الطبري وراى مقاتل
وقد أورد ابن جرير الطبري فى تفسيره آراء العلماء فى فواتح السور، ونسب كل راى الى قائله. بيد انه حين ذكر راى مقاتل فى انها حروف من حساب الجمل- كره ان يصرح بنسبته الى مقاتل، لان ابن جرير تعمد الا يدخل فى تفسيره شيئا لمقاتل. قال الطبري: (وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجمل- كرهنا ذكر الذي حكى ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن انس.19
وبعد ان ذكر الطبري عددا من الآراء فى فواتح السور- بدا يوجه كل راى ويذكر حجة أصحابه، فوجه راى مقاتل وشرحه اكثر من مقاتل نفسه.20
ومن العجيب انه اختاره مع اولى الآراء بالصواب، وأورد الأحاديث التي احتج بها مقاتل.21
## حديث حساب الجمل واستدل مقاتل على صحة ما ذهب اليه بحديث أورده فى أول تفسيره، وقد حكاه الطبري وأورد سنده، وفيه الكلبي عن ابى صالح، ومعلوم ان رواية الكلبي عن ابى صالح ضعيفة.
وهذا الحديث الذي يستدل به مقاتل على صحة ما ذهب اليه قد أورده الطبري مع غيره من الآراء، ثم قال الطبري: (والصواب عندي فى تاويل مفاتح السور، التي هي حروف المعجم، ان الله ابتدا بها السور للدلالة بكل حرف على معان كثيرة، لا على معنى واحد).22
«فهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن». «وهن مما اقسم الله بهن». «وهن من حروف حساب الجمل». «وهن للسور التي افتتحت بهن شعار واسماء».23
## ابن كثير وحساب الجمل ابن كثير وراى مقاتل: وقد نقل ابن كثير ما حكاه ابن جرير الطبري من الآراء فى فواتح السور، كما نقل اختياره الجمع بين هذه الآراء، وانها مقصودة جميعها من هذه الحروف- بما فيها حساب الجمل-، ثم خالف الطبري فيما ذهب اليه، فأنكر ان يكون المراد بالحرف الواحد، معاني متعددة فى وقت واحد، «اما لفظ الامة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة فى الاصطلاح فانما دل فى القرآن فى كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام».24
ولم يرتض ابن كثير دلالة هذه الحروف على حساب الجمل، وضعف الحديث الذي استدل به مقاتل، قال ابن كثير: (واما من زعم انها دلالة على معرفة المدد، وانه يستخرج من ذلك اوقات الحوادث والفتن والملاحم- فقد ادعى ما ليس له، وطار فى غير مطاره.
وقد ورد فى ذلك حديث ضعيف.
وهو مع ذلك ادل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن اسحق عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس.
(وساق الحديث السابق الذي يدل على ان المراد بفواتح السور حساب الجمل).25
ثم قال: (فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك ان كان صحيحا ان يحسب ما لكل حرف من الحروف الاربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وان حسبت مع التكرار فأطم وأعظم والله اعلم).26
## المحقق احمد محمد شاكر ينقد حساب الجمل، ويضعف روايات أحاديثه ذكرنا ان الطبري أورد عدة آراء فى فواتح السور، من بينها انهن من حروف حساب الجمل، وذكرنا كذلك انه اختار ان هذه الأحرف تحوى سائر المعاني، ثم ساق الحديث الذي أورده مقاتل. وفى تعليق المحقق المرحوم الشيخ احمد محمد شاكر على هذا الحديث ضعف اسناده، وتعجب من احتجاج الطبري بهذه الروايات المتهافتة، ورضائه بالتأويل المستنكر بحساب الجمل. وقد ذكر ان الحديث الذي أورده الطبري فى حساب الجمل فى اسناده محمد بن السائب الكلبي وهو ضعيف جدا رمى بالكذب. وقال ابو حاتم «الناس مجتمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث» وساق المحقق عدة روايات للحديث كلها ضعيف مضطرب.27
## راى أراه فى الحديث أسلفنا ان المحقق الشيخ احمد محمد شاكر- رحمه الله- قد ذهب الى ضعف الحديث واضطرابه، ولا شك ان لهذا المحقق قدما ثابتة فى معرفة الرجال والأحاديث، فقد ساق أسانيد ثلاثة رواها البخاري فى التاريخ الكبير.28
ثم جرح الاسناد الاول لان فيه مجهولا، وجرح الاسناد الثاني لان فيه
اضطرابا29، اما الاسناد الثالث فذهب الى انه أشدها ضعفا، لأنه من رواية الكلبي عن ابى صالح.
وارى ان هذا المحقق قد بالغ فى تضعيف الحديث، مع انه فيما ارى ليس بالشديد الضعف، فقد رواه البخاري بثلاثة أسانيد: 1- الاسناد الاول ضعفه احمد شاكر لان فيه مجهولا (مولى لزيد بن ثابت).
2- والاسناد الثاني صرح فيه باسم هذا المجهول وهو (محمد بن ابى محمد) ومحمد هذا هو الأنصاري المدني مولى زيد بن ثابت، قال عنه احمد شاكر: «زعم الذهبي فى الميزان انه (لا يعرف) ! وهو معروف، ترجمه البخاري فى الكبير 1/ 1/ 225 فلم يذكر فيه جرحا، وذكره ابن حيان فى الثقات، وكفى بذلك معرفة وتوثيقا».
3- وقد اضطرب الاسناد الثاني على ابن اسحق او على سلمة بن الفضل فكانت الرواية فيه عن عكرمة او سعيد (يعنى ابن جبير) على الشك.
ونلاحظ ان هذا الاضطراب شك من الراوي: هل رواه عن سعيد بن جبير او عن عكرمة، وكلاهما موثوق به، فسعيد بن جبير ثقة مجمع عليه من اصحاب الكتب الستة30، وعكرمة ثقة وثقه البخاري ومسلم، واحمد بن حنبل، وابن راهويه، ويحيى بن معين، وابو ثور، وابو داود، وغيرهم. قال ابن حجر (فاما البدعة، فان ثبتت عليه فلا تضر حديثه، لأنه لم يكن داعية لها، مع انها لم تثبت عليه).31
وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأيا فيه ثم عدله بعد ما جرحه.32
4- اما تضعيف سلمة بن الفضل فليس مجمعا عليه بل وثقه ابن معين، فيما رواه ابن ابى حاتم فى كتابه، وله عنده ترجمة جيدة وافية 2/ 1/ 168، 169. وروى ايضا عن جرير قال: (ليس من لدن بغداد الى ان تبلغ خراسان اثبت فى ابن اسحق من سلمة بن الفضل، وقد رجح توثيقه احمد شاكر فى شرح المسند 886 وذهب الى توثيقه هنا.
ولم يقبل احمد شاكر تضعيف البخاري ولا تضعيف شيخه لسلمة.33
5- بقي ان ابن كثير قد ذهب الى تضعيف هذا الحديث، بعد ان ذكر اسناده قال: (فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به).34
ونقول فى ردنا على الامام ابن كثير: ان الكلبي لم ينفرد برواية هذا الحديث، فقد رواه البخاري بثلاثة أسانيد، وكان الثالث فقط من طريق الكلبي، اما الاول والثاني فمن طرق اخرى.