الكرسي
تفسيرا ماديا، وهذا مما يشعر بالتجسيم، ويترتب عليه الاستقرار المكاني ولا يكون ذلك الا للجسم26والإله منزه عن ذلك.
جاء ذلك فى تفسير آية الكرسي (البقرة/ 255) : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قال مقاتل- فى تفسير سنة- يعني ريح من قبل الرأس، فيغشى العينين وَهُوَ وسنان، بين النائم واليقظان.
ثُمّ قال جل ثناؤه: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
قال مقاتل فى تفسير الكرسي: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كلها كل قائمة للكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما، والسموات السبع والأرضون السبع تحت الكرسي فى الصغر كحلقة بأرض فلاة. قال مقاتل: يحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، اقدامهم تحت الصخر التي تحت الأرض السفلى مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل ارض مسيرة خمسمائة عام. ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان وَهُوَ سيد الصور، وهو يسال «الله» الرزق للآدميين. وملك وجهه عَلَى صورة سيد الانعام- وهو الثور- يسال الرزق للبهائم، ولم يزل الملك الَّذِي عَلَى صورة الثور على وجهه كالغضاضة منذ عُبِدَ العجل من دون الرَّحْمَن عَزَّ وَجَلّ، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير وَهُوَ يسأل اللَّه عَزَّ وَجَلّ الرزق للطير- وَهُوَ النسر- وملك عَلَى صورة سيد السباع- وهو الأسد- وهو يسال الرزق للسباع.27
نرى مما سبق ان مقاتلا يفسر الكرسي تفسيرا ماديا، ويذهب الى ان الكرسي يحمله اربعة أملاك. ولم يذكر مقاتل الاسناد الذي اعتمد عليه، بل أورد الأثر محذوف الاسناد، مع انه من السمعيات التي لا تقبل الا إذا وردت فى القرآن، او رويت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. وقد أورد الملطي فى كتابه التنبيه والرد الأثر الذي ذكره مقاتل واستنده الى وهب بن منبه.28
وذلك يجعلنا نعتقد انه من الاسرائيليات المرفوضة.
ثم ان القرآن الكريم قد اثبت العرض والاستواء فى آيات كثيرة29، وليس فى تلك الآيات شيء يدل على الاستقرار الحسى على العرش.
او على التمكن بمكان.
(ب) لقد ذكر الملطي حديث الأوعال للرد على جهم بن صفوان الذي أنكر ان يكون الله على العرش، وحديث الأوعال فيه علل قادحة30وإليك نصه:
(عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا فى البطحاء، إذ مرت سحابة فقال: اتدرون ما هذه؟ قلنا: سحاب، قال: والمزن. قلنا: والمزن. قال: والقتار فسكتنا. قال: اتدرون كم بين السماء والأرض قلنا: الله ورسوله اعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام، الى ان ذكر السموات السبع، ثم قال: وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، وفوق ذلك ثمانية او عال، ما بين ركبهم واظلافهم كما بين السماء والأرض، وفوق ذلك العرش وما بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله عز وجل فوق ذلك، ولا يخفى عليه شيء من اعمال بنى آدم).31
«وحديث الأوعال أخرجه احمد فى مسنده بطريق عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن شعيب بن خالد، عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس. «وأخرجه ابو داود والترمذي وابن ماجه بطريق سماك، عن ابن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس، بزيادة الأحنف بين ابن عميرة والعباس. «وقد تواترت نصوص ابن معين واحمد والبخاري ومسلم وابراهيم الحربي والنسائي وابن عدى وابن العربي وابن الجوزي وابى حيان على انه غير صحيح». قال ابن معين: لا تزول الجهالة عن الرجل برواية مثل سماك عنه، كما فى شرح علل الترمذي لابن رجب. وعبد الله بن عميرة المذكور فى السند لم يرو عنه سوى سماك مطلقا، وقال احمد عن يحيى بن العلاء فى سنده «كذاب يضح الحديث».32
وقال ابو حيان فى تفسير قوله تعالى (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ)33: وذكروا فى صفات هؤلاء الثمانية اشكالا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا.
وقد آيد ابن جرير تفسير الثمانية بثمانية صفوف من الملائكة بأسانيد سردها واغفل عن ذكر خرافة الأوعال فى تفسير الآية.
والعرش فى الآية هو العرش الذي يستظل به يوم القيامة من يستحق الاظلال، وإضافته الى الله تعالى اضافة تشريف كما لا يخفى.
ومن راجع أساطير اليونانيين الأقدمين فى آلهتهم وركوبهم عروشا ومراكب علم مصدر تلك الخرافة.34
## (ج) الكرسي عند المفسرين: ذهب سعيد بن جبير وابن عباس الى ان الكرسي علمه تعالى، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره فى آية الكرسي «ولا يؤوده حفظهما»، على ان ذلك كذلك.
فأخبر انه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما فى السموات والأرض، كما اخبر عن ملائكته انهم قالوا فى دعائهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً35فأخبر تعالى ذكره ان علمه وسع كل شيء، فكذلك وسع كرسيه السموات والأرض.
واصل الكرسي العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة، ومنه قول الراجز- فى صفة قانص: حتى إذا ما اجتازها تكرسا36وقد فسر ابو موسى، والسدى، والضحاك، وسفيان، وعمار الكرسي بانه (موضع القدمين، وهو الذي يوضع تحت