اليهود والنصارى
وكان اليهود فى ماضيهم الطويل قد شرقوا راحلين من مصر، ومعهم آثار حياتهم فيما معهم، ثم ابعدوا مشرقين الى بابل فى اسرهم، ثم عادوا الى موطنهم وقد حملوا معهم ما حملوا. ووفد على البيئة العربية الاسلامية من كل هذا المزيج وفد، الى جانب ما بعثت إليها الديانات الاخرى التي دخلت تلك الجزيرة، والقت الى أهلها ما القت من خبر او قصص ديني، وكل أولئك قد تردد على آذان قارئي القرآن ومتفهميه، قبل ما خرجوا الى ما حول جزيرتهم شرقا وغربا فاتحين. ثم ملا آذانهم حين خالطوا اصحاب تلك البلاد التي نزلوا وعاشوا بها، وان كان الذي اشتهر من ذلك هو اليهودي، لكثرة اهله، وظهور أمرهم فاشتهرت تلك التزايدات التي اتصلت بمرويات التفسير النقلى باسم الاسرائيليات.3
وكان اغلب الماليين فى الشام يهودا، واغلب أطباء القصور فى بغداد نصارى.
واشتهر اليهود باحترافهم حرفا خاصة، كالصيرفة، ودباغة الجلود والصباغة4، «وكان عدد اليهود فى المملكة الاسلامية غير العرب نحو ثلثمائة الف» فى سنة 560 هـ.5 وكان اليهود منتشرين على نهر دجلة والفرات، وفى جزيرة ابن عمر والموصل، وعكيرة وواسط، وفى بغداد والحلة، والكوفة والبصرة، وفى كثير من بلاد فارس.6
## التوراة وأهم منبع للثقافة اليهودية هو التوراة، وقد ذكرت فى القرآن الكريم، ووصفت بأنها كتاب من كتب الله المنزلة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) ونص القرآن على بعض احكام وردت فى التوراة: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ).
وأشير فى الأحاديث كذلك الى التوراة وبعض احكامها. جاء فى تفسير مقاتل، وورد فى البخاري وابى داود: (ان نفرا من اليهود دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فى بيت المدارس، فقالوا: يا أبا القاسم، ان رجلا منا زنى بامراة فاحكم، فرضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها، ثم قال ائتوني بالتوراة فأتى بها، فنزل الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، ثم قال آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال ائتوني باعلمكم، فأتى بشاب ثم ذكر قصة الرجم).7
وكلمة التوراة يستعملها المسلمون كثيرا للدلالة على كل الكتب المقدسة عند اليهود، فتشمل الزبور وغيره كما يستعملها اليهود أنفسهم أحيانا بهذا الإطلاق.
وكان لليهود بجانب ذلك سنن ونصائح وشروح لم تنقل عن موسى عليه السلام كتابة، وانما تداول الناس نقلها شفاها، ونمت على تعاقب الأجيال، ثم دونت، وهي المسماة بالتلمود.
والتلمود مختلف فيه فيما بينهم، فمنهم من يقبله وهم طائفة الربانيين، ومنهم من لا يقبله وهم طائفة القرائين.
فاما التوراة بالمعنى الدقيق فخمسة اسفار: سفر التكوين8، وسفر الخروج9، وسفر اللاويين- اى الاخبار10- وسفر العدد11، وسفر التثنية.12
وفى العهد القديم غير التوراة: سفر يوشع.
وهو فى استيلاء بنى إسرائيل على فلسطين.
