ذات الله
جاء الإسلام بالأصول الكاملة للعقيدة الصحيحة، فقرر ان الله يتعالى عن احاطة العقول بكنهه، او ادراك ذاته، وان غاية ما كتب لها من إدراكه هو العجز عن إدراكه1، فقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ2، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً3، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ4، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ.5
ولا يخفى ان هذا هو نهاية ما وصلت اليه الفلسفة فى القرن العشرين، فقد نصت على ان الله موجود ولكن العقل لا يمكن ان يدرك كنه وجوده ولا صورته، فهو روح الوجود وقيومه.6
وبينما كانت الأمم تخوض فى تحديد الله وتعريفه وتركيبه وتأليفه7، وتطلق لخيالها العنان فى ذلك، إذا بالقرآن يهيب بذلك الخيال ان قف حيث أنت، هذا مقام ليس لك عليه سلطان، ولا لك فى الجولان فيه يدان.8
وقد بعث محمد عليه الصلاة والسلام، بدين وشريعة، اما الدين فقد استوفاه الله كله فى كتابه الكريم ووحيه «ولم يكل الناس الى عقولهم فى شيء منه9»، واما الشريعة فقد استوفى أصولها، ثم ترك للنظر الاجتهادى تفصيلها، وجاء فى القرآن الكريم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.10
وقد عاش النبي عليه السلام وقضى والمسلمون على عقيدة واحدة هي ما جاء فى كتاب الله، «لأنهم أدركوا زمان الوحى وشرف الصحبة، وأزال نور الصحبة عنهم ظلم الشكوك والأوهام».11
فالمسلمون فى الصدر الاول كانوا يرون ان لا سبيل لتقرير العقائد الا بوحي اما العقل فمعزول عن الشرع وانظاره كما يقول ابن خلدون، «وكانوا يرون ان التناظر والتجادل فى الاعتقاد يؤدى الى الانسلاخ من الدين، فقد قررت عقائد الدين فى القرآن الكريم المقطوع به فى الجملة والتفصيل».12
## تشبيه مقاتل فى ذات الله نسب الى مقاتل13- والى غيره من المجسمة- القول (بان الله جسم، وانه جثة على صورة الإنسان، لحم ودم وشعر وعظم، لو جوارح وأعضاء، من يد ورجل وراس وعينين، مصمت، وهو مع هذا لا يشبهه «غيره» ). وقالت المقاتلية- اصحاب مقاتل بن سليمان- فى تعليل ذلك: (لأنا لم نشهد شيئا موسوما بالسمع والبصر والعقل والعلم والحياة والقدرة الا ما كان لحما ودما.14
وهذا راى فاسد بعيد عن عقائد الدين التي قررها الوحى، ونطق بها الصادق المصدوق، واجمع عليها الصحابة والسلف الصالح من هذه الامة.
قال ابو محمد عثمان بن الحسن العراقي15: (واما المجسمة فهم طائفة يزعمون بان الله تعالى جسم لا كالأجسام، كما تقول هو شيء لا كالأشياء، ونفس لا كالانفس وعالم لا كالعلماء.
الجواب، ونقول ان راى هذه الطائفة فاسد، وعقيدتهم شر العقائد، لأنا قد بينا الفرق بين الشيء والجسم، فالشيء عبارة عن الموجود، والجسم عبارة عن التأليف والتركيب، والتأليف عبارة عن جمع شيئين بعد ان يكونا متفرقين، وذلك من أمارات الحدوث، وهو منفي عن ذات الباري تبارك وتعالى. والله اعلم). وقال عبد القاهر البغدادي: (والمشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين متفرقون على اصناف شتى).16
وقد كان السلف الصالح لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون. ومن لم يتق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، فان ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس فى معناه احد من البرية، وهو سبحانه: يتنزه عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات).17
وقول المقاتلية: هو لحم ودم وله صورة كصورة الإنسان، (لأنا لم نشهد شيئا موسوما بالسمع والبصر والعقل والعلم والحياة والقدرة الا ما كان لحما ودما)18، هذا القول انما ينطبق على الحوادث والمخلوقات، اما الخالق فليس مشبها للحوادث، ولا تنطبق عليه صفاتها، وما أضيف اليه من صفات كالعلم والحياة والقدرة هي صفات خاصة به سبحانه.
ثم اننا ان جعلنا الله لحما ودما وجسما، اقتضى ذلك ان يكون له طول وعرض وعمق يمنع غيره من ان يوجد بحيث هو الا بان يتنحى من ذلك المكان.
وذلك فى حق الله تعالى محال وهو مقدس عنه.