تفسير مقاتل يجمع بين المأثور والمعقول
رأينا فى التمهيد كيف بدا التفسير بالمأثور عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الصحابة، وكيف دخل فيه بعد ذلك شيء من الرأي أخذ يزيد على مر الزمن حتى صار قسما مستقلا او كاد، ونتناول الآن موقف مقاتل من التفسير بين الرواية والرأي، وأول ما يسترعى الانتباه فى مقاتل بوصفه مفسرا انه كان يفسر الآية بعقلية المعية جعلت الامام الشافعي يقول: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل.
وتفسير مقاتل يتميز بالبساطة والسهولة، والاحاطة التامة بمعاني الآيات ونظائرها فى القرآن، وما يتعلق بها فى السنة.
انه أشبه بالسهل الممتنع.
وفى رأيي ان تفسير مقاتل لا نظير له فى بابه، من جهة الاحاطة بالمعنى فى عبارة سهلة محدودة، ثم اختيار أقوى الآراء فى الآية وأولاها بدون سرد للخلاف.
ورغم مرور اكثر من الف ومائة سنة على هذا التفسير- فانك تحس وأنت تقرؤه انه كتب لأوساط الناس فى هذه الأيام.
أحاط مقاتل بالقرآن احاطة تامة، ويظهر ذلك فى كليات مقاتل.
فيقول كل شيء فى القرآن (الاتراب) يعنى مستويات فى الملاذ بنات ثلاث وثلاثين.
وكل شيء فى القرآن (الأجداث) يعنى القبور.
و (آلاء الله) يعنى نعماء الله.
وقد أحصيت له اثنتين وثلاثين من هذه الكليات.
ويقول كل شيء فى القرآن (بحمد ربهم) يعنى بأمر ربهم، وله عشر كليات على حرف الباء.
وكل شيء فى القرآن (تالله) يعنى والله.
وفى تفسيره خمس من هذه الكليات على حرف التاء.
وكل شيء فى القرآن (الجحيم) يعنى ما عظم من النار.
وفى تفسيره خمس من الكليات على حرف الجيم.
وكل شيء فى القرآن (خاسئا) يعنى صاغرا. وفى تفسيره سبع كليات على حرف الخاء. وكل شيء فى القرآن (دار البوار) و (قوما بورا) و (تجارة لن تبور) يعنى به الهلاك. وفى تفسيره ست كليات على حرف الدال. الى غير ذلك من الكليات الاخرى التي أحصاها مقاتل فبلغت مائتين وثماني وأربعين كلية فى القرآن الكريم.1
واحاطة مقاتل بكليات القرآن جعلت تفسيره يمتاز بهذه الخاصة وهي تفسير القرآن بالقرآن، فهو يورد عند تفسيره للآية ما يتعلق بها وما يكمل معناها.
ومن ذلك إيراده للآيات التي يوهم ظاهرها التناقض كالآية السابعة من سورة هود التي تفيد ان خلق العرش كان قبل خلق السموات والأرض.
مع الآية 54 من سورة الأعراف التي تفيد ان خلق العرش كان بعد خلق السموات والأرض.
وكالآية 11 من سورة فصلت التي تفيد ان خلق السماء كان بعد خلق الأرض. مع الآية 30 من سورة النازعات التي تفيد العكس: اى ان خلق الأرض كان بعد خلق السماء. ويذهب مقاتل الى ان الله خلق العرش قبل خلق السموات والأرض، وان الله خلق السموات قبل خلق الأرض. ثم أول الآيات التي يفيد ظاهرها غير ذلك.2
كما يجمع مقاتل بين بعض الآيات جمعا عقليا سليما، فقد ذكر القرآن ان الله خلق آدم من تراب، ومن طين، ومن حما مسنون، ومن طين لازب، ومن صلصال كالفخار، ومن عجل، ومن ماء مهين. ويجمع مقاتل بينها بأنها دليل على تدرج الخلقة. فقد بدا خلق آدم من أديم الأرض وهو التراب، ثم تحول التراب الى الطين.. وتحول الطين الى سلالة، ثم تغيرت رائحة الطين فتحول الى حما مسنون، ثم لصق فتحول الى طين لازب، ثم صار له صوت كصوت الفخار، ثم نفخ فيه الروح، فأراد ان ينهض قبل ان تتم الروح فيه، فذلك قوله خلق الإنسان من عجل. ثم جعل ذريته من النطفة التي تنسل من الإنسان، ومن الماء المهين وهو الضعيف.3
حقا ان مقاتلا فسر القرآن بالقرآن على أوسع معنى لذلك المبدإ، بما يشمل كليات القرآن، والتوفيق بين المتشابه، وتخريج ما يوهم التضاد، وترتيب آيات الحياة والموت وما أشبهها حسب تدرجها وتسلسلها.
وفى ظني ان مقاتلا كان سابقا فى كثير من هذه المعاني.
ان اختلاط العقل بالنقل يظهر واضحا فى تفسير مقاتل، بل فى اغلب صفحاته.
فمن جهة النقل- يعتمد مقاتل فى تفسيره على جمع الآيات المتصلة بموضوع واحد، ويورد الأحاديث المتعلقة بالآية بعد ان يحذف أسانيدها، ولذلك اختلط الصحيح بالعليل فى تفسيره، وظهرت فيه إسرائيليات اهل الكتاب بصورة واضحة، خصوصا حول الأنبياء السابقين الذين عصم الله ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بأمر منهى عنه.
وتاثر مقاتل باسرائيليات اليهود فى تفسيره لآيات الأحزاب المتعلقة بزواج النبي من زينب بنت جحش، فأعظم الفرية على رسول الله، ومكن للمستشرقين ان ينقلوا هذا الكلام عنه وعن أمثاله.
والاسرائيليات من ابرز العيوب فى تفسير مقاتل الى جوار حذف الأسانيد فى وقت مبكر كان الرواة يهتمون فيه كثيرا بالأسانيد.
اما الجانب العقلي فى تفسير مقاتل فهو واضح ظاهر، فأثر العقل المشرق يبدو فى كل صفحة من صفحاته تقريبا، وقد ساعد مقاتلا على هذا ما تمتع به من موهبة وذكاء ومعرفة واسعة بكل ما يحتاج اليه المفسر لكتاب الله.
فله معرفة واسعة باللغة ومفرداتها وتراكيبها، والدلالة وتطورها، والمشترك والمترادف.. ومعرفة بالمعاني والبيان والبديع، ومعرفة بالإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ودلالة الأمر والنهى.. إلخ.
ومعرفة بالعقائد والإلهيات والنبوات واحكامها، ومعرفة بالقراءات والتجويد والنحو والشعر القديم.
وبالجملة فقد استكمل مقاتل جميع العلوم التي يحتاج إليها المفسر واستطاع ان يستثمرها جميعا فى تفسيره، ومع احاطة مقاتل بالكثير من العلوم والمعارف، فان تفسيره لم يسلم من عيوب ظاهرة، هي حذف الاسناد، والتدليس فى الرواية، ونقل علوم اليهود والنصارى الى تفسير القرآن، وهي عيوب كبيرة انقصت منزلة مقاتل ووضعت من قدره.
والى جوار هذه العيوب التي لصقت بمقاتل، نجد عبقرية تصل بصاحبها الى ادراك اسمى المعاني وأعلاها.
وهو يفسر كتاب الله فى سهولة ويسر، ولذا حظى تفسيره باعجاب المعجبين وثناء الائمة الاعلام.
فشهادة الامام الشافعي لمقاتل بان الناس عيال عليه فى التفسير، شهادة لها قيمتها واعتبارها، لصدورها عن الشافعي وهو من هو.
كما اثر عن الامام احمد بن حنبل ان لمقاتل علما بالقرآن.
واثر عن حماد بن ابى حنيفة ان مقاتلا اعلم بالتفسير من الكلبي.
واثر عن ابراهيم الحربي ان الحسد هو الذي حمل الناس على الطعن فى مقاتل.
وقال عبد الله بن المبارك- وقد نظر فى تفسير مقاتل بن سليمان: ما احسن تفسيره لو كان ثقة، ياله من علم لو كان له اسناد.
ولما سئل مقاتل بن حيان- وهو ثقة- أنت اعلم او مقاتل بن سليمان؟ قال: ما وجدت علم مقاتل فى علم الناس الا كالبحر الأخضر فى سائر البحور.4