شيخ أبى الحسن الأشعري
رحل مقاتل إلى البصرة وهي تزخر بكثير من الفرق، وكان مقاتل يقول بإثبات الصفات، وغلا فى ذلك حتى أوهم التشبيه والتجسيم. ولعل غلوه هذا كان فى مقابلة غلو الجهمية والمعتزلة فى القول بنفي الصفات عن الله تعالى.63
قضى مقاتل الجزء الأخير من حياته في العراق، وقد وصل أسبابه بالخلفاء العباسيين فى العراق، كما كانت أسبابه موصولة بأمراء بنى أمية فى خراسان من قبل.
كان مقاتل على صلة بأبى جعفر المنصور، «وروى أنّ أبا جعفر كان جالسا فألح عليه ذباب يقع على وجهه، وألح فى الوقوع مرارا حتى أضجره، فقال انظروا من
بالباب، قيل: مقاتل بن سليمان فقال: على به. فلما دخل عليه قال له: هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال له: نعم، ليذل به الجبارين».64
وقد حاول مقاتل أن ينزلف إلى خلفاء بنى العباس فعرض عليهم أن يضع لهم أحاديث منتحلة. «عن منصور الكاتب، عن أبى عبيد الله قال، قال لي أمير المؤمنين المهدى: لما أتانا نعى مقاتل اشتد ذلك على فذكرته لأمير المؤمنين أبى جعفر فقال لا يكبر عليك فانه كان يقول لي أنظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه» 6». وذكروا أنّ مقاتلا قال للمهدى: «ان شئت وضعت لك أحاديث فى العباس، فقال المهدى: «لا حاجة لي فيها».66
انتقل مقاتل من البصرة إلى بغداد، وكانت بغداد إذ ذاك عاصمة الخلافة، وقد كثر علماؤها والراحلون إليها، حتى ألف الخطيب البغدادي كتابه «تاريخ بغداد» ضمنه من تراجم علمائها وزهادها وأدبائها نحوا من 7831 ترجمة. قال الجاحظ: «ان الدنيا كلها معلقة ببغداد وصائرة إلى معناها.. وجميع الدنيا تبع لها وكذلك لأهلها». وكان مقاتل فى بغداد علما مشهورا يجالس الخلفاء ويسأله الأمراء، كما اشتهر بسعة معارفه وكثرة معلوماته. جاء فى تهذيب التهذيب: «ومما يدل على سعة علم مقاتل ما قرأت بخط يعقوب النميري قال: حدثني أبو عمران بن رباح عن سركس قال: خرجت مع المهدى إلى الصيد وهو ولى عهد، إذ رمى البازي ببصره، فنظر البازي إلى، فكرر ذلك، فقال لي المهدى: أطلقه، فأطلقته، فغاب فلم ير له أثر فأقام المهدى بمكانه بقية يومه وليلته، فلما أصبح أرسل من يفحص له عن خبره فنظر فإذا خيال فى الجو، ثم جعل يقرب حتى بان أنه البازي، فنزل وفى مخالبه حية بيضاء لها جناحان، فأخذها المهدى وصار بها الى المنصور، فتعجب منها ثم قال على بمقاتل بن سليمان فأحضر فقال له: ما يسكن هذا الجو من الحيوان؟ قال: أقرب من يسكنه حيات ذوات أجنحة تفرخ فى أذنابها، ربما صاد الشيء منها البزاة. فعجب المنصور من سعة علمه».67
وقد طار صيت مقاتل فى قوله بإثبات الصفات ومبالغته فى ذلك حتى سأل الخليفة مقاتلا فقال له: بلغني أنك تشبه فقال: انما أقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
اللَّهُ الصَّمَدُ.
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
فمن قال غير ذلك فقد كذب.68
ثم عاد مقاتل من بغداد إلى البصرة، وبقي بها حتى مات سنة 150 هـ.69 وقد جاء فى تفسير مقاتل أسماء من مات من الصحابة بالبصرة، وكانت البصرة فى حياة مقاتل تقابل بالدنيا.70
وكان بالبصرة خطة بنى أسد، وهم بنو أسد بن شريك بن مالك، وكان مقاتل من مواليهم بالبصرة.71
## مقاتل فى مكة وبيروت قضى مقاتل نصف حياته الأول فى خراسان، والنصف الأخير فى العراق. وقد رحل مقاتل إلى بلاد أخرى، غير أنّ إقامته لم تطل بها. فقد رحل مقاتل الى مكة، وطلب من الناس أن يسألوه عما دون العرش، فقام اليه قيس القياس فقال: من حلق رأس آدم فى حجته؟ قال مقاتل: لا أدرى. فقال السائل: وهذا ما دون العرش «72». كما جلس مقاتل فى مسجد بيروت فقال: لا تسألونى عن شيء ما دون العرش ألا أنبأكم عنه. فقال الأوزاعى لرجل: قم اليه فسله: ما ميراثه من جدتيه؟ فحار ولم يكن عنده جواب فما بات فيها الا ليلة ثم خرج بالغداة «73». وقد تكررت الحادثتان السابقتان فى العراق وخراسان، وهذا يدل على جرأة مقاتل وجسارته، وأنّ هذا النوع من الرجال لا يعجب أهل الحجاز، لاتباعهم للأثر، وتوقفهم عند النصوص. ولا يرضى أهل الشام وفيهم الأوزاعى «الذي جمع العبادة والعلم والقول الحق». وله مذهب فى الفقه وبعد أميل إلى مدرسة الحديث منه إلى مدرسة الرأى. وقد نقلت عنه أقوال فى ذم أهل العراق ورأيهم.74
كما كان الأوزاعى يكره الكلام فى القدر وصفات الله ويعده ابتداعا.75
فلا عجب ان كره الأوزاعي76وجود مقاتل فى الشام، وان أخرجه باسئلته حتى خرج منه. وإذا كان مقاتل لم يوفق فى مكة ولا فى بيروت- فان حياته فى خراسان وفى العراق كانت احسن حالا، ففي هذه البلاد ملل ونحل، وآراء وأفكار، فمن اليسير عليها قبول آراء مقاتل. ولذلك قالوا: (من أراد المناسك فعليه باهل مكة، ومن أراد مواقيت الصلاة فعليه باهل المدينة، ومن أراد السير فعليه باهل الشام، ومن أراد شيئا لا يعرف حقه من باطله فعليه باهل العراق).77
لقد اتسع العراق لكثير من الفرق والنحل فى القديم والحديث، ففي ربوعه كان الشيعة معتدلوهم وغلاتهم، وفيه كان المعتزلة والجهمية والقدرية والمرجئة وغيرهم. بل كان العراق من قديم الزمن محلا للنزعات العقلية والمتضاربة. ولقد قال ابن ابى الحديد فى شرح نهج البلاغة فى صدد بيان السبب فى منشإ الفرق الغالية من الشيعة فى العراق ما نصه: «ومما ينقدح لي فى الفرق بين هؤلاء القوم (الروافض) وبين الذين عاصروا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن هؤلاء من العراق، وساكني الكوفة، وطينة العراق ما زالت تنبت ارباب الأهواء، واصحاب النحل العجيبة، والمذاهب البديعة، واهل هذا الإقليم اهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد وشبه معترضة المذاهب، وقد كان منهم فى ايام الاكاسرة مثل مانى وديصان ومزدك، وغيرهم، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا أذهان اهل الحجاز هذه الأذهان».78
«وترى ان العراق كان مزدحم الآراء فى المعتقدات، فى الإسلام وفى القديم، وذلك لأنه كان يسكنه منذ القدم عدة طوائف من نحل مختلفة، والمذاهب التي نشأت به فى القديم يبدو فيها اختلاط العقائد المتضاربة، فالديصانية والمانوية ليست الا مزجا لتنويه المجوس بالمبادئ النصرانية، وهكذا ترى فيه مما ظهر من النحل المختلفة، وفى استنباط، عقيدة من عقيدتين او عدة عقائد».79
هذا هو العراق الذي اقام فيه مقاتل الشطر الأخير من حياته، واستطاع ان يقول (ان الله لحم ودم..) ان صدقت نسبتها اليه، كما استطاع ان يبالغ فى اثبات الصفات لله، وان يميل الى الشيعة ويقول بالارجاء.
واستطاع مقاتل ان يملى تفسيره للقرآن الكريم، وان يجد سبيله الى حلقات العلم فى بغداد وغيرها من مدن العراق.
ومن المصادفات انى كتبت هذه السطور فى العراق الشقيق، ولا يزال للآن ينبت ارباب الأهواء والمذاهب المختلفة، والنحل العجيبة، والأفكار الغريبة.