لم يغب عن الله- عز وجل- من يدخل عليهن إن كان منهن أو منهم ما لا يصلح.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم.
أما صلاة الرب- عز وجل- فالمغفرة للنبي- صلى الله عليه وسلم-، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمّ قَالَ- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ يعني استغفروا للنبي- صلى الله عليه وسلم وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً- 56- فلما نزلت هذه الآية قال المسلمون: هذه لك، يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت «... هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً»1إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني محمدا- صلى الله عليه وسلم- نزلت في اليهود من أهل المدينة، وكان أذاهم لله- عز وجل- أن زعموا أن لله ولدا، وأنهم يخلقون كما يخلق الله- عز وجل- يعني التماثيل والتصاوير.
وأما أذاهم للنبي- صلى الله عليه وسلم- فإنهم زعموا أن محمدا ساحر مجنون شاعر كذاب لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني باللعنة في الدنيا العذاب والقتل والجلاء، وأما في الآخرة فإن الله يعذبهم بالنار، فذلك قوله- عز وجل- وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً- 57- يعني عذاب الهوان.
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً والبهتان ما لم يكن وَإِثْماً مُبِيناً- 58- يعنى بينا يقال: نزلت فى على ابن أبي طالب- رضي الله عنه- وذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه
ويكذبون عليه. وأن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال فى خلافته لأبى ابن كعب الأنصاري إني قرأت هذه الآية: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ... » إلى آخر الآية: فوقعت مني كل موقع، والله، إني لأضربهم وأعاقبهم. فقال له أبي بن كعب- رحمه الله-: إنك لست منهم إنك مؤدب معلم.1
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يعني القناع الذي يكون فوق الخمار وذلك أن المهاجرين قدموا المدينة ومعهم نساؤهم فنزلوا مع الأنصار في ديارهم فضاقت الدور عنهم.
وكان النساء يخرجن بالليل إلى النخل فيقضين حوائجهن يعني البراز فكان المريب يرصد النساء بالليل فيأتيها فيعرض عليها ويغمزها فإن هويت الجماع أعطاها أجرها وقضى حاجته وإن كانت عفيفة صاحت فتركها.
وإنما كانوا يطلبون الولائد فلم تعرف الأمة من الحرة بالليل فذكر نساء المؤمنين ذلك لأزواجهن وما يلقين بالليل من الزناة، فذكروا ذَلِكَ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأنزل الله- عز وجل- «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ».
يعنى القناع فوق الخمار ذلِكَ أَدْنى يعنى أجدر أَنْ يُعْرَفْنَ فى زيهن أنهن لسن «بمربيات»1وأنهن عفايف فلا يطمع فيهن أحد فَلا يُؤْذَيْنَ بالليل وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً في تأخير العذاب عنهم رَحِيماً- 59- حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، ثم أوعدهم فقال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الفجور وهم الزناة، ثم نعتهم بأعمالهم الخبيثة فقال: وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يعني المنافقين كانوا يخبرون المؤمنين بالمدينة بما يكرهون من عدوهم يقول لئن لم ينتهوا عن الفجور والإرجاف والنفاق لَنُغْرِيَنَّكَ يا محمد بِهِمْ يقول لنحملنك على قتلهم ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا- 60- ونجعلهم مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا فأوجب لهم اللعنة على كل حال أينما وجدوا وأدركوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا- 61- يقول خذوهم واقتلوهم قتالا، فانتهوا عن ذلك مخافة القتل.
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ هكذا كانت سنة الله في أهل بدر «القتل»2وهكذا سنة الله في هؤلاء الزناة وفي المرجفين القتل، إن لم ينتهوا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا- 62- يعني تحويلا لأن قوله- عز وجل- حق فى أمر القتل يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ يعني القيامة، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يخطب، فسأله رجل عن الساعة فأوحى الله- عز وجل- إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ يعنى القيامة تَكُونُ قَرِيباً- 63- إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ يعنى كفار مكة وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً- 64-
يعني وقودا خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يعنى قريبا يمنعهم وَلا نَصِيراً- 65- يعنى ولا مانعا يمنهم من العذاب يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا- 66- يعني محمدا- صلى الله عليه وسلم-. وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فهذا قول الأتباع من مشركي العرب من أهل مكة قالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا، نزلت في اثني عشر رجلا وهم المطعمون يوم بدر فيهم أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكبراءنا، يعني ذوي الأسنان منا فى الكفر فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا- 67- يعني المطعمين في غزوة بدر والمستهزئين من قريش «فأضلونا عن سبيل الهدى يعنى عن التوحيد».1
ثم قال الأتباع: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ يعنون القادة والرءوس من كفار قريش وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً- 68- يعني عظيما يعني اللعن على أثر اللعن.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى وذلك أن الله- عز وجل- وعظ المؤمنين ألا يؤذوا محمدا فيقولون زيد بن محمد فإن ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم- أذى كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر.
وذلك أن موسى- عليه السلام- كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل في نهر ولا غيره إلا وعليه إزار.
«وكان»2بنو إسرائيل يغتسلون عراة.
فقالوا: ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق موسى- عليه السلام- ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة ووضع ثيابه عليها ففرت الصخرة
بثيابه وأتبعها موسى- عليه السلام- متجردا فلحقها فضربها بعصاه «وكان موسى- عليه السلام- لا يضع العصا من يده حيث ما كان»1وقال لها: ارجعي إلى مكانك فقالت: إنما أنا عبد مأمور لم تضربني فردها إلى مكانها.
فنظرت إليه بنو إسرائيل فإذا هو من أحسن الناس خلقا وأعدلهم صورة وكان «سليما»2ليس الذي قالوا3، فذلك قوله- عز وجل- فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا إنه آدر وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً- 69- يعنى مكينا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً- 70- يعني قولا عدلا وهو التوحيد يُصْلِحْ لَكُمْ يعني يزكي لكم أَعْمالَكُمْ بالتوحيد وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ محمدا- صلى الله عليه وسلم- فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً- 71- يقول قد نجا بالخير وأصاب منه نصيبا وافرا إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ وهي الطاعة عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ على الثواب والعقاب إن أحسنت جوزيت وإن عصت عوقبت فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها يعني الطاعة على الثواب والعقاب فلم يطقنها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وأشفقن من العذاب مخافة ترك الطاعة فقيل لآدم- عليه السلام- أتحملها بما فيها، قال آدم: وما فيها يا رب؟ قال: إن أطعت جوزيت وإن عصيت عوقبت.
قال آدم: قد حملتها بما فيها.
قال الله- عز وجل- فلم يلبث في الجنة إلا قليلا يعني ساعتين من يومه حتى عصى ربه- عز وجل- وخان الأمانة، فذلك قوله- عز وجل-: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ يعنى
آدم- عليه السلام- إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه بخطيئته جَهُولًا- 72- بعاقبة ما تحمل من الطاعة على الثواب والعقاب.
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ يقول عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل، ونقضوا الميثاق الذي أقروا به على أنفسهم، يوم أخرجهم من ظهر آدم- عليه السلام- حين قال- عز وجل- «... أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى... »1فنقضوا هذه المعرفة وتركوا للطاعة يعنى التوحيد وَيَتُوبَ اللَّهُ يقول ولكي يتوب الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بما وفوا بالأمانة ولم ينقضوا الميثاق وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً- 73- بهم.
سورة سبا مكية وآياتها أربع وخمسون