آيات ينطبق عليها النسخ ولم يعتبرها مقاتل منسوخة
قد اعتبر ما فى الآيات الناسخة لها تخفيفا وتيسيرا او رخصة بعد الهزيمة: 1- كما فى نسخ الآية 65 بالآية 66 من سورة الأنفال حيث يقول سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. قال مقاتل: فجعل الرجل من المؤمنين يقاتل عشرا من المشركين، ولم يكن «ذلك فرضا» فرضه الله لا بد منه، ولكنه تحريض من الله ليقاتل الواحد عشرة، فلم يطق المؤمنون ذلك، فخفف الله عنهم بعد قتال بدر، فانزل الآية: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.46
وفى كتاب النسخ فى القرآن الكريم يرى الدكتور مصطفى زيد: (ان آية الأنفال المذكورة منسوخة بالآية التي تليها) ونقل ذلك عن الشافعي والبخاري والطبري وشيوخ اهل التأويل وجمهور المفسرين من بعدهم.47
ويقول الأستاذ الخضرى48: (والظاهر هو ان تعريف النسخ ينطبق على هذه الآية، لان الاولى كانت توجب عليهم الصبر لعشرة أمثالهم، والثانية رفعت هذا الوجوب عنهم وأوجبت شيئا آخر، وهو صبرهم لضعفهم).
والخلاف بين مقاتل وغيره أساسه ما يأتي: هل لقاء المسلمين لعشرة أمثالهم كان فرضا او ندبا؟.
لمقاتل يرى- ان الآية 65 من الأنفال- لم تكن فرضا لا بد منه، بل كانت تحريضا للمسلمين على لقاء أعدائهم ولو كانوا عشرة أمثالهم، ثم خفف الله عنهم ذلك الى قتال مثليهم. (فهي كقول المعلم لتلميذه يحثه على المذاكرة، ويعده لتقبل ما سيكلفه إياه: انك- بما اعهد فيك من ذكاء وحب للعلم- تستطيع ان تذاكر من هذا الكتاب كل يوم مائة صفحة. ثم يتبع هذا بقوله: وانا الآن أخفف عنك فلا أكلفك هذا الذي تقدر عليه، لأني اعلم ان عليك من العلوم الاخرى ما يحتاج الى مذاكرة، فذاكر فى كل يوم عشرين صحيفة).49
اما الذين يقولون بالنسخ- فى الآية 65 من سورة الأنفال- فهم يرون ان الآية فرضت على المسلمين الا يفروا من عشرة أمثالهم، ثم نسخ الله ذلك بعدم الفرار من مثليهم فى الآية التالية، وقد ورد ذلك فى الصحيح، واثر عن السلف. ولمقاتل ان يقول: ان ما روى عن السلف من نسخ هنا لا ينقض ما ذهبنا اليه، فقد كانوا يطلقون النسخ على التخفيف وعلى كل تغيير يطرأ على الحكم.50
2- وفى نسخ صدر سورة المزمل بالآية الاخيرة منها51، ذكر مقاتل ان
الآيات الاولى من السورة كانت عزيمة، والآية الاخيرة رخصة من الله بعد التشديد. ثم عاد فقال: ان الآية الاخيرة نسخت قيام الليل عن المؤمنين، وثبت قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويلاحظ ان مقاتلا سوى بين الرخصة والنسخ فى إطلاقهما هنا، مع ان هناك فارقا بينهما: فالرخصة لا يجوز العمل بها الا عند تعذر العمل بالعزيمة. اما النسخ فان الحكم الثاني حل محل الاول فى كل حال.52
وعذر مقاتل فى ذلك ان النسخ لم يكن تميز عما سواه فى ذلك الوقت، كما يلاحظ ان مقاتلا يرى: ان الآية الاخيرة لم تنسخ قيام الليل فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم بل نسخته فى حق المسلمين فقط وبقي قيام الليل فرضا على رسول الله. وفى تفسيره للآية 26 من سورة الإنسان وهي: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا. يذكر ان قيام الليل كان فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.53
ويذكر الدكتور مصطفى زيد: (ان قيام الليل كان قد فرض أولا على جميع الامة، ثم نسخ بعد اثنى عشر شهرا فأصبح تطوعا بعد ان كان فريضة، - كما قالت عائشة رضى الله عنها- وان التهجد قد فرض على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بمقتضى آية الاسراء79وبقي فرضا عليه حتى انتقل الى الرفيق الأعلى، فلم ينسخ).54
فمقاتل يرى ان قيام الليل لم ينسخ فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويذهب غيره الى انه نسخ ثم عاد ففرض عليه، وقد استعرض الدكتور مصطفى زيد الآراء والآثار التي اثرت عن السلف فى هذا الموضوع، وقارن بينها فى دراسة محررة جامعة، لا نرى بعدها زيادة لمستزيد، ثم انتهى الى رأيه المذكور سابقا55، فجزاه الله احسن الجزاء.