صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْد صلاة الأولى: إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الْإِسْلام وَلا يكلموننا وَلا يخالطوننا فِي شيء ومنازلنا فيهم وَلا نجد متحدثا دون هَذَا المسجد.
فنزلت هَذِهِ الآية فقرأها النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالوا: قَدْ رضينا بِاللَّه ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وَجَعَل الناس يصلون تطوعا بعد المكتوبة.
وذلك فِي صلاة الأولى1وخرج النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى باب المسجد فإذا هُوَ بمسكين قَدْ خرج من المسجد وَهُوَ يَحْمَد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فدعاه النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: هَلْ أعطاك أحد شيئًا؟ قَالَ: نعم يا نَبِيّ اللَّه.
قَالَ: من أعطاك؟ قَالَ: الرَّجُل القائم أعطانى خاتمه: يعنى على ابن أَبِي طَالِب- رضوان اللَّه عَلَيْه- فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَلَى أَيّ حال أعطاكه؟ قَالَ: أعطاني وَهُوَ راكع.
فكبر النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقَالَ: الحمد للَّه الَّذِي خص عليا بهذه الكرامة.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- رَضِيَ اللَّه عنه- فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ- 56- يعني شيعة اللَّه ورسوله والذين آمنوا هُم الغالبون فبدأ بعلي بن أبي طَالِب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- قبل الْمُسْلِمِين ثُمّ جعل الْمُسْلِمِين
وأهل الكتاب الْمُؤْمِنِين: فيهم عَبْد اللَّه بن سلام وغيره هُم الغالبون لليهود، حين قتلوهم وأجلوهم «من المدينة»1إلى الشام: وأذرعات وأريحا، قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني المنافقين الَّذِين أقروا باللسان وليس الْإِيمَان فِي قلوبهم لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ الْإِسْلام هُزُواً وَلَعِباً يعني استهزاء وباطلا، وذلك أن المنافقين كانوا يوالون اليهود: فيتخذونهم أولياء، قال: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود مِنْ قَبْلِكُمْ لأنهم أعطوا التوراة قبل أمة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: لا تتخذوهم أولياء وَلا تتخذوا الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ يعني كفار اليهود ومشركي العرب، ثُمّ حذرهم فَقَالَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 57- يعني إن كنتم مصدقين فلا تتخذوهم أولياء يعني كفار العرب حين، قَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، وعبد اللَّه بن نتيل وأبو لبابة وَغَيْرُهُمْ من اليهود: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، حين كتبوا إليهم، ثُمّ أخبر عن اليهود فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً يعنى [103 ب] استهزاء وباطلا وذلك أن اليهود كانوا إذا سمعوا الأذان ورأوا الْمُسْلِمِين قاموا إلى صلاتهم يقولون قَدْ قاموا لا قاموا، وإذا رأوهم ركعوا قَالُوا لا ركعوا وإذا رأوهم سجدوا ضحكوا وقالوا لا سجدوا واستهزءوا، يَقُولُ اللَّه- تعالى-: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ- 58- يَقُولُ لو عقلوا ما قَالُوا هَذِهِ المقالة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ- 59- قَالَ: أتى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أبو ياسر، وحيى ابن أخطب، ونافع بن أَبِي نَافِع وعازر بن أَبِي عازر، وخالد وزيد ابنا عمرو، وأزر بن أبى أزر، وأشبع، فسألوه عن من يؤمن به من الرسل؟ فقال رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «نؤمن بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بين أحد منهم ونحن له مسلمون»1فَلَمَّا ذكر عِيسَى ابْن مريم جحدوا نبوته- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقالوا: لا نؤمن بعيسى وَلا بمن آمن به.
فأنزل اللَّه- عز وجل- هذه الآية: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ يعني صدقنا بِاللَّه بأنه واحد لا شريك له «وَ» صدقنا ب «ما أُنْزِلَ إِلَيْنا» يعني قرآن محمد- صلى الله عليه وسلم- «وَ» صدقنا ب «ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ» قرآن محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الكتب التي أنزلها الله- عز وجل- على الأنبياء عليهم السلام «وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ» يعني عصاة، قَالَت اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أَهْل هَذِهِ الأديان أقل حظا فِي الدُّنْيَا والآخرة منكم.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ يعنى المؤمنين مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ يعني ثوابا من عند اللَّه، قَالَت اليهود: من هُمْ يا محمد؟ فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى الله عليه وسلم-: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وهم اليهود وَغَضِبَ عَلَيْهِ فَإِن لَمْ يقتل أقر بالخراج وغضب عَلَيْه وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ القردة فِي شأن الحيتان2والخنازير3فِي شأن المائدة.
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ فيها تقديم وعبد الطاغوت يعني ومن عَبْد الطاغوت وَهُوَ الشَّيْطَان أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً فِي الدُّنْيَا يعني شر منزلة وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ- 60- يعني وأخطأ عن قصد الطريق من الْمُؤْمِنِين فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية عيرت اليهود فقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير.
فنكسوا رءوسهم وفضحهم اللَّه- تَعَالَى- وجاء أَبُو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف1، وعازر بن أَبِي عازر ونافع بن أَبِي نَافِع، ورافع بن ابى حريملة، هم رؤساء اليهود حَتَّى دخلوا عَلَى رسول اللَّه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالوا: قَدْ صدقنا بك يا محمد لأنا نعرفك2ونصدقك ونؤمن بك.
ثُمّ خرجوا من عنده بالكفر غَيْر أنهم أظهروا الْإِيمَان فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم وَإِذا جاؤُكُمْ اليهود قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنهم دخلوا عَلَيْه وهم يسرون الكفر [104 أ] وخرجوا من عنده بالكفر، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يعني بالكفر مقيمين عَلَيْه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ- 61- يعني بما يسرون فِي قلوبهم من الكفر بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نظيرها فِي آل عِمْرَانَ3ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يعني المعصية وَالْعُدْوانِ يعني الظلم وَهُوَ الشرك وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني كَعْب بن الأشرف لأنه كان يرشي فِي الْحُكْم ويقضي بالجور لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ- 62- ثُمّ عاتب اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- الربانيين والأحبار
فَقَالَ: لَوْلا يعني فهلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني بالربانيين المتعبدين والأحبار يعني القراء الفقهاء أصحاب القربان من وَلَدِ هَارُون- عَلَيْه السَّلام- وكانوا رءوس اليهود عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يعني الشرك وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني الرشوة فِي الحكم لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ- 63- حين لَمْ ينهوهم فعاب من أكل السحت: الرشوة فِي الْحَكَم، وعاب الربانيين الَّذِين لَمْ ينهوهم عن أكله.
وَقالَتِ الْيَهُودُ يعني ابْن صوريا وفنحاص اليهوديين وعازر بن أَبِي عازر يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعني ممسكة أمسك اللَّه يده عنا فلا يبسطها علينا بخير وليس بجواد وذلك أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بسط1عليهم فِي الرزق فَلَمَّا عصوا واستحلوا ما حرم عليهم أمسك عَنْهُم الرزق، فقالوا عِنْد ذَلِكَ يد اللَّه محبوسة عن البسط يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ يعني أمسكت أيديهم عن الخير وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ بالخير يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ إن شاء وسع فِي الرزق وإن شاء قتر، هُمْ خلقه وعبيده فِي قبضته، ثُمّ قال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ يعني اليهود من بني النضير مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني أمر الرجم والدماء ونعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طُغْياناً وَكُفْراً بالقرآن يعني جحودا به2وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ يعني اليهود والنصارى، شر ألقاه- عَزَّ وَجَلّ- بينهم الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ يعني يبغض بعضهم بعضا ويشتم بعضا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فلا يحب اليهودي النَّصْرانُّي وَلا النَّصْرانُّي اليهودي كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يعني كلما أجمعوا أمرهم عَلَى مكر بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أمر الحرب فرقه اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وأطفأ نار مكرهم فلا يظفرون بشيء أبدا وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يعني يعملون فيها بالمعاصي وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ- 64- يعنى العاملين
بالمعاصي.
وقوله- سبحانه-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) يعني اليهود والنصارى آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَاتَّقَوْا الشرك لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني لمحونا عَنْهُمْ ذنوبهم وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ- 65-[104 ب] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فعملوا بما فيهما من أمر الرجم والزنا1وغيره وَلَم يحرفوه عن مواضعه فِي التوراة التي أنزلها اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فأما فِي الإنجيل فنعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «وأما فِي التوراة فنعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»2- والرجم والدماء وغيرها، وَلَم يحرفوها عن مواضعها، وَأقاموا ب ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ فِي التوراة والإنجيل من نعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن إيمان بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَم يحرفوا نعته لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعنى المطر وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني من الأرض: النبات ثُمّ قَالَ- عَزَّ وجل- مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ يعني عصبة عادلة فِي قولها من مؤمني أَهْل التوراة والإنجيل، فأمّا أَهْل التوراة فعبد اللَّه بن سلام وأصحابه وأمّا أَهْل الإنجيل فالذين كانوا عَلَى دين عِيسَى ابن مريم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهم اثنان وثلاثون رَجُلا، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يعني من أَهْل الكتاب يعني كفارهم ساءَ مَا يَعْمَلُونَ- 66- يعنى بئس ما كانوا يعملون.
قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ يعنى محمدا- صلي اللَّه عَلَيْه وسلم- مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دعا اليهود إلى الإسلام فأكثر الدعاء فجعلوا يستهزئون ويقولون «أتريد يا محمد أن نتخذك حنانا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا»3فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
«ذلك»1سكت عَنْهُمْ فحرض اللَّه يعني فحضض الله- عز وجل- النبي- صلى الله عليه وَسَلَّمَ- عَلَى الدعاء إلى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وألا يمنعه2ذَلِكَ تكذيبهم إياه واستهزاؤهم فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ3وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ يعني من اليهود فلا تُقتل إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ- 67- يعني اليهود، فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية أمن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من القتل والخوف فَقَالَ: لا أبالي من خذلني ومن نصرني.4
وذلك أنه كان خشي أن تغتاله اليهود فتقتله، ثُمّ أخبره ماذا يبلغ؟ فقال- تعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعنى اليهود والنصارى لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من أمر الدّين حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يَقُولُ حَتَّى تتلوهما حق تلاوتهما كَمَا أنزلهما الله- عز وجل- وَتقيموا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ5من أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلا تحرفوه عن مواضعه، فهذا الَّذِي أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أن يبلغ6أَهْل الكتاب.
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني ما فِي القرآن من أمر الرجم والدماء طُغْياناً وَكُفْراً يعني وجحودا بالقرآن فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ يعنى
فلا تحزن يا محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى القوم الْكافِرِينَ- 68- يعني أَهْل الكتاب إذ كذبوك بما تقول. قوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني الَّذِين صدقوا وَالَّذِينَ هادُوا يعني اليهود وَالصَّابِئُونَ هُمْ قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح وفارقوا هَذِهِ الفرق الثلاث وزعموا أنهم عَلَى دين نوح- عَلَيْه السَّلام- وأخطأوا لأن دين نوح- عَلَيْه السَّلام- كان عَلَى دين الْإِسْلام.1
وَالنَّصارى إِنَّمَا سموا نصارى لأنهم ابتدعوا هَذَا الدّين بقرية تسمى ناصرة، قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: مَنْ آمَنَ من هؤلاء بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً وأدى الفرائض من قبل أن يبعث محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَه الجنة ومن بقي منهم إلى أن يبعث محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلا إيمان لَهُ إِلَّا أن يصدق بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمنْ صدق بِاللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وبما جاء به محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- 69- من الموت.
قوله- سُبْحَانَهُ-: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي التوراة عَلَى أن يعملوا بما فيها وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا يعني وأرسل اللَّه- تَعَالَى- إليهم رسلا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ يعني اليهود فَرِيقاً كَذَّبُوا يعني اليهود فريقا كذبوا عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ- 70- يعني اليهود كذبوا بطائفة من الرسل وقتلوا طائفة من الرسل يعني زَكَرِيّا ويحيى فِي بني إِسْرَائِيل.
قوله- عَزَّ وَجَلّ-: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ يعني اليهود حسبوا ألا يكون شرك وَلا يبتلوا وَلا يعاقبوا بتكذيبهم الرسل وبقتلهم الْأَنْبِيَاء: أن لا يبتلوا بالبلاء والشدة من قحط المطر فَعَمُوا عن الحق فلم يبصروه وَصَمُّوا عن الحق فلم يسمعوه ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ تجاوز عَنْهُمْ فرفع عَنْهُم البلاء فلم يتوبوا بعد رفع البلاء ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ- 71- من قتلهم الْأَنْبِيَاء وتكذيبهم الرسل.
قوله- عَزَّ وَجَلّ-: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ1نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما قَالُوا إن اللَّه هو المسيح ابن مريم وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يعني وحدوا اللَّه ربي وربكم إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فيقول إن اللَّه هُوَ المسيح ابْن مريم فيموت عَلَى الشرك فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ يعني وما للمشركين مِنْ أَنْصارٍ- 72- يعني من مانع يمنعهم من النار لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يعنى الملكانيين قالوا: الله
والمسيح ومريم1يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- تكذيبا لقولهم وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من الشرك لَيَمَسَّنَّ يعني ليصيبن الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- 73- يعني وجيع والقتل بالسيف والجزية عَلَى من بقي منهم عقوبة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ- يعيبهم: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ يعني أفهلا يتوبون إلى اللَّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ من الشرك فَإِن فعلوا «غفر لهم»2وَاللَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ- 74- بهم.
ثُمّ أخبر عن عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- فقال- سبحانه-[105 ب] : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ يعني مؤمنة كقوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا3يعني مؤمنا نبيا.
وذلك حين قَالَ لها جبريل- عليه السلام- إِنَّما أَنَا4سُولُ رَبِّكِ5وَفِي بطنك المسيح فآمنت بجبريل- عَلَيْه السَّلام- وصدقت بالمسيح ابْن مريم- عَلَيْه السَّلام- ثُمّ سميت الصديقة وهي يومئذ فِي محراب بيت المقدس كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ يعني العلامات فِي أمر عِيسَى ومريم أنهم كانا يأكلان الطعام والآلهة لا تأكل الطعام6ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ- 75- يعني من أَيْنَ يكذبون فأعلمهم أني واحد قُلْ لنصارى نجران أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني عِيسَى مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا فِي الدُّنْيَا وَلا نَفْعاً فِي الآخرة وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولهم إن اللَّه هُوَ المسيح ابن مريم
وثالث ثلاثة الْعَلِيمُ- 76- بمقالتهم.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني نصارى نجران لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ عن دين الْإِسْلام فتقولوا غَيْرَ الْحَقِّ فِي عِيسَى ابن مريم وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا عن الهدى مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا عن الهدى كَثِيراً من الناس وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ- 77- يعني وأخطأوا عن قصد سبل الهدى نزلت فى برصيصا.
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اليهود مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني من سِبْط بني إِسْرَائِيل عَلى لِسانِ داوُدَ ابن أنيشا1وذلك أنهم صادوا الحيتان يوم السبت، وكانوا قَدْ نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، قَالَ دَاوُد: اللَّهُمَّ إن عبادك قَدْ خالفوا أمرك وتركوا أمرك فاجعلهم آية ومثلا لخلقك.
فمسخهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قردة، فهذه لعنة داود- عليه السلام- وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وأما لعنة عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنهم أكلوا المائدة ثُمّ كفروا ورفعوا من المائدة، فَقَالَ عِيسَى: اللَّهُمَّ إنك وعدتني أن من كفر منهم بعد ما يأكل من المائدة أن تعذبه عذابا لا تعذبه أحدا من العالمين، اللَّهُمَّ العنهم كَمَا لعنت أصحاب السبت.
فكانوا خمسة آلاف فمسخهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- خنازير لَيْسَ فيهم امرأة ولا صبي ذلِكَ بِما عَصَوْا فِي ترك أمره وَكانُوا يَعْتَدُونَ- 78- فِي دينهم كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ- 79- حين لَمْ ينهوهم عن المنكر ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ «يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا»2يعني من قريش3لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ لأنهم ليسوا بأصحاب كتاب أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ- 80- وَلَوْ كانُوا يعنى
والمقداد بن الأسود، وأَبُو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وحذيفة ابن اليمان، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة ورجل آخر1اجتمعوا فِي بيت عُثْمَان بن مَظْعُون- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ- ثُمّ قَالُوا: تعالوا حَتَّى نحرم عَلَى أنفسنا الطعام واللباس والنساء، وأن يقطع بعضهم مذاكيره ويلبس المسرح ويبنوا الصوامع فيترهبوا فيها فتفرقوا وهذا رأيهم.
فجاء جبريل- عَلَيْه السَّلام- فأخبر النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِك فأتى منزل عُثْمَان بن مَظْعُون- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فلم يجدهم فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لامرأة عُثْمَان: أحق ما بلغني عن عُثْمَان وأصحابه؟ قَالَتْ: وما هُوَ يا رَسُول اللَّهِ؟ فأخبرها النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي بلغه، فكرهت أن تكذب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ تفشي سر زوجها.
فقالت: يا رَسُول اللَّهِ، إن كان عُثْمَان أخبرك بشيء فقد صدقك أَوْ أخبرك اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بشيء فهو كَمَا أخبرك ربك- تَعَالَى ذكره.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قولي لزوجك إذا جاء: إنَّه لَيْسَ مني من لَمْ يستن بسنتي ويهتد بهدينا ويأكل من ذبائحنا فَإِن من سنتنا: اللباس والطعام والنساء، فأعلمي زوجك، وقولي لَهُ: من رغب عن سنتي فَلَيْس مني، فَلَمَّا رجع عُثْمَان وأصحابه أخبرته امرأته بقول النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَا أعجبه فذروا الَّذِي ذكره النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله- عز وجل-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا فتحرموا حلاله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- 87- من يحرم حلاله ويعتدى
فِي أمره- عَزَّ وَجَلّ- وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً اللباس والنساء والطعام وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تحرموا ما أحل اللَّه لَكُمْ واتقوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ- 88- يقول الذي أنتم به مصدقون.
قوله- سُبْحَانَهُ-: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَهُوَ الرَّجُل يحلف عَلَى أمر وَهُوَ يرى أَنَّهُ فِيهِ صادق وَهُوَ كاذب فلا إثم عَلَيْه وَلا كفارة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ يَقُولُ بما عقد عَلَيْه قلبك فتحلف وتعلم أنك كاذب فَكَفَّارَتُهُ يعنى فكفارة هَذَا اليمين الَّذِي عقد عَلَيْهَا قلبه وَهُوَ كاذب إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ لكل مسكين نصف صاع حنطة مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ يعني من أعدل ما تطعمون أَهْلِيكُمْ من الشبع نظيرها فِي البقرة جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً1يعني عدلا قَالَ- سُبْحَانَهُ- فِي ن: قالَ أَوْسَطُهُمْ2يعني أعدلهم يَقُولُ لَيْسَ بأدنى ما تأكلون وَلا بأفضله،3ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَوْ كِسْوَتُهُمْ [107 أ] يعنى كسوة عشرة مساكين لكل مسكين عبادة أو ثوب أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ما «سواء أكان المحرر»4يهوديا أَوْ نصرانيا أَوْ مجوسيا أَوْ صابئيا فهو جائز وَهُوَ بالخيار فِي الرقبة أَو الطعام أَو الكسوة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ من هَذِهِ الخصال الثلاث شيئًا فَصِيامُ5ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وهي فِي قراءة ابْن مَسْعُود متتابعات ذلِكَ الَّذِي ذكر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ فلا تتعمدوا اليمين الكاذبة كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- 89- ربكم فِي هَذِهِ النعم إذ جعل لَكُمْ مخرجا فِي أيمانكم فيما ذكر فِي الكفارة قوله- سبحانه-:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ نزلت فِي سعد بن أَبِي وَقَّاص- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- وَفِي رَجُل من الأنصار يُقَالُ لَهُ عتبان بن مَالِك الأنصاري، وذلك أن الْأَنْصَارِيّ صنع طعاما وشوى رأس بعير ودعا سعد بن أبي وَقَّاص إلى الطعام وهذا قبل التحريم فأكلوا وشربوا حَتَّى انتشوا وقالوا الشعر، فقام الْأَنْصَارِيّ إلى سعد فأخذ إحدى لحيي البعير فضرب به وجهه فشجه فانطلق سعد مستعديا إلى رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنزل تحريم الخمر، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ1يعني به القمار كله وَالْأَنْصابُ يعني الحجارة التي كانوا ينصبونها ويذبحون لها وَالْأَزْلامُ يعني القدحين الَّذِين كانوا يعملون بهما رِجْسٌ يعني إثم مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ يعني من تزيين الشَّيْطَان ومثله فِي القصص قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ2فَاجْتَنِبُوهُ فهذا النهي للتحريم3، كَمَا قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ4فَإنَّهُ حرام: كذلك فاجتنبوا الخمر فَإِنَّهَا حرام لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 90- يعني لكي إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ يعني أن يغري بينكم العداوة وَالْبَغْضاءَ الَّذِي كان بين سعد وَبَيْنَ الْأَنْصَارِيّ حَتَّى كسر أنف سعد فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ورث ذَلِكَ العداوة والبغضاء وَيريد الشَّيْطَان أن يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يَقُولُ إذا سكرتم لَمْ تذكروا اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَعَنِ الصَّلاةِ يَقُولُ إذا سكرتم لَمْ تصلوا فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ- 91- فهذا وعيد بعد النهي والتحريم قَالُوا انتهينا يا ربنا.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم-: «يا أيها الذين آمنوا إن الله حرم عليكم
الخمر فَمنْ كان عنده منها شيء فلا يشربها وَلا يبيعها وَلا يسقيها غيره».
قَالَ1: وقَالَ أَنَس بن مَالِك لَقَدْ نزل تحريم الخمر وما بالمدينة يومئذ خمر إِنَّمَا كانوا يشربون الفصيح.2
وأما الميسر فهو القمار وذلك أن الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة كان يَقُولُ أَيْنَ أصحاب الجزور فيقوم نفر فيشترون بينهم جزورا فيجعلون لكل رَجُل منهم سهم ثُمّ يقرعون فمن خرج سهمه [107 ب] برىء من الثمن وَلَهُ نصيب فِي اللحم حَتَّى يبقى آخرهم فيكون عَلَيْه الثمن كله وليس لَهُ نصيب فِي اللحم وتقسم الجزور بين البقية بالسوية.
وأمّا الأزلام فهي القداح التي كانوا يقتسمون الأمور بها: قد حين مكتوب عَلَى أحدهما: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي فإذا أرادوا أمرا أتوا بيت الأصنام فغطوا عَلَيْه ثوبا ثُمّ ضربوا بالقداح فَإِن خرج أمرني ربي مضى عَلَى وجهه الَّذِي يريد، وإن خرج نهاني ربي لَمْ يَخْرُج فِي سفره، وكذلك كانوا يفعلون إذا شكوا فِي نسبة رَجُل، وأمّا الأنصاب فهي الحجارة التي كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون لها، ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِي تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إلى آخر الآية وَاحْذَرُوا معاصيهما فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني أعرضتم عن طاعتهما فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْبَلاغُ الْمُبِينُ- 92- فِي تحريم ذَلِكَ.
فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية فِي تحريم الخمر قَالَ حيي بن أخطب وأَبُو ياسر وكعب بن الأشرف للمسلمين: فَمَا حال من مات منكم وهم يشربون الخمر؟ فذكروا3ذَلِكَ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقالوا: إن إخواننا ماتوا وقتلوا وَقَدْ كانوا
يشربونها فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ يعني حرج فِيما طَعِمُوا يعني شربوا من الخمر قبل التحريم1إِذا مَا اتَّقَوْا المعاصي وَآمَنُوا بالتوحيد وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «يعني أقاموا الفرائض»2قبل التحريم ثُمَّ اتَّقَوْا المعاصي وَآمَنُوا بما يجيء من الناسخ والمنسوخ «ثُمَّ اتَّقَوْا» المعاصي بعد تحريمها «وَآمَنُوا» يعني وصدقوا ثُمَّ اتَّقَوْا الشرك وَأَحْسَنُوا العمل بعد تحريمها فَمنْ فعل ذَلِكَ فهو محسن وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- 93- فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للذي سأله: قيل لي إنك من المحسنين.
وقوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ يعني ببعض الصيد فخص صيد البر خاصة ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا3تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ يَقُولُ تأخذون صغار الصيد بأيديكم أخذا بغير سلاح ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَرِماحُكُمْ يعني وسلاحكم النبل والرماح بها يصيبون كبار الصيد وَهُوَ عام حبس النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن مكة عام الحديبية وأقام بالتنعيم فصالحهم عَلَى أن يرجع عامه ذَلِكَ وَلا يدخل مكة فإذا كان العام المقبل أخلوا لَهُ مكة فدخلها فِي أصحابه- رَضِيَ اللَّه عَنْهم- وأقام بها ثلاثا4ورضي النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِك فنحر البدن مائة بدنة فجاءت السباع والطير تأكل منها فنهى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عن قَتْل الصيد فِي الحرم لِيَعْلَمَ اللَّهُ لكي يرى اللَّه مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ [108 أ] يقول من يخاف الله-
عَزَّ وَجَلّ- وَلَم يره فلم يتناول الصيد وهو محرم فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ يَقُولُ فَمنْ أخذ الصيد عمدا بعد النهي، فقتل الصيد وَهُوَ محرم فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ- 94- يعني ضربا وجيعا ويسلب ثيابه ويغرم الجزاء، وحكم ذَلِكَ إلى الْإِمَام، فهذا العذاب الأليم قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وذلك أن أبا بشر واسمه: عمرو بن مَالِك الْأَنْصَارِيّ كان محرما فِي عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت فِيهِ لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً لقتله ناسيا لإحرامه» فَجَزاءٌ يعني جزاء الصيد مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يعني من الأزواج الثمانية إن كان قَتَل عمدا أَوْ خطأ أَوْ أشار إلى الصيد فأصيب فعليه الجزاء يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعنى يحكم بالكفارة رجلان من الْمُسْلِمِين عدلين فقيهين يحكمان فِي قاتل الصيد جزاء مثل ما قَتَل من النعم إن قَتَل حمار وحش أَوْ نعامة ففيها بعيرا بنحره بمكة: يطعم المساكين وَلا يأكل هُوَ وَلا أحد من أصحابه وإن كان من ذوات القرون: الأيل2والوعل ونحوهما فجزاؤه أن يذبح بقرة
للمساكين وفى الطير ونحوها جزاؤه أن يذبح شاة مسنة1وَفِي الحمام شاة وَفِي بيض الحمام إذا كان فِيهِ فرخ دِرْهَم وإن لَمْ يَكُنْ فِيهِ فرخ فنصف دِرْهَم وَفِي وَلَد الحمار الوحش وَلَد بعير مثله، وَفِي وَلَد النعامة وَلَد بعير مثله، وَفِي وَلَد الأيل والوعل ونحو وَلَد بقرة مثله وفى فرخ الحمام ونحوه وَلَد شاة مثله وَفِي وَلَد الظبي «وَلَد»2شاة مثله هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ يعني ينحر بمكة كقوله- سُبْحَانَهُ- فِي الحج «ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ»3تذبح بأرض الحرم فتطعم مساكين مكة أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ لكل مسكين نصف صاع حنطة أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يَقُولُ إن لَمْ يقدر عَلَى الهدي وَلا عَلَى ثمنه «وَلا عَلَى إطعام المساكين»4فليصم مكان كُلّ مسكين يومًا ينظر ثمن الهدي فيجعله دراهم. ثم ينظركم يبلغ الطعام بتلك الدراهم بسعر مكة فيصوم مكان كُلّ مسكين يومًا وبكل مسكين نصف صاع حنطة.5
لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ
يعني جزاء ذنبه يعني الكفارة عقوبة لَهُ بقتله «الصيد»1عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يَقُولُ عفا اللَّه عما كان منه قبل التحريم يَقُولُ تجاوز اللَّه عما صنع فِي قتله الصيد متعمدا قبل نزول هَذِهِ الآية وَمَنْ عادَ بعد النهي إلى قتل الصيد فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بالضرب والفدية وينزع ثيابه وَاللَّهُ عَزِيزٌ يعني منيع فِي ملكه ذُو انْتِقامٍ- 95- من أَهْل معصيته فيمن قَتَل الصيد.
نزلت هَذِهِ الآية «قبل الآية»2الأولى: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ3[108 ب] ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ يعني السمك الطري وشيء يفرخ فِي الماء لا يفرخ فِي غيره فهو للمحرم حلال، ثُمّ قَالَ: وَطَعامُهُ يعني مليح4السمك مَتاعاً لَكُمْ يعني منافع لَكُمْ يعني للمقيم وَلِلسَّيَّارَةِ يعني للمسافر وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً يعني ما دمتم محرمين وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا الصيد فِي الإحرام ثُمّ حذرهم قَتْل الصيد، فقال- سبحانه-: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ5- 96- فى الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
قوله- سبحانه-:
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أنها سميت الكعبة لأنها منفردة من البنيان وكل منفرد من البنيان فهو فِي كَلام العرب الكعبة.
قَالَ أَبُو محمد: قَالَ ثعلب: العرب تسمى كُلّ بيت مربع الكعبة قِياماً لِلنَّاسِ يعني أرض الحرم أمنا لهم وحياة لهم فِي الْجَاهِلِيَّة.
قَالَ: كان أحدهم إذا أصاب ذنبا أَوْ أحدث حدثا يخاف عَلَى نفسه دخل الحرم فأمن فِيهِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ قال: كان الرجل إذا أراد سفرا نظر فِي أمره فَإِن كان السَّفَر الَّذِي يريده يعلم أنه يذهب ويرجع قبل أن يمضي الشهر الحرام توجه آمنا، وَلَم يقلد نفسه وَلا راحلته، وإن كان يعلم أنه لا يقدر عَلَى الرجوع حَتَّى يمضي الشهر الحرام قلد نفسه وبعيره من لحا شجر الحرم فيأمن به حيث ما توجه من البلاد، فَمنْ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ كُلّ ذَلِكَ كان قواما لهم وأمنا في الجاهلية نظيرها فى أول السورة.
ذلِكَ يَقُولُ هَذَا لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ قبل أن يكونا ويعلم أَنَّهُ سيكون من أمركم الَّذِي كان وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمال العباد عَلِيمٌ- 97- ثُمّ خوفهم ألا يستحلوا الغارة فِي حُجّاج اليمامة يعني شريحا وأصحابه فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 98- لمن أطاعه بعد النهي ثُمّ قَالَ- عَزَّ وجل-: ما عَلَى الرَّسُولِ محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا الْبَلاغُ فِي أمر حُجّاج اليمامة شُرَيْح بن ضبيعة وأصحابه وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يعني ما تعلنون بألسنتكم وَما تَكْتُمُونَ- 99- من أمر حجاج اليمامة والغارة عليهم قُلْ لهم يا محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ يعني بالخبيث الحرام والطيب الحلال نزلت فِي حُجّاج اليمامة حين أراد المؤمنون الغارة عليهم وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يعني الحرام، ثُمّ حذرهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا منهم محرما يَا أُولِي الْأَلْبابِ يعنى يا أهل اللب والعقل لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
- 100- قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [109 أ] نزلت فِي عَبْد اللَّه بن جحش بن رباب الأسدى من بنى غنم ابن دودان وَفِي عَبْد اللَّه بن حذافة الْقُرَشِيّ ثُمّ السهمي وذلك أن رَسُول اللَّهِ- صَلَّى الله عليه وسلم- قال: يا أيها الناس إن اللَّه كتب عليكم الحج.1
فَقَالَ عَبْد اللَّه بن جحش: أفي كُلّ عام فسكت عَنْهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمّ أعاد قوله، فسكت النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمّ عاد، فغضب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونخسه بقضيب كان معه، ثُمّ قَالَ: ويحك، لو قُلْتُ نعم لوجبت فاتركوني ما تركتكم فإذا أمرتكم بأمر فافعلوه وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عَنْهُ.
وقَالَ رَسُول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أيها الناس، إنَّه قَدْ رفعت لي الدُّنْيَا فأنا أنظر إلى ما يَكُون فِي أمتي من الأحداث إلى يوم الْقِيَامَة، ورفعت لي أنساب العرب فأنا أعرف أنسابهم رجلا رجلا.
فقام رجل، فقال: يا رسول الله: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: أَنْت فِي الجنة.
ثُمّ قام آخر فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي الجنة، ثم قام الثالث فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ فَقَالَ: أَنْت فِي النار.
فرجع الرَّجُل حزينا، وقام عَبْد اللَّه بن حذافة وكان يُطعن فِيهِ فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ من أَبِي؟ قَالَ: أبوك حُذَافة.
وقام رَجُل من بني عَبْد الدار، فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ من أبي؟ قال: أبوك سعد، نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله استر علينا يستر اللَّه عليك إنا قوم قريبو عهد بالشرك.
فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خيرا.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ يعني إن تبين لَكُمْ فلعلكم2إن تسألوا عما لَمْ ينزل به قرآنا فينزل به قرآنا
مغلظا لا تطيقوه، قوله- سبحانه-: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ يعني عن الأشياء حين ينزل بها قرآنا تُبْدَ لَكُمْ تبين لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها يَقُولُ عفا اللَّه عن تِلْكَ الأشياء حين لم يوجبها عليكم وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ- 101- يعني ذو تجاوز حين لا يعجل بالعقوبة، ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ- قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ يَقُولُ قَدْ سَأَلَ عن تِلْكَ الأشياء مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني من بني إِسْرَائِيل فبينت لهم ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ- 102- وذلك أن بني إِسْرَائِيل سألوا المائدة قبل أن تنزل فَلَمَّا نزلت كفروا بها.
فقالوا: ليست المائدة من اللَّه.
وكانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم وَلَم يصدقوهم فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين.
قوله- سبحانه-: ما جَعَلَ اللَّهُ حراما مِنْ بَحِيرَةٍ لقولهم إن اللَّه أمرنا بها نزلت فِي مشركي العرب منهم قريش، وكنانة، عامر بن صَعْصَعَة، وبنو مدلج والحارث وعامر ابني عَبْد مناة، وخزاعة وثقيف، أمرهم بِذَلِك فِي الجاهلية عمرو بن ربيعة بن لحى [109 ب] بن قمعة بن خندف1الخُزَاعيّ، فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: رَأَيْت عمرو بن رَبِيعَة الخُزَاعيّ رَجُلا قصيرا أشقر لَهُ وفرة يجر قصبه فِي النار يعني أمعاءه، وَهُوَ أول من سيب السائبة، واتخذ الوصيلة، وحمى الحامي، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغير دين الحنيفية فأشبه الناس به أكثم بن لجون الخُزَاعيّ فَقَالَ أكثم: أيضرني شبهه يا رَسُول اللَّهِ؟ قَالَ: لا، أَنْت مؤمن وَهُوَ كافر.
والبحيرة الناقة إذا ولدت خمسة أبطن فإذا كان الخامس سقيا وَهُوَ الذكر ذبحوه للآلهة فكان لحمه للرجال دون النّساء، وإن كان الخامس ربعة يعني أنثى شقوا أذنيها.
فهي البحيرة، وكذلك من البقر لا يجز لها وبر وَلا يذكر اسم اللَّه عَلَيْهَا إن ركبت أَوْ حمل عَلَيْهَا ولبنها للرجال
دون النّساء.1
وأما السائبة فهي الأنثى من الأنعام كلها كان الرَّجُل يسيب للآلهة ما شاء من إبله وبقره وغنمه، «وَلا يسيب إِلَّا الأنثى»2وظهورها3وأولادها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها للآلهة ومنافعها للرجال دون النّساء، وأمّا الوصيلة فهي الشاة من الغنم إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع فَإِن كان جديا ذبحوه للآلهة وكان لحمه للرجال دون النّساء، وإن كَانَتْ عتاقا استحيوها فكانت من عرض الغنم.
قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت: قَالَ أَبِي: قَالَ أَبُو صَالِح: قَالَ مُقَاتِل: وإن وضعته ميتا أشرك فِي أكله الرجال والنساء، فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ4بأن ولدت البطن السابع جديا وعتاقا، قَالُوا: إن الأخت قَدْ وصلت أخاها فحرمته علينا فحرما جميعًا فكانت المنفعة للرجال دون النّساء، وأما الحام فهو الفحل من الإبل إذا ركب أولاد أولاده فبلغ ذَلِكَ عشرة أَوْ أقل من ذَلِكَ.
قَالُوا: قَدْ حمى هَذَا ظهره فأحرز نفسه فيهل للآلهة وَلا يحمل عَلَيْه وَلا يركب وَلا يمنع من مرعى وَلا ماء وَلا حمى وَلا ينحر أبدا حَتَّى يموت موتا.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: «ما جَعَلَ اللَّهُ» حراما «مِنْ بَحِيرَةٍ» وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش وخزاعة من مشركي العرب يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لقولهم إن اللَّه أمرنا بتحريمه حين قَالُوا فى الأعراف «وَاللَّهُ أَمَرَنا5بِها» يعني بتحريمها، ثُمّ قَالَ: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ- 103- أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لَمْ يحرمه.
قوله- سبحانه- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعنى مشركي
العرب تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كتابه من تحليل ما حرم1من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وَإِلَى الرَّسُولِ محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالُوا حَسْبُنا مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من أمر الدّين فإنا أمرنا أن نعبد ما عبدوا يقول الله [110 أ] عز وجل: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ يعني فَإِن كان آباؤهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً من الدين وَلا يَهْتَدُونَ- 104- له، أفتتبعونهم؟ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان لا يقبل الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب فَلَمَّا أسلم العرب طوعا وكرها قبل الجزية من مجوس هجر فطعن المنافقون فِي ذلك فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ2يَقُولُ أقبلوا عَلَى أنفسكم فانظروا ما ينفعكم فِي أمر آخرتكم فاعملوا به لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من أَهْل هجر نزلت فِي رَجُل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلّ- مَرْجِعُكُمْ فِي الآخرة جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- 105- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ نزلت فِي بديل بن أَبِي مارية مَوْلَى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافرا فِي البحر إلى أرض النجاشي ومعه رجلان نصرانيان أَحَدهمَا يسمى تميم بن أَوْس الداري وكان من لخم، وعدي بن بندا3، فمات بديل وَهُمْ فِي البحر فرمى به فِي البحر، قَالَ: حِينَ الْوَصِيَّةِ وذلك أَنَّهُ كتب وصيته ثُمّ جعلها فِي متاعه ثُمّ دفعه إلى تميم وصاحبه وقَالَ لهما: أبلغا هَذَا المتاع إلى أهلي فجاءا ببعض المتاع وحبسا جاما من فضة مموها بالذهب فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ
يَقُولُ عِنْد الوصية يشهدون وصيته اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ من الْمُسْلِمِين فِي دينهما أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني من غَيْر أَهْل دينكم: النصرانيين تميم الداري وعدي بن بندا إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يا مَعْشَر الْمُسْلِمِين للتجارة فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ يعنى بديل ابن أَبِي مارية حين انطلق تاجرا فِي البحر وانطلق معه تميم وعدي صاحباه، فحضره الموت فكتب وصيته ثُمّ جعلها فِي المتاع فَقَالَ: أبلغا هَذَا المتاع إلى أهلي فَلَمَّا مات بديل قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فِيهِ ثلاثمائة مثقال منقوش مموه بالذهب فَلَمَّا رجعا من تجارتهما دفعا بَقِيَّة المال إلى ورثته ففقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فِيهِ تاما لَمْ يبع منه وَلَم يهب فكلموا تميما وصاحبه فسألوهما: هَلْ باع صاحبنا شيئًا أَوْ اشترى شيئًا فخسر فِيهِ أَوْ طال مرضه فأنفق عَلَى نفسه؟ فَقَالا: لا قَالُوا، فإنا قَدْ فقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا فَقَالا: ما لنا بما أبدى، وَلا بما كان فِي وصيته علم ولكنه دفع إلينا هَذَا المال فبلغناكم إياه فرفعوا أمرهم إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [110 ب] شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعنى بديل بن أبي مارية اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني من الْمُسْلِمِين: عَبْد اللَّه بن عمرو ابن العاص والمطلب بن أَبِي وَدَاعة السهميان.
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من غَيْر أهل دينكم يعني النصرانيين إِنْ أَنْتُمْ معشر المسلمين ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ تجارا فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ يعني بديل بن أَبِي مارية مَوْلَى العاص ابن وائل السهمي تَحْبِسُونَهُما يعني النصرانيين: تقيمونهما1مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ
صلاة العصر فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ فيحلفان بِاللَّه إِنِ ارْتَبْتُمْ يعني إن شككتم- نظيرها فِي النّساء القصرى1- أن المال كان أكثر من هَذَا الَّذِي أتيناكم به لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً يَقُولُ لا نشتري بأيماننا عرضا من الدُّنْيَا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى يَقُولُ ولو كان الميت ذا قرابة مِنَّا وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً إن كتمنا شيئًا من المال لَمِنَ الْآثِمِينَ- 106- بِاللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فحلفهما النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْد المنبر بعد صلاة العصر فحلفا أَنَّهُما لَمْ يخونا شيئًا من المال فخلى سبيلهما، فَلَمَّا كان بعد ذَلِكَ وجدوا الإناء الَّذِي فقدوه عِنْد تميم الداري، قَالُوا: هَذَا من آنية صاحبنا الَّذِي كان أبدى بها وَقَدْ زعمتما أَنَّهُ لَمْ يبع وَلَم يشتر وَلَم ينفق عَلَى نفسه.
فَقَالا: قَدْ كُنَّا اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به.
فرفعوهما إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الثانية.
فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ، إنا وجدنا مَعَ هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا، فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً يَقُولُ فَإِن اطلع عَلَى أَنَّهُما يعني النصرانيين كتما شيئًا من المال أَوْ خانا فَآخَرانِ من أولياء الميت يعني عَبْد اللَّه بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان يَقُومانِ مَقامَهُما يعني مقام النصرانيين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ الإثم عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني فيحلفان بِاللَّه فِي دبر صلاة العصر أن الَّذِي فِي وصية صاحبنا حق وأن المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هَذَا الإناء لمن متاع صاحبنا الَّذِي خرج به معه وكتبه فِي وصيته وأنكما خنتما، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لَشَهادَتُنا يعني عَبْد اللَّه بن عمرو بن العاص والمطلب أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما
يعني النصرانيين وَمَا اعْتَدَيْنا بشهادة الْمُسْلِمِين من أولياء الميت إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ- 107- ذلِكَ أَدْنى يعني أجدر نظيرها فِي النّساء1أَنْ يَأْتُوا يعني النصرانيين بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها كَمَا كَانَتْ وَلا يكتمان شيئًا أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ يَقُولُ أَوْ يخافوا أن يطلع عَلَى خيانتهم فيرد شهادتهما بشهادة الرجلين الْمُسْلِمَيْن من أولياء الميت فحلف عَبْد اللَّه والمطلب كلاهما أن الَّذِي فِي وصية الميت حق وأن هَذَا الإناء من متاع صاحبنا فأخذوا تميم بن «أوس»2الداري وعدى بن بندا النصرانيين [111 أ] بتمام ما وجدا فِي وصية الميت حين اطلع اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عَلَى خيانتهما فِي الإناء،3ثُمّ وعظ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- الْمُؤْمِنِين ألا يفعلوا مثل هَذَا وألا يشهدوا بما لَمْ يعاينوا ويروا، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: يحذرهم نقمته: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا مواعظه وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ- 108- وأن تميم بن أَوْس الداري اعترف بالخيانة فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- ويحك يا تميم، أسلم يتجاوز اللَّه عنك ما كان فِي شركك، فأسلم تميم الداري وحسن إسلامه ومات عَدِيّ بن بندا نصرانيا.
قوله- سبحانه-: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يعني الْأَنْبِيَاء- عليهم السَّلام- فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ فى التوحيد قالُوا لا عِلْمَ لَنا وذلك أول ما بعثوا عِنْد زفرة جَهَنَّم لأن الناس إذا خرجوا من قبورهم تاهت عقولهم، فجالوا فِي الدُّنْيَا ثلاثين سنة ويُقَالُ أربعين سنة، ثُمّ ينادي مناد4عِنْد صخرة بيت المقدس: يا أهل الدنيا، هاهنا موضع الحساب فيسمع النداء
جميع الناس فيقبلون نحو الصوت فإذا اجتمعوا ببيت المَقْدِس زفرت جَهَنَّم زفرة لا يبقى ملك مقرب وَلا نَبِيّ مرسل إِلَّا ظن أنه لو جاء بعمل سبعين نبيا ما نجا1فعند ذَلِكَ تاهت عقولهم فيقول لهم عِنْد ذَلِكَ- يعني المرسلين- «ماذا أُجِبْتُمْ فِي التوحيد قالُوا لا عِلْمَ لَنا» إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- 109- ثُمّ رجعت عقولهم بعد ذَلِكَ إليهم فشهدوا عَلَى قومهم أنهم قَدْ بلغوا الرسالة عن ربهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: «وَيَقُولُ الْأَشْهادُ» : يعني الأنبياء هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ.2
قوله- سُبْحَانَهُ-: إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فِي الآخرة اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ يعني مريم- عليهما السَّلام- «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ»3: فالنعمة عَلَى عِيسَى حين أيده بروح القدس يعني جبريل- عَلَيْه السَّلام- تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَتكلمهم كَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني خط الكتاب بيده وَالْحِكْمَةَ يعني الفهم والعلم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني علم التوراة والإنجيل وجعله نبيا ورسولا إلى بني إِسْرَائِيل وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ4يعنى الخفاش بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها يعني فِي الهيئة فَتَكُونُ طَيْراً5بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ6يعني الأعمى الَّذِي يَخْرُج من بطن أمه أعمى وَيبرئ الْأَبْرَصَ يمسحهما بيده فيبرئهما بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي أحياء
وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أى عن قتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ «وهي إحياء سام ابن نوح بإذن اللَّه».1
فيقوم عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يوم الْقِيَامَة بهؤلاء الكلمات خطيبا عَلَى رءوس الخلائق، ويخطب إبليس لعنه اللَّه عَلَى أَهْل النار بهذه الآية إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ... [111 ب] إلى قوله «بِمُصْرِخِكُمْ» يعني بمانعكم من العذاب «وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» يعنى بمانعي من العذاب «إِنِّي كَفَرْتُ» يعني تبرأت بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ2أى فى دار الدُّنْيَا.
وأمّا النعمة عَلَى مريم- عَلَيْهَا السَّلام- فهي أَنَّهُ اصطفاها يعني اختارها وطهرها من الإثم واختارها عَلَى نساء العالمين وجعلها زَوْجَة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الجنة.
قوله- سبحانه-: «تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ»3يعني تكلم بني إسرائيل صبيا فِي المهد حين جاءت به أمه تحمله، «وَيكلمهم كَهْلًا» حين اجتمع واستوت لحيته «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ» يعني خط الكتاب بيده «وَالْحِكْمَةَ» يعني الفهم والعلم «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ» يعني الخفاش «فَتَنْفُخُ فِيها» يعني فِي الهيئة «فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ» الَّذِي يَخْرُج من بطن أُمّه أعمى فكان عِيسَى- عَلَيْه السَّلام4- يرد إِلَيْهِ بصره بإذن اللَّه- تَعَالَى-: «فيمسح بيده عَلَيْه فإذا هُوَ صحيح بإذن الله»5وأحيا سام
ابن نوح بإذن اللَّه حيث كلمه الناس ثُمّ مات فعاد كَمَا كان «وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ» يعني عن قتلك حين رفعه اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِلَيْهِ «وَقُتِلَ»1شبيهه وَهُوَ الرقيب الَّذِي كان عليه «إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ» يعني بالعجائب التي كان يصنعها من إبراء الأكمه والأبرص والموتى والطائر ونحوه.2
فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ يعني من اليهود من بني إِسْرَائِيل إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ- 110- يعني ما هَذَا الَّذِي يصنع عِيسَى من الأعاجيب إِلَّا سحر مبين يعني بين، نظيرها فى الصف وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ وهم القصارون مبيضو الثياب وكانوا اثني عشر رَجُلا والوحي إليهم من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- هُوَ إلهام قذف فِي قلوبهم التصديق بِاللَّه- عز وجل- بأنه واحد لا شريك له فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ- أَنْ آمِنُوا بِي أن صدقوا بأني واحد لَيْسَ معي شريك وَبِرَسُولِي عِيسَى ابْن مريم أنه نَبِيّ رسول قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بما جاء به من عِنْد اللَّه ونشهد أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- واحد لا شريك لَهُ، وأنك رسوله وَاشْهَدْ يا عِيسَى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ- 111- يعني مخلصون بالتوحيد إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ يَقُولُ هَلْ يقدر عَلَى أن يعطيك ربك إن سَأَلْتُهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ فلا تسألوه البلاء إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 112- فَإِنَّهَا إن نزلت ثُمّ كذبتم عوقبتم قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها فقد جعنا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا يعني وتسكن قلوبنا إلى ما تدعونا إِلَيْهِ وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك نبى [112 أ] رسول وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ- 113- يعني عَلَى المائدة عِنْد بني إِسْرَائِيل إذا رجعنا إليهم وكان القوم الذين
خرجوا وسألوا المائدة خمسة آلاف بطريق وهم الَّذِين سألوا المائدة مَعَ الحواريين قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْد ذَلِكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يَقُولُ تكون عيدا لمن كان فِي زماننا عِنْد نزول المائدة وتكون عيدا لمن بعدنا وَتكون المائدة آيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا يعنى المائدة وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ- 114- من غيرك يَقُولُ فإنك خير من يرزق قالَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلّ- إِنِّي مُنَزِّلُها يعني المائدة عَلَيْكُمْ فنزلها يوم الأحد فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ نزول المائدة مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ- 115- فنزلت من السماء عَلَيْهَا سمك طري وخبز رقاق وتمر، وذكروا أن عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لأصحابه، وهم جلوس فِي روضة، هَلْ مَعَ أحد منكم شيء؟ فجاء شمعون بسمكتين صغيرتين وخمسة أرغفة، وجاء آخر بشيء من سويق فعمد عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقطعهما صغارا وكسر «الخبز فوضعها»1فلقا فلقا ووضع السويق فتوضأ ثُمّ صلى ركعتين ودعا ربه- عز وجل- فألقى الله- عَزَّ وَجَلّ- عَلَى أصحابه شبه السبات ففتح القوم أعينهم فزاد الطعام حَتَّى بلغ الركب2، فَقَالَ عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للقوم كلوا وسموا اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَلا ترفعوا، وأمرهم أن يجلسوا حلقا حلقا فجلسوا فأكلوا حَتَّى شبعوا وهم خمسة آلاف رَجُل، وهذا ليلة الأحد ويوم الأحد، فنادى عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أكلتم؟ قَالُوا: نعم.
قَالَ: لا ترفعوا.
قَالُوا: لا نرفع، فرفعوا فبلغ ما رفعوا من الْفَضْل أربعة
وعشرين مكتلا1فآمنوا عِنْد ذَلِكَ بعيسى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصدقوا به، ثُمّ رجعوا إلى قومهم اليهود من بني إِسْرَائِيل ومعهم فضل المائدة فلم يزالوا بهم حَتَّى ارتدوا عن الإسلام فكفروا بِاللَّه، وجحدوا بنزول المائدة فمسخهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وهم نيام خنازير وليس فيهم صبي وَلا امرأة وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ يعني بني إِسْرَائِيل فِي الدُّنْيَا اتَّخِذُونِي وَأُمِّي مريم إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ فنزه الرب- عَزَّ وَجَلّ- أن يَكُون أمرهم بذلك فقال: ما يَكُونُ لِي يعني ما ينبغي لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ يعني بعدل أن يعبدوا غيرك إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ لهم فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي يعني ما كان مني وما يَكُون وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ يقول ولا أطلع على [112 ب] غيبك.
وقَالَ أيضًا: وَلا أَعْلَم ما فِي علمك، ما كان منك وما يَكُون إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- 116- يعني غيب ما كان وغيب ما يَكُون ما قُلْتُ لَهُمْ وأنت تعلم إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ فى الدنيا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا اللَّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ قَالَ لهم عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَلِكَ فِي هذه السورة، وَفِي كهيعص2، وَفِي الزخرف3وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يعني عَلَى بني إِسْرَائِيل بأن قَدْ بلغتهم الرسالة ما دُمْتُ فِيهِمْ يقول ما كُنْت بين أظهرهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يَقُولُ فَلَمَّا بلغ بي أجل الموت فمت كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ يعنى
الحفيظ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- 117- يعني شاهدا بما أمرتهم من التوحيد وشهيد عليهم بما قَالُوا من البهتان وإنما قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- «وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» وَلَم يقل «وإذ يَقُولُ يا عِيسَى ابن مريم» لأنه قَالَ- سُبْحَانَهُ- قبل ذكر عِيسَى يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم؟ قَالُوا: يومئذ- وَهُوَ يوم الْقِيَامَة- حين يفرغ من مخاصمة الرسل، «فينادي»1أَيْنَ عِيسَى ابْن مريم فيقوم عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شفق فرق يرعد رعدة حَتَّى يقف بين يدي اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يا عِيسَى، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وكما قال- سبحانه-: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ2فَلَمَّا دخلوا الجنة قَالَ: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ3فنسق بالماضي عَلَى الماضي والمعنى مستقبل ولو لَمْ يذكر الجنة قبل بدئهم بالكلام الأول لقال فى الكلام الأول وينادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ.4
وكل شيء فى القرآن على
هَذَا النحو.1
ثُمّ قَالَ عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لربه- عَزَّ وَجَلّ- فِي الآخرة يا رب غبت عَنْهُمْ وتركتهم عَلَى الحق الَّذِي أمرتني به فلم أدر ما أحدثوا بعدي ف إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فتميتهم عَلَى ما قَالُوا من البهتان والكفر فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت خلقتهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتتوب عليهم وتهديهم إلى الْإِيمَان والمغفرة بعد الهداية إلى الْإِيمَان فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- 118- فِي ملكك، الحكيم فِي أمرك وَفِي قراءة ابْن مَسْعُود «فإنك أنت الغفور الرحيم» نظيرها فى سورة إِبْرَاهِيم- عَلَيْه السَّلام- فِي مخاطبة إِبْرَاهِيم «وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»2وهي كذلك أيضا فِي قراءة عَبْد اللَّه بن مَسْعُود، قالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ يعني النبيين بما قَالُوا فِي الدُّنْيَا، فكان عِيسَى صادقا فيما قَالَ لربه فِي الآخرة «مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ» فصدقه اللَّه بقوله فِي الدُّنْيَا، وصدقه فِي الآخرة
حين خطب عَلَى الناس ثُمّ قَالَ: لَهُمْ يعني للصادقين1جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يموتون رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب ذلِكَ الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- 119- يعني النجاء العظيم.
ثُمّ عظم الرب- جلَّ جلاله- نفسه عما قَالَت النصارى من البهتان والزور أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا زعمت وأنه واحد لا شريك له فقال- سبحانه-: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ من الخلق عِيسَى ابْن مريم وغيره من الملائكة والخلق عباده وَفِي ملكه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من خلق عِيسَى من غَيْر أب وغيره قَدِيرٌ- 120-