ثم سفر القضاة اى الحكام، ثم اسفار الملوك الاربعة: الاول فى اخبار شمويل او سمويل وشاول او طالوت، والثاني فى ذكر داود والثالث والرابع فى سليمان بن داود، ومن ملك بنى إسرائيل من بعده.. واما التلمود فمجموعة من المناقشات الدينية الاولى، مع شروح لرجال الدين من الأجيال المتعاقبة بسجل أفكار اليهود فى حياتهم وتقاليدهم فى نحو الفى عام ويمزج مزجا تاما نواحي الشعب الخلقية بنواحيهم الدينية.13
وقد تسربت ثقافة اليهود الى العرب قبل الإسلام وبعده. وجاء فى الحديث عن ابن عباس: (كان هذا الحي- من الأنصار- وهم اهل وثن، مع هذا الحي من اليهود وهم اهل الكتاب، فكانوا يرون لهم فضلا عليهم فى العلم، وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم).14
وفى الحديث عن ابى هريرة قال: (كان اهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام بالعربية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا، وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ والهنا وإلهكم واحد).15
## قصص الأنبياء بين القرآن والتوراة عرض القرآن لكثير من قصص الأنبياء السابقين، مقتصرا على مواضع العظة والعبرة، مكتفيا من القصة بما يحقق الهداية، ويوحى بمتابعة الحق والايمان.
ولذا لم يتعرض للتفصيل، فلم يذكر تاريخ الوقائع، ولا اسماء البلدان التي حصلت فيها، ولا اسماء الأشخاص الذين جرت على يدهم بعض الحوادث، وانما تخير ما يمس جوهر الموضوع، وما يحرك العقول للتفكير، وينبه القلوب الى الخير، وينفرها من عاقبة الشر.
ولنضرب لهذا مثلا قصة آدم عليه السلام، فقد ورد ذكرها فى القرآن الكريم16، كما ورد ذكرها فى التوراة.
بيد ان القرآن لم يتعرض لمكان الجنة، ولا لنوع الشجرة التي نهى آدم عن الاكل منها، ولا لبيان الحيوان الذي تقمصه الشيطان ليزلهما، ولا ما كان من تفصيل الحوار بين الله تعالى وآدم، ولا للبقعة التي طرد إليها آدم بعد خروجه من الجنة.
ولكن التوراة تعرضت لكل ذلك واكثر منه فابانت ان الجنة فى عدن شرقا، وان الشجرة التي نهيا عنها كانت فى وسط الجنة، وانها شجرة الحياة، وذكرت ما انتقم الله به من حواء بتعبها هي ونسلها فى حيلها.. إلخ.17
وقد نقل بعض المفسرين عن مقاتل بن سليمان قصة آدم وإبليس فى تفسيرهم.18
كما ذكروا كثيرا من الاسرائيليات بجوار تفسيرهم للقرآن. ويهيأ للقارىء ان هذه الاسرائيليات التي لا نعرف صدقها من كذبها بيان لمعنى قول الله سبحانه، وتفصيل ما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك. «وان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اذن بالتحدث عنهم- أمرنا الا نصدقهم ولا نكذبهم. فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من ان نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير او البيان؟! اللهم غفرا».19
## اقسام الاسرائيليات تنقسم الاخبار الاسرائيلية الى اقسام ثلاثة: القسم الاول: ما يعلم صحته بان نقل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقلا صحيحا، او كان له من الشرع شاهد يؤيده. ومنه تعيين اسم صاحب موسى عليه السلام بانه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحا فى حديث البخاري.20
وهذا القسم بنوعيه صحيح مقبول.
القسم الثاني: ما يعلم كذبه بان يناقض ما عرفناه من شرعنا، او يكون مخالفا لما يقرره العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
القسم الثالث: هو المسكوت عنه، فلا هو من قبيل الاول، ولا هو من قبيل الثاني.
وهذا القسم نتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه.
وذهب ابن كثير الى جواز رواية هذا القسم21، ولم يوافقه فى ذلك احمد شاكر، لان رواية هذا القسم بجوار تفسير القرآن إقرارا له وتصديق به.22
## الاسرائيليات فى تفسير مقاتل ما كان اغنى القرآن وتفسيره عن هذه الاسرائيليات التي نقلها مقاتل عن اليهود والنصارى، «حتى ذكر فى تمييز خصيصته انه (استمد علمه بالقرآن من اليهود والنصارى وجعله موافقا لما فى كتبهم) ».23 وسأنقل لك عدة نماذج من هذه الاسرائيليات التي أوردها مقاتل فى تفسيره.
وقد نقلها عنه بعض المفسرين، مع بعدها عن روح الإسلام، وهدى القرآن.
1- جاء فى تفسير مقاتل24لقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ25، قوله: فخلق آدم عَلَيْه السَّلام من طين أحمر واسود وابيض، من السبخة والعذبة،
فَمنْ ثَمّ نسله أبيض وأحمر وأسود، مؤمن وكافر، فحسد إبليس تِلْكَ الصورة فَقَالَ للملائكة الَّذِين هُمْ معه أرأيتم هَذَا الَّذِي لَمْ تروا شيئا من الخلق على هيئته إن فضل عَلَيّ ماذا تصنعون؟ قَالوا نسمع ونطيع لأمر الله وأسر عدو الله فِي نفسه لئن فضل آدم عَلَيْه لا يطيع، وليستفزنه فترك آدم طينا أربعين سنة مصورا فجعل إبليس يدخل من دبره ويخرج من فِيهِ وَيَقُولُ أَنَا نار وهذا طين أجوف والنار تغلب الطين، لاغلبنه. فذلك قوله عَزَّ وَجَلّ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعنى قوله يومئذ: لاغلبنه) وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا يعني لأحتوين عَلَى ذريته إِلَّا قليلا. فَقَالَ الله للروح ادخلي هَذَا الجسد فقالت أَي رب أَيْنَ تدخلني هذا الجسد المظلم؟ فَقَالَ اللَّه ادخليه كرها، فدخلته كرها وهي لا تخرج منه إِلَّا كرها، ثُمّ نفخ فِيهِ الروح من قبل رأسه، فترددت الروح فِيهِ حَتَّى بلغت نصف جسده موضع السرة، فعجل للقعود، فذلك قوله (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا).26
وقد نقل المفسرون عن التوراة كثيرا مما يتعلق بخلق آدم وبدء الخليقة، ومن السفر الاول وهو سفر التكوين او الخلق، وفى هذا السفر خلق العالم وقصة آدم وحواء وأولادهما.
ومن أوائل من نقل هذا عن اهل الكتاب مقاتل بن سليمان.
وقد ساق الحافظ ابن كثير27كلاما قريبا من كلام مقاتل ثم علق عليه قائلا: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر تطول مناقشتها، وهذا الاسناد الى ابن عباس يروى به تفسير مشهور، وقال السدى فى تفسيره عن ابى مالك وعن ابى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن عباس وعن أناس من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن.. ثم ساق تفسيرا للآية يحتوي على تفسير مقاتل وعلق عليه قائلا: فهذا الاسناد الى هؤلاء الصحابة مشهور فى تفسير السدى، وتقع فيه إسرائيليات
كثيرة، فلعل بعضها مدرج28، ليس من كلام الصحابة، او انهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة والله اعلم.29
والحاكم يروى فى مستدركه بهذا الاسناد بعينه أشياء ويقول على شرط البخاري.30
2- جاء فى تفسير مقاتل لآية الكرسي31ما يأتي: (يحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم تحت الصَّخرة التي تحت الأرض السفلى مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل ارض مسيرة خمسمائة عام. (ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان، وَهُوَ سيد الصور، وهو يسال الله الرزق للآدميين. (وملك وجهه عَلَى صورة سيد الانعام- وهو الثور- يسال الله الرزق للبهائم. (وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير- وَهُوَ النسر- وهو يسال الله الرزق للطير. (وملك على صورة سيد السباع- وهو الأسد- وهو يسال الله الرزق للسباع).32
وقد ساق مقاتل هذا الأثر بدون اسناد كما حذف الاسناد من جميع تفسيره الا نادرا.
وقد أورد الملطي33هذا الأثر مسندا الى وهب بن منبه، وهذا يؤكد انه من الاسرائيليات التي أخذها مقاتل عن اهل الكتاب.
وقريب من هذا الأثر حديث الأوعال، وفيه ان العرش يحمله ثمانية أوعال34ما بين ركبهم واظلافهم كما بين السماء والأرض.
وهذا الحديث فيه علل قادحة تمنع من قبوله، وقد ساق الكوثرى سند حديث الأوعال ثم نقل عن احمد عن يحيى بن العلاء ان (فى سنده كذابا يضع الحديث).35
وقال ابو حيان فى تفسير قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ3»، وذكروا فى صفات هؤلاء الثمانية اشكالا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا. 3- وجاء فى تفسير مقاتل للآية 258 من سورة البقرة، وهي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. (بهت نمروذ الجبار فلم يدر بخلده ما يرد عَلَى إِبْرَاهِيم ثُمّ إن اللَّه عز وجل سلط على نمروذ بعوضة بعد ما أنجى الله إبراهيم من النار، فعضت شفته، فأهوى إليها فطارت فى منخره، فذهب ليأخذها فيستخرجها فدخلت فى خياشيمه، فذهب ليستخرجها فدخلت دماغه فعذبه الله عز وجل أربعين يومًا ثُمّ مات منها. وكان يضرب رأسه بالمطرقة فإذا ضرب سكنت البعوضة فإذا رفع عَنْهَا تحركت. فَقَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حَتَّى آتي بها- يعني الشمس- من قبل المغرب فيعلم من يرى ذَلِكَ أني أَنَا اللَّه قادر عَلَى ان افعل ما شئت).37
4- وفى تفسير مقاتل للآية 259 من سورة البقرة وهي: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها.. الآية.
ذكر مقاتل ان اسم الشخص الذي مر على القرية عزيز، واسم القرية سابورا على شاطئ دجلة بين واسط والمدائن38، فى قصة منقولة من الاسرائيليات، كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير.39
5- وفى تفسير الآيات 112، 113، 114 من سورة المائدة حيث يقول سبحانه: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... والآيتين بعدها- ذكر مقاتل وصفا تفصيليا للمائدة منقولا عن اهل الكتاب.40
6- وفى تفسير قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا الأعراف الآية 143- يذكر مقاتل ان الجبل صار دكا اى قطعا على ستة فرق فوقع ثلاثة بأجبل مكة: ثبير، وغار ثور، وحزن، ووقع بالمدينة «ثلاثة» : رضوى، وورقان، وجبل أحد. فذلك قوله جعله دكا.41
7- وفى تفسير قوله تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً.42
يقول مقاتل: (... وكتبه اللَّه عَزَّ وَجَلّ بيده. فكتب فيها إني أَنَا اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا أَنَا الرَّحْمَن الرحيم، لا تشركوا بي شيئًا، وَلا تقتلوا النَّفْس، وَلا تزنوا وَلا تقطعوا السبيل، وَلا تسبوا الوالدين، ووعظهم فِي ذَلِكَ. والألواح من زمرد وياقوت).43
ويلاحظ فى هذا النص تاثر مقاتل بالاسرائيليات، ونقله أفكار المشبهة والمجسمة، عن اليهود.. قال الشهرستاني- فى الكلام على المشبهة- انهم اجروا الأحاديث الواردة فى ذلك على ما يتعارف فى صفات الأجسام44وزادوا فى الاخبار
أكاذيب وضعوها ونسبوها الى النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها مقتبس من اليهود، فان التشبيه فيهم طباع حتى قالوا فى الله تعالى اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وان العرش ليئط من تحته كاطيط الرحل الجديد) وروى المشبهة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقيني ربى فصافحني وكافحنى، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله).45
ويقول فى موضع آخر (ولقد كان التشبيه صرفا خالصا فى اليهود لا فى كلهم، بل فى القرائين منهم، إذ وجدوا فى التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك).46
8- وفى تفسير مقاتل للآية 29 من سورة الرعد، وهي: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ. يقول طُوبى لَهُمْ يعنى حسنى لهم وهي بلغة العرب. (وطوبى شجرة في الجنة لو أن رجلا ركب فرسا أو نجيبة وطاف على ساقها لم يبلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهرم، ولو أن طائرا طار من ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، وكل ورقة منها تظل امة من الأمم، وعلى كل ورقة منها ملك يذكر الله تعالى، ولو أن ورقة منها وضعت في الأرض لأضاءت الأرض نورا كما تضيء الشمس، تحمل هذه الشجرة لهم ما يشاءون من ألوان الحلي والحلل، والثمار غير الشراب).47
وإذا لاحظنا ان اسباب الضعف فى رواية التفسير بالمأثور ترجع الى اسباب ثلاثة هي كثرة الوضع فى التفسير، ودخول الاسرائيليات فيه، وحذف الأسانيد- قلنا ان وصف مقاتل للجنة لا يخرج عن ان يكون من الموضوعات، او مما نقله من الاسرائيليات، وزاد مقاتل انه حذف السند فوضع الشوك فى طريق تجريد التفسير من الموضوع والدخيل.
9- وقد تحدثت سورة الأنبياء عن ابراهيم عليه السلام فى الآيات 51- 73. وذكرت ان ابراهيم حطم الأصنام، وجعلها قطعا، وترك الصنم الأكبر.
قال تعالى فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ الأنبياء/ 58.
ويقول مقاتل: (.. يعني أكبر الأصنام، فلم يقطعه وهو من ذهب ولؤلؤ، وعيناه ياقوتتان حمراوان تتوقدان في الظلمة، لهما بريق كبريق النار، وهو في مقدم البيت، وضع الفاس فى يدي الصنم الأكبر «لعلهم اليه يرجعون» اى يرجعون من عيدهم الى الصنم الأكبر).48
وإذا ذكرنا ان هذا الوصف للصنم الأكبر لم يرد فى القرآن ولا فى السنة الصحيحة- أدركنا انه من الموضوعات او من الاسرائيليات.
10- ونجد فى سورة النمل حديثا عن نبى الله سليمان وبلقيس، وان بلقيس أرسلت الى سليمان هدية تختبره بها.
قال تعالى فى حكاية ما قالته بلقيس: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ النمل/ 35.
ويقول مقاتل فى وصف هذه الهدية: (.. فأرسلت بهدية مع الوفد عليهم المنذر بن عمرو، والهدية مائة وصيف ووصيفة، وجعلت للجارية قصة أمامها وقصة مؤخرها، وجعلت للغلام قصة أمامه وذؤابة وسط رأسه، وألبستهم لباسا واحدا، وبعثت بحقة فيها جوهرتان، إحداهما مثقوبة، والأخرى غير مثقوبة، وقالت للوفد إن كان نبيا فسيميز بين الجواري والغلمان، ويخبر بما فى الحقة، فلما انتهت إلى سليمان عليه السلام، ميز بين الوصفاء والوصائف49، وحرك الحقة، وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما فيها، فقيل له: أدخل في المثقوبة خيطا من غير حيلة إنس ولا جان، واثقب الأخرى من غير حيلة إنس ولا جان، وكانت الجوهرة المثقوبة معوجة الثقب فاتته دودة تكون فى الفضفضة وهي الرطبة، فربط في مؤخرها خيطا، فدخلت الجوهرة حتى أنفذت الخيط إلى الجانب الآخر فجعل رزقها فى الفضفضة وجاءت الأرضة فقالت لسليمان اجعل رزقي في الخشب والسقوف والبيوت قال: نعم فثقبت الجوهرة، فهذه حيلة من غير إنس ولا جان. وسألوه ماء لم ينزل من السماء ولم يخرج من الأرض فامر بالحيل فأجريت حتى عرقت، فجمع ماء العرق فى شيء حتى صفا، وجعل فى قداح الزجاج، فعجب الوفد من عمله وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما في الحقة، فأخبرهم سليمان بما فيها، ثم رد سليمان الهدية وقال للوفد: «أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» يقول فمما أعطاني الله تعالى من الإسلام والنبوة والملك والجنود خيرا مما أعطاكم).50
وقد نقل النسفي فى تفسير الآية 35 من سورة النمل هذه، كلام مقاتل ولم يعقب عليه بكلمة واحدة، (مع ان وصف الهدية هذا أشبه ما يكون بقصة نسجها خيال شخص مسرف فى تخيله).51
وعند ما فسر ابو السعود هذه الآية- نقل كلام مقاتل مع شيء من التغيير، فقد ذكر مقاتل ان هدية بلقيس كانت مائة وصيف ووصيفة.
اما ابو السعود فقال: (روى انها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهم الأسوار
والاطواق..)52الى آخر ما ذكره من هذه القصة.
ولم يعقب عليها بكلمة واحدة.
ولعله اكتفى بان بدا القصة بكلمة روى للاشارة الى ضعفها.
ومن هذا نرى ان مقاتلا سن سنة سيئة للمفسرين حين وضع هذه الاسرائيليات فى تفسيره لكتاب الله.
11- وفى أول سورة فاطر يقول سبحانه: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ويقول مقاتل: (وذلك أن في الجنة نهرا يقال له نهر الحياة، يدخله كل يوم جبريل عليه السلام، بعد ثلاث ساعات من النهار يغتسل فيه، وله جناحان ينشرهما في ذلك النهر، وجناحه سبعون ألف ريشة، فيسقط من كل ريشة قطرة من ماء، فيخلق الله جل وعز منها ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة، فذلك قوله عز وجل يَزِيدُ فِي الخلق ما يشاء) اهـ. وغنى عن البيان ان هذا الكلام من الاسرائيليات التي لا يقبلها العقل، ولم يرد بها اثر صحيح، فما أجدر تفسير كتاب الله ان ينقى منها.
12- اما الكلام عن أنبياء الله ورسله واتهامهم بالنقائص فقد نقله مقاتل عن التوراة وغيرها من الكتب السابقة بعد ان عبث بها اليهود والنصارى.
يقول الله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ص/ 21، ويقول مقاتل فى تفسيرها: (وذلك أن داود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، فوددت أنك أعطيتني من الذكر مثل ما أعطيتهما.
فقال له: انى ابتليتهما بما لم أبتلك به، فان شئت ابتليتك وأعطيتك مثل ما أعطيتهما من الذكر، قال: نعم، قال اعمل عملك، فمكث داود عليه السلام ما شاء الله عز وجل يصوم نصف الدهر، ويقوم نصف الليل، إذ صلى في المحراب فجاء طير حسن ملون فوقع إليه، فتناوله فصار إلى الكوة، فقام ليأخذه، فوقع الطير في بستان، فأشرف داود فرأى امرأة تغتسل، فتعجب من حسنها، وأبصرت المرأة ظله فنفضت شعرها فغطت جسمها، فزاده ذلك بها عجبا، ودخلت المرأة منزلها وبعث داود غلاما فى اثرها.
فإذا هي بتسامع امراة أوريا بن حنان، وزوجها في الغزو في بعث البلقاء الذي بالشام، مع ثواب بن صوريا ابن أخت داود عليه السلام، فكتب داود إلى ابن أخته بعزيمة أن يقدم أوريا فيقاتل أهل البلقاء ولا يرجع حتى يفتحها أو يقتل فقدمه فقتل رحمة الله عليه، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، فولدت له سليمان بن داود، فبعث الله عز وجل إلى داود عليه السلام ملكين ليستنقذه بالتوبة، فاتوه يوم راس
المائة فى المحراب، وكان يوم عبادته، والحرس حوله، فلما رآهما داود قد تسوروا53المحراب فزع داود وقال في نفسه: لقد ضاع ملكي حين يدخل على بغير اذن... فقال أحدهما (إِنَّ هذا أَخِي) يعني الملك الذي معه (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) يعنى تسع وتسعون امراة وهكذا كن لداود، فطلب منى ان اضم امراتى اليه.. فقال داود (لَقَدْ ظَلَمَكَ) بهذا الطلب.
ثم صعد الملكان- فعلم ان الله ابتلاه بذلك)54اهـ. وهذه القصة التي ذكرها مقاتل عن داود عليه السلام نقدها النسفي، وبين انها كذب وافتراء على أنبياء الله حيث قال: (وما يحكى من ان داود بعث مرة بعد مرة أوريا الى غزوة البلقاء، وأحب ان يقتل ليتزوجها- يعنى زوجة أوريا- فلا يليق من المتسمين بالصلاح من افناء الناس فضلا عن بعض أعلام الأنبياء، وقال على رضى الله عنه من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهو حد الفرية على الأنبياء)55أهـ. وقد نقل الخازن56فى تفسيره قصة داود وامراة أوريا كما ذكر قصصا عن داود أشبه ما يكون بالخرافة، ولكنه عقب على هذا القصص بقوله: (فصل فى تنزيه داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق به وينسب اليه) وفند فى هذا الفصل كل ما ذكره مما يتنافى مع عصمة نبى الله داود عليه السلام.57
ومما يؤكد ان كتب اليهود هي التي وصمت الأنبياء بالنقائص، واتهمتهم بالزنا وشرب الخمر وارتكاب الكبائر- ما ورد فى الاصحاحين الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني: ان داود زنى بامراة (أوريا) المجاهد المؤمن وحملت من ذلك الزنا فخشي داود الفضيحة.
وأراد تمويه الأمر على أوريا، فطلبه وامره ان يدخل بيته، فأبى أوريا
وقال: سيدي (يوآب) وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وانا آتى الى بيتي لآكل واشرب واضطجع مع امراتى، وحياتك لا افعل هذا الأمر. فلما يئس داود من التمويه اقامه عنده اليوم ودعاه فأكل عنده وشرب واسكره، وفى الصباح كتب داود الى يوآب: اجعلوا أوريا فى وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وقد فعل يوآب ذلك فقتل أوريا، وأرسل الى داود يخبره بذلك، فضم داود امراة أوريا الى بيته وصارت امراة له بعد انتهاء مناحتها على بعلها. وفى الاصحاح الاول من إنجيل متى: ان سليمان بن داود ولد من تلك المراة. (فتامل كيف تجرا هذا الواضع على الله؟ وكيف تصح نسبة هذا الفعل الى من له ادنى غيرة وحمية، فضلا عن انه نبى من أنبياء الله؟ وكيف يجتمع هذا مع ما فى إنجيل لوقا من ان المسيح يجلس على كرسي داود أبيه؟!!).58
وأظنك ترى الشبه واضحا بين ما ورد فى كتب العهد القديم: فى سفر صمويل وما ورد فى تفسير مقاتل، فليس هناك فارق سوى ان سفر صمويل اتهم داود بالزنا مع امراة أوريا وان مقاتل جعله يحتال على قتل زوجها ليظفر بها، وكلاهما افتراء على أنبياء الله. وسفر صمويل من اسفار العهد القديم. وفى العهد القديم غير التوراة سفر يوشع. ثم سفر القضاة، ثم اربعة اسفار الملوك: الاول فى اخبار شمويل او سمويل او صمويل، والثاني فى ذكر داود والثالث والرابع فى سليمان بن داود ومن ملك بنى إسرائيل من بعده.59
13- ويطول بنا القول لو ذهبنا نذكر جميع الاسرائيليات التي أوردها مقاتل وقبلها فى تفسيره، ولكني أحب ان أنبه على ان كثيرا من المفسرين قد اغتروا بوجود هذه القصص فى كتب العهد القديم والجديد، فنقلوه بجوار تفسيرهم للاستشهاد لا للاعتضاد، فجاء من بعدهم وظنها من تفسير القرآن.
او انها راى للمفسر فى الآية.
ومع ورود النهى الشديد عن تصديق اهل الكتاب او تكذيبهم، فيما لا نعرف صحته من باطله، ووجوب تكذيبهم فيما نعرف كذبه، وتصديقهم فيما نعرف صدقه- رأينا بعض المفسرين يصدقونهم فيما صح عندنا كذبه، وما ثبت لنا عن المعصوم صلى الله عليه وسلم انه باطل وافتراء.