[سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 62]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6)
[سورة القمر1] سورة القمر مكية عددها خمس وخمسون آية.2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يعني القيامة، «ومن علامة ذلك1» خروج النبي- صلى الله عليه وسلم-، والدخان، وانشقاق القمر، وذلك أن كفار مكة سألوا النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يريهم آية فانشق القمر نصفين فقالوا: هذا عمل السحرة.
يقول الله- تعالى-: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ»2- 1- وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يعني انشقاق القمر يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ- 2- يعني سحر ذاهب، فاستمر، ثم التأم القمر بعد ذلك، يقول الله- تعالى-: وَكَذَّبُوا بالآية يعنى بالقمر أنه ليس من الله- تعالى- وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ هذا وعيد مُسْتَقِرٌّ- 3- يعني لكل حديث منتهى وحقيقة، يعني العذاب في الدنيا القتل ببدر، ومنه في الآخرة عذاب النار وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ يعني جاء أهل مكة من حديث القرآن ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ- 4- يعني موعظة لهم، وهو النهي عن المعاصي جاءهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ يعني القرآن نظيرها في يونس: «... وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ3» يقول أرسلت إليهم وأنذرتهم فكفروا بما جاءهم من البيان فَما تُغْنِ النُّذُرُ- 5- فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني فأعرض عن كفار مكة إلى يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ وهو
إسرافيل ينفخ الثانية «قائما1» على صخرة بيت المقدس إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ- 6- يعنى إلى أمر فظيع «خُشَّعاً»2يعني ذليلة خافضة أَبْصارُهُمْ عند معاينة النار يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ يعنى القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ- 7- حين انتشر من معدنه فشبه الناس بالجراد إذا خرجوا من قبورهم مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يعني مقبلين سراعا إذا خرجوا من القبور إلى صوت إسرافيل القائم على الصخرة التي ببيت المقدس، فيهون على المؤمنين الحشر، كأدنى صلاتهم، والكفار يكبون على وجوههم، فلا يقومون مقاما، ولا يخرجون مخرجا إلا عسر عليهم في كل موطن شدة ومشقة، فذلك قوله: يَقُولُ الْكافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ- 8- كَذَّبَتْ «قَبْلَهُمْ»3قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا [176 أ] وَقالُوا لنوح: مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ- 9- يعني استطار القلب منه وأوعدوه بالقتل وضربوه فَدَعا رَبَّهُ «أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ»4- 10- بعد ما كان يضرب في كل يوم مرتين حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».
قال أبو محمد: قال أبو العباس: «وَازْدُجِرَ» : دفع عما أراد منهم.
فأجابه الله- تعالى- فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ أربعين يوما بِماءٍ مُنْهَمِرٍ- 11- يعني منصب كثير وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ أربعين يوما عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ- 12- وذلك أن ماء السماء وماء الأرض قدر الله
- تعالى- كليهما، فكانا سواء لم يزد ماء السماء على ماء الأرض، وكان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض جارا مثل الحميم، فذلك قوله: «عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» لأن الماء ارتقع فوق كل جبل ثلاثين يوما، ويقال أربعين ذراعا، فكان الماء الذي على الأرض، والذي على رءوس الجبال سواء فابتلعت الأرض ماءها، وبقي ماء السماء أربعين يوما «لم تشربه الأرض1» فهذه البحور التي على الأرض منها وَحَمَلْناهُ نوحا عَلى ذاتِ أَلْواحٍ يعني ألواح السفينة وهي من ساج، ثم قال: وَدُسُرٍ- 13- يعني مسامير من حديد تشد به السفينة، كان بابها في عرضها تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يقول تجري السفينة في الماء بعين الله- تعالى- فأغرق الله قوم نوح، فذلك الغرق جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ- 14- يعني نوحا المكفور به وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً يعني السفينة كانت عبرة وآية لمن بعدهم من الناس، نظيرها في الحاقة2، وفي الصافات3، وفى العنكبوت.4
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- 15- يقول هل من يتذكر؟ فيعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف عقوبة الله- تعالى- «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ»1- 16- وَلَقَدْ يَسَّرْنَا يقول هونا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يعني ليتذكروا فيه فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- 17- يعنى فيتذكر فيه ولولا أن الله- تعالى- يسر القرآن للذكر ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله- تعالى- ولكن الله- تعالى- يسره على خلقه فيقرءونه على كل حال كَذَّبَتْ عادٌ هودا بالعذاب فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ- 18- يقول الذي أنذر قومه «ألم يجدوه2» حقا؟ ثم أخبر عن عذابهم فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعنى باردة شديدة فِي يَوْمِ نَحْسٍ يعني شديد مُسْتَمِرٍّ- 19- يقول استمرت عليهم الريح لا تفتر عنهم سبع ليال، وثمانية أيام حسوما دائمة تَنْزِعُ الريح أرواح النَّاسَ من أجسادهم فتصرعهم، ثم شبههم فقال: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ يعني أصول النخل «مُنْقَعِرٍ»3- 20- يقول «انعقرت»4النخلة من أصلها فوقعت [176 ب] وهو «المنقطع5».
فشبههم حين وقعوا من شدة العذاب «بالنخيل1» الساقطة التي ليست لها رءوس وشبههم «بالنخيل2» لطولهم، كان طول كُلّ رَجُل منهم «اثنى3» عشر ذراعا فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ- 21- وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- 22- كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ- 23- يعني بالرسل فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ يعنون صالحا إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ- 24- يعني لفي شقاء وعناء إن تبعنا صالحا أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ يعني أنزل عليه الوحي مِنْ بَيْنِنا يعنون صالحا- صلى الله عليه-، ونحن أفضل منه عند الله منزلة، فقالوا: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ- 25- يعني بطر مرح، قال صالح: سَيَعْلَمُونَ غَداً عند نزول العذاب مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ- 26- فهذا وعيد أنا أم أنتم إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ لنبتليهم بها فَارْتَقِبْهُمْ يعني انتظرهم فإن العذاب نازل بهم وَاصْطَبِرْ- 27- على الأذى وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ يوم للناقة ويوم لأهل القرية كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ- 28- يعني اليوم والناقة يقول إذا كان يوم «الناقة»4حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم فَنادَوْا صاحِبَهُمْ بعد ما كانوا منعوا الماء وكان القوم على شراب لهم ففني الماء، فبعثوا رجلا ليأتيهم بالماء ليمزجوا به الخمر، فوجدوا الناقة على الماء، فرجع، وأخبر أصحابه، فقالوا لقدار بن سالف اعقروها.
وكانوا ثمانية فأخذ قدار السيف
فعقرها، وهو عاقر الناقة.
فذلك قوله: فَتَعاطى فَعَقَرَ- 29- فتناول الناقة بالسيف فعقرها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ- 30- يعني الذي أنذر قومه «ألم يجدوه1؟» حقا فلما أيقن بالهلاك تكفنوا بالأنطاع وتطيبوا بالمر، ثم دخلوا حفرهم صبيحة يوم الرابع، ثم أخبر عن عذابهم فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً من جبريل- عليه السلام- وذلك أنه قام فى ناحية القرية فصاح صيحة فحمدوا أجمعين فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ- 31- شبههم في الهلاك بالهشيم البالي يعني الحظيرة من القصب ونحوها تحظر على الغنم، أصابها ماء السماء وحر الشمس حتى بليت من طول الزمان، قال أبو محمد: قال أبو العباس أحمد بن يحيى2: الهشيم النبت الذي أتى عليه حر الشمس وطول المدة فإذا مسسته لم تجده شيئا وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- 32- كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- 33- يعنى بالرسل، ثم أخبر عن عذابهم فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً يعني الحجارة من فوقهم، ثم استثنى فقال: إِلَّا آلَ لُوطٍ «ابنتيه ريثا وزعونا3» نَجَّيْناهُمْ من العذاب بِسَحَرٍ- 34- يعني بقطع من آخر الليل، وكان ذلك نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا على آل لوط حين «أنجى»4الله- تعالى- آل لوط كَذلِكَ يعني هكذا نَجْزِي بالنجاة مَنْ شَكَرَ- 35-[177 أ] يعني من وحد الله- تعالى- وصدق بما جاءت به الرسل لم يعذب مع المشركين فى الدنيا، كقوله: «... وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»5يعنى الموحدين، ثم قال وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ
لوط بَطْشَتَنا يعني العذاب فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ- 36- يقول شكوا في العذاب بأنه غير نازل بهم الدنيا وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ جبريل- صلى الله عليه وسلم- ومعه ملكان فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ يقول فحولنا أبصارهم إلى العمى، وذلك أنهم كسروا الباب، ودخلوا على الرسل يريدون منهم ما كانوا يعملون بغيرهم، فلطمهم جبريل بجناحه فذهبت أبصارهم فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ- 37- يقول هذا الذي أنذروا «ألم يجدوه1» حقا وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ- 38- يقول استقر بهم العذاب بكرة فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ- 39- يقول هذا الذي أنذروا «ألم يجدوه2» حقا؟ «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»3- 40- وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ- 41- يعنى الرسل موسى و «هارون»4- عليهما السلام- يعني بآل فرعون القبط، وكان فرعون قبطيا يقول: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعني بالآيات التسع: اليد، والعصا، والطمس، والسنين، والطوفان، والجراد، والقمل والضفادع، والدم فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ فى انتقامه مُقْتَدِرٍ- 42- على هلاكهم، ثم خوف كفار مكة فقال: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعني أكفار أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- خير من كفار الأمم الخالية الذين ذكرهم فى هذه السورة يقول أليس أهلكتهم بالعذاب بتكذيبهم الرسل، فلستم خيرا منهم إن كذبتم
محمدا- صلى الله عليه وسلم- أن يهلككم بالعذاب أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ- 43- يعني في الكتاب يقول ألكم براءة من العذاب في الكتاب أنه لن يصيبكم من العذاب ما أصاب الأمم الخالية؟، فعذبهم الله ببدر بالقتل أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ- 44- من عدونا يعني محمدا- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يقول الله- تعالى- لنبيه- صلى الله عليه وسلم- سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ يعني جمع أهل بدر وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ- 45- يعني الأدبار لا يلوون على شيء، وقتل عبد الله بن مسعود أبا جهل بن هشام بسيف أبي جهل، وأخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه رأى في جسده مثل لهب النار، قال ذلك ضرب الملائكة، وأجهز على أبي جهل عوف ومعوذ ابنا عفراء، ثم أوعدهم فقال: بَلِ السَّاعَةُ يعني يوم القيامة مَوْعِدُهُمْ بعد القتل وَالسَّاعَةُ يعني والقيامة أَدْهى يعنى أقطع وَأَمَرُّ- 46- من القتل يقول القتل يسير ببدر ولكن عذاب جهنم أدهى وأمر عليهم من قتل بدر، ثم أخبر عنهم [177 ب] فقال إِنَّ الْمُجْرِمِينَ في الدنيا فِي ضَلالٍ يعني في شقاء وَسُعُرٍ- 47- يعني وعناء، ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة فقال: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ بعد العرض تسحبهم الملائكة وتقول الخزنة: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ- 48- يعني عذاب سقر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ- 49- يقول قدر الله لهم العذاب ودخول سقر وَما أَمْرُنا في الساعة إِلَّا واحِدَةٌ يعني إلا مرة واحدة لا مثنوية لها كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ- 50- يعنى كجنوح الطرف وَلَقَدْ أَهْلَكْنا بالعذاب أَشْياعَكُمْ يعنى عذبنا إخوانكم أهل ملتكم، يا أهل مكة، يعنى الأمم الحالية حين كذبوا رسلهم فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- 51- يقول فهل من متذكر فيعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف فلا يكذب محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،
ثم قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ- 52- يعني الأمم الخالية، قال كل شيء عملوه مكتوب في اللوح المحفوظ «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ»1- 53- إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ يعني البساتين وَنَهَرٍ يعني الأنهار الجارية، ويقال «السعة»2مثل قوله في الكهف «... وَفَجَّرْنا خِلالَهُما3نَهَراً» فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ- 55- على ما يشاء وذلك أن أهل الجنة يدخلون على ربهم- تعالى- على مقدار كل يوم جمعة، فيجلسون إليه على قدر أعمالهم في الدنيا وبقدر ثوابهم في الآخرة فيعطون في ذلك المجلس ما يحبون من «شيء»4، ثم يعطيهم الرب- تعالى- ما لم يسألوه من الخير من جنة عدن ما لم تره عين، ولم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر.