمّ حذرهم فَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- 233- وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً من يوم يموت زوجها فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني إذا مضى الأجل مما ذكر فِي هَذِهِ الآية فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي قراءة ابْن مَسْعُود «لا حرج عليهن» فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ يعني لا حرج عَلَى المرأة إذا انقضت عدتها أن تتشوف1وتتزين وتلتمس الأزواج وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- 234- من أمر العدة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ يعني لا حرج عَلَى الرَّجُل أن يَقُولُ للمرأة قبل أن تنقضي عدتها إنك لتعجبينني وما أجاوزك إلى غيرك فهذا التعريض أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فلا جناح عليكم أن تسروا فِي قلوبكم تزويجهن فِي العدة عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا يعني الجماع في العدة ثم استثنى فقال: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً عدة حسنة نظيرها فِي النّساء وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً2يعني عدة حسنة فتقول وهي فِي العدة إنَّه حبيب إليّ أن أكرمك وأن آتي ما أحببت وَلا أجاوزك إلى غيرك وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ يعني وَلا تحققوا عقدة النكاح يعني لا تواعدوهن3فِي العدة حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ يعني حَتَّى تنقضي عدتها ثُمّ خوفهم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يعني ما فِي قلوبكم من أمورهن فَاحْذَرُوهُ أي فاحذروا أن ترتكبوا فِي العدة ما لا يحل وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يعني ذا تجاوز لَكُمْ حَلِيمٌ- 235- لا يعجل بالعقوبة لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً يَقُولُ وإن لَمْ تسموا لهن المهر فلا حرج فِي الطلاق فِي هَذِهِ الأحوال كلها،
وَهُوَ الرَّجُل يطلق امرأته قبل أن يجامعها وَلَم يسم لها مهرا فلا مهر لها، وَلا عدة عَلَيْهَا، وَلا المتعة بالمعروف ويجبر الزوج عَلَى متعة هَذِهِ المرأة التي طلقها قبل أن يسمي لها مهرا وليس بمؤقت1[39 ب] نزلت فِي رَجُل من الأَنْصَار تزوج امرأة من بني حنيفة وَلَم يسم لها مهرا، ثُمّ طلقها قبل أن يمسها فَقَالَ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هَلْ متعتها بشيء؟ قَالَ: لا.
قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: متعها بقلنسوتك، أما إنها لا تساوي شيئًا وَلَكِن أحببت أن أحيي سنة.
فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ فِي المال وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ فِي المال مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ وليس بمؤقت وَهُوَ واجب حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ- 236- ثُمّ إن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كساه ثوبين بعد ذَلِكَ فتزوج امرأة فأمهرها أحد ثوبيه.
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ يعني من قبل الجماع وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ من المهر فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ عليكم من المهر.
ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يعني إِلَّا أن يتركن يعني المرأة تترك نصف مهرها فتقول المرأة أما إنَّه لَمْ يدخل بي وَلَم ينظر لي إلى عورة فتعفو عن نصف مهرها وتتركه لزوجها وهي بالخيار ثم قال: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ يعني الزوج فيوفيها المهر كله.
فيقول: كَانَتْ فِي حبالى ومنعتها من الأزواج فيعطيها المهر كله.
وَهُوَ بالخيار ثُمّ قَالَ: وَأَنْ تَعْفُوا يعني ولأن تعفوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يعني المرأة والزوج كلاهما أمرهما2أن يأخذا بالفضل فِي الترك ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَلا تَنْسَوُا يعني المرأة والزوج يَقُولُ لا تتركوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ فِي الخير حين أمرها أن تترك
نصف المهر للزوج، وأمر الزوج أن يوفيها المهر كله.
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- 237- يعني بصيرا أن ترك أَوْ وفاها.
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الخمس فِي مواقيتها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى يعني صلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ- 238- فِي صلاتكم يعني مطيعين نظيرها وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ1يعني من المطيعين وكقوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً2يعني مطيعا.
وكقوله سُبْحَانَهُ قانِتاتٌ3يعني مطيعات وذلك أن أَهْل الأوثان4يقومون فِي صلاتهم عاصين.5
قَالَ اللَّه قوموا6أنتم مطيعين فَإِنْ خِفْتُمْ العدو فصلوا فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً يَقُولُ عَلَى أرجلكم أَوْ عَلَى دوابكم فصلوا ركعتين حيث كان وجهه7إذا كان الخوف شديدا فَإِن لَمْ يستطع السجود فليومئ برأسه إيماء وليجعل السجود أخفض من الركوع وَلا يجعل جبهته عَلَى شيء ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَإِذا أَمِنْتُمْ العدو فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَقُولُ فصلوا للَّه كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ- 239- وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ يعني بالمتاع أن ينفق عَلَيْهَا فِي الطعام والكسوة سنة [40 أ] ما لم تتزوج قَالَ: غَيْرَ إِخْراجٍ يَقُولُ لا تخرج من بيت زوجها سنة وهي كارهة: فَإِنْ خَرَجْنَ إلى أهلهن طائعة قبل الحول فلا نفقة لها فعدتها ثلاثة قروء.
يَقُولُ: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي قراءة ابْن مَسْعُود فلا جناح عليهن فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ يعني بالمعروف يعني أن تتشوف8وتتزين وتلتمس الأزواج