تعدد النازل والسبب واحد
ذكر مقاتل انه قد يكون امر واحد سببا لنزول آيتين او آيات متعددة من القرآن.
مثال ذلك ما رواه مقاتل67- وهو موافق لما أخرجه الحاكم والترمذي ان أم سَلَمَة أم الْمُؤْمِنِين رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: ما لنا مَعْشَر النساء عِنْد اللَّه خبر، وما يذكرنا فى الهجرة بشيء، فانزل الله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ.68
وانزل ايضا فى قول ام سلمة: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فى الأحزاب، الى آخر الآية.69
قال مقاتل.
فأشرك الله النساء مع الرجال فِي الثواب، كَمَا شاركن الرجال فِي الأعمال الصالحة فى الدنيا.70
واخرج الحاكم ايضا ان ام سلمة رضى الله عنها قالت: تغزو الرجال ولا تغزو النساء وانما لنا نصف الميراث.
فانزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ...71وانزل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ....72 فظهر لنا ان كلام ام سلمة كان سببا فى نزول آيات ثلاث: 1- إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ... سورة الأحزاب: 35. 2- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى... سورة آل عمران: 195. 3- وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ... سورة النساء: 32. وهذا هو ما يعبر عنه بتعدد النازل والسبب واحد.73
## فوائد معرفة اسباب النزول معرفة اسباب النزول تعين على فهم الآية.
وتوضح ما خفى منها.
وقد زعم بعض الناس انه لا فائدة للإلمام بأسباب النزول، فانها لا تعدو ان تكون تاريخا او جارية مجرى التاريخ.74
