القرآن والحرب
وإذا كانت الدعوة الاسلامية قد اضطرت الى الحرب تامينا للدعاة، وحماية للحق، وتحطيما لطواغيت الكفر، فان القرآن ينظم هذه الحرب، ويدعو المسلمين الى اعداد العدة للقاء أعدائهم، والى الجهاد فى سبيل الله نصرا لدينه، وطلبا لمرضاته، وابتغاء للثواب من عنده.
وفى أول معركة بين المسلمين والكفار انتصر المسلمون، وغنموا، وبدا ان كل فئة ترى انها أحق بالغنائم من الاخرى، فينزل الوحى مجيبا على سؤالهم ومؤدبا لهم.
يقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
قال مقاتل26: لما هزم العدو يوم بدر، واتبعتهم طائفة يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله عليه الصلاة والسلام، واستولت طائفة على العسكر والنهب- قالت كل طائفة نحن أحق بالانفال، فانزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ... الآية.
فقسمه رسول الله عليه الصلاة والسلام بالسوية.
وقد انزل الله ملائكة السماء تؤيد المؤمنين وتلقى الرعب فى قلوب الكافرين.
ويذهب مقاتل27الى ان الملائكة قاتلت يوم بدر مع المؤمنين ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم خيبر، فى تفسير قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
قال مقاتل28وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نظر الى المشركين وهم
الف وأصحابه ثلثمائة واربعة عشر رجلا. استقبل القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه اللهم أنجز ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة من اهل الإسلام لا نعبد فى الأرض.. فأمدهم الله بالملائكة، ونزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة، فقام جبريل فى خمسمائة ملك عن ميمنة الناس معهم أبو بكر، ونزل ميكائيل عليه السلام فى خمسمائة على ميسرة الناس معهم عمر، في صور الرجال عليهم البياض، وعمائم بيض قد ارخوا أطرافها بين أكتافهم. والظاهرة الملاحظة هنا هي إسراف مقاتل فى التجسيم، سواء فى حديثه عن صفات الله او عن اعمال الملائكة. وقد ذهب استاذنا الدكتور مصطفى زيد فى تفسيره لسورة الأنفال الى ان نزول الملائكة فى غزوة بدر كان لتثبيت المؤمنين، واستبعد ان يكونوا قد اشتركوا مع المؤمنين فى قتال المشركين.29
وفى تأييد الله للمؤمنين بانزال المطر لهم وتغشية النعاس إياهم يقول مقاتل تفسيرا للآية 1130فى السورة: القى الشيطان الرعب فى قلوب المؤمنين، فألقى الله عليهم النعاس أمنة من الله ليذهب همهم، وأرسل السماء عليهم ليلا فمطرت مطرا جوادا حتى سالت الأودية، وملئوا الأسقية، وسقوا الإبل، واتخذوا الحياض، واشتدت الرملة، وكانت تأخذ الى كعبي الرجال.31. فانزل الله الآية.