[سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
[سورة المسد1] سورة «تبت.2.. » مكية عددها خمس آيات3:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم النبي- صلى الله عليه وسلم- وإنما سمي أبو لهب لأن وجنتيه «كانتا حمراوين، كأنما يلتهب منهما النار1»، وذلك أنه لما نزلت «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ2» يعني بني هاشم، وبني المطلب، وهما ابنا عبد مناف بن قصي، قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا علي، قد أمرت أن أنذر عشيرتي الأقربين، فاصنع لي طعاما حتى أدعوهم عليه وأنذرهم.
فاشترى علي- رحمة الله عليه- «رجل شاة3» فطبخها وجاء بعس من لبن، فدعا النبي- صلى الله عليه وسلم- بني هاشم، وبني المطلب إلى طعامه، وهم أربعون رجلا غير رجل، على رجل شاة، وعس من لبن، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى رووا.
فقال أبو لهب: لهذا ما سحركم به، الرجال «العشرة4» منا يأكلون الجذعة، ويشربون العس، وإن محمدا قد أشبعكم أربعين رجلا من رجل شاة، ورواكم من عس من لبن فلما سمع ذلك منه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شق عليه، ولم ينذرهم تلك الليلة، وأمر النبي «عليا5» أن يتخذ لهم ليلة
أخرى مثل ذلك، ففعل فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى رووا، فقال [255 ب] النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا بني هاشم، ويا بني المطلب، أنا لكم النذير من الله، وأنا لكم البشير «من الله1» إنى قد جئتكم بما لم يجيء به أحد من العرب، جئتكم في الدنيا بالشرف، فأسلموا تسلموا، وأطيعوني تهتدوا.
فقال أبو لهب: تبالك، يا محمد، سائر اليوم، لهذا دعوتنا؟ فأنزل الله- عز وجل- فيه «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» وَتَبَّ- 1- يعني وخسر أبو لهب، ثم استأنف فقال: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ في الآخرة وَما كَسَبَ- 2- يعني أولاده عتبة وعتيبة ومعتب لأن ولده من كسبه سَيَصْلى يعني سيغشى أبو لهب نَارًا ذاتَ لَهَبٍ- 3- ليس لها دخان وَامْرَأَتُهُ وهي أم جميل «بنت2» حرب، وهي أخت أبي سفيان بن حرب حَمَّالَةَ الْحَطَبِ- 4- يعني كل شوك يعقر كانت تلقيه على طريق النبي- صلى الله عليه وسلم-، ليعقره، ثم أخبره بما يصنع بها في الآخرة، فقال، فِي جِيدِها في عنقها يوم القيامة حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ- 5- يعني سلسلة من حديد، فلما نزلت هذه الآية في أبي لهب قيل لها: إن محمدا قد هجا زوجك، وهجاك، وهجا ولدك، فغضبت وقامت فأمرت وليدتها أن تحمل ما يكون في بطن الشاة من الفرث والدم والقذر، فانطلقت لتستدل على النبي- صلى الله عليه وسلم- لنلقى ذلك عليه فتصغره، وتذله به، لما بلغها عنه، فأخبرت أنه في بيت عند الصفا، فلما انتهت إلى الباب سمع أبو بكر- رحمة الله عليه- كلامها، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- داخل البيت فقال أبو بكر- رحمة الله عليه-: يا رسول الله إن أم جميل قد جاءت، وما أظنها جاءت بخير.
فقال
النبي- صلى الله عليه وسلم-: اللهم خذ ببصرها.
أو كما قال.
ثم قال لأبي بكر- رحمة الله عليه-: دعها تدخل، فإنها لن تراني، فجلس النبي-- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر- رحمة الله عليه- جميعا، فدخلت أم جميل البيت، فرأت أبا بكر- رحمة الله عليه- ولم تر النبي- صلى الله عليه وسلم-، وكانا جميعا في مكان واحد فقالت يا أبا بكر أين صاحبك؟ «فقال1» : وما أردت منه يا أم جميل؟ قالت: إنه بلغني أنه هجاني، وهجا زوجي، وهجا أولادي، وإني جئت بهذا الفرث لألقيه على وجهه، ورأسه أذله بذلك.
فقال لها: والله، ما هجاك، ولا هجا زوجك، ولا هجا ولدك.
قالت: أحق ما تقول يا أبا بكر.
قال: نعم.
فقالت: أما إنك لصادق، وأنت الصديق، وما أرى البأس إلا وقد كذبوا عليه.
فانصرفت إلى منزلها، ثم إنه بدا لعتبة بن أبي لهب أن يخرج إلى الشام في تجارة، وتبعه ناس من قريش حتى بلغوا «الصفاح2» [256 أ] فلما هموا أن يرجعوا عنه إلى مكة، قال لهم عتبة: إذا رجعتم إلى مكة، فأخبروا محمدا بأنى كفرت ب «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى3» وكانت أول سورة أعلنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ النبي- صلى الله عليه وسلم- ذلك قال: اللهم سلط عليه كلبك يأكله، فألقى الله- عز وجل- في قلب عتبة الرعب لدعوة النبي- صلى الله عليه وسلم وكان إذا سار ليلا ما يكاد ينزل بليل، «فهجر4» بالليل، فسار يومه وليلته، وهم أن لا ينزل حتى يصبح، فلما كان قبيل الصبح، قال له أصحابه: هلكت الركاب، فما زالوا به حتى نزل، وعرس، «وإبله5»
وهو «مذعور1»، فأناخ الإبل حوله مثل «السرادق وجعل الجواليق دون الإبل مثل «السرادق2» «ثم أنام3» الرجال حوله دون الجواليق، فجاء الأسد ومعه ملك يقوده، فألقى الله- عز وجل- على الإبل السكينة، فسكنت، فجعل الأسد يتخلل الإبل، فدخل على عتبة وهو في وسطهم فأكله مكانه.
وبقي عظامه وهم لا يشعرون، فأنزل الله- عز وجل- في قوله حين قال لهم: قولوا لمحمد إنى كفرت بالنجم إذا هوى، يعني القرآن إذ نزل، «أنزل فيه4» : «قُتِلَ الْإِنْسانُ» يعني لعن الإنسان «مَا أَكْفَرَهُ5» يعني عتبة يقول أي شيء أكفره بالقرآن، إلى آخر الآيات.6
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَأُمُّ جَمِيلٍ تَقُولُ مُذَمَّمًا عَصَيْنَا، وَأَمْرُهُ أَبَيْنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ أن قريشا نذم مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.