قد اثنى بعض الثقات على مقاتل ورفعوا منزلته:
فالإمام الشافعي يقول من أراد ان يتبحر فى تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل ابن سليمان.
وعن سفيان بن عيينة سمعت مشعرا يقول لحماد بن عمرو كيف رأيت الرجل يعنى مقاتلا: قال: ان كان ما يجيء به علما فما اعلمه.
وقال عبد الله بن المبارك- حين راى تفسير مقاتل- ياله من علم لو كان له اسناد.
وقال عباد بن كثير ما بقي احد اعلم بكتاب الله من مقاتل.
وقال حماد بن ابى حنيفة مقاتل اعلم بالتفسير من الكلبي.
وقال بقية: كنت كثيرا اسمع شعبة وهو يسال عن مقاتل بن سليمان فما سمعته قط ذكره الا بخير.
وقال على بن الحسين بن واقد المروزي عن عبد المجيد من اهل مرو، سالت مقاتل بن حيان فقلت: يا أبا بسطام أأنت اعلم ام مقاتل بن سليمان؟ قال ما وجدت علم مقاتل فى علم الناس الا كالبحر الأخضر فى سائر البحور. وقال على بن الحسين بن واقد ايضا سمعت أبا نصير يقول صحبت مقاتل ابن سليمان، ثلاث عشرة سنة فما رايته يلبس قميصا قط الا لبس تحته صوفا.49
ونلاحظ ان الثناء على مقاتل يتجه الى تفسيره للقرآن الكريم، وأحيانا الى علمه وشخصه. اما فى الحديث فمقاتل متهم غير موثوق به عند أئمة الحديث، رغم انه قد مر بنا ثناء بعض الائمة على مقاتل، كالإمام الشافعي وعباد بن كثير، وحماد بن ابى حنيفة، وشعبة، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. غير ان هذا الثناء على مقاتل ليس معناه توثيق مقاتل، بل هو مدح لعلمه ولشخصه من غير توثيق له- وهناك فرق بين مدحهم للشخص وقولهم انه ثقة. اما أئمة الحديث ونقاده، فقد اتهموا مقاتلا بالكذب، ومنهم يحيى بن معين، ومحمد بن سعد، والبخاري، والنسائي، وابن حبان.50
ونخلص من هذا الى ان بعض الائمة اثنى على مقاتل، وبعضهم جرحه ولم يوثقه. والقاعدة فى علوم الحديث انه إذا اجتمع فى الراوي جرح مبين السبب وتعديل- فالجرح مقدم على التعديل وان كثر عدد المعدلين لان مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل.51
ونحب ان نعيد الى الأذهان هنا ان اتهام مقاتل بالكذب والتدليس قد بنى على قوله لمن سئل عن لون كلب اصحاب الكهف: (هلا قلت: هو ابقع) فكان هذا أول ما علم عن مقاتل.
بيد ان هذا لا يمنعنا ان نستفيد بما خلفه من تراث فى التفسير النقلى والعقلي، شريطة ان نكون حذرين فى قبول الأحاديث التي يوردها، فلا نقبلها الا إذا وردت من طريق آخر صحيح.
اما الجانب العقلي فى تفسيره فهو فيه بحر زاخر، وهو فيه سابق غير مسبوق، بشهادة الامام الشافعي له.. ولو اهملنا تفسير مقاتل فاننا بذلك نهمل جانبا مهما من تراثنا الفكرى والحضارى، بل نهمل أول نتاج للتفسير العقلي، فى وقت تتسابق فيه الأمم الى الاعتزاز بماضيها، والى احياء تراثها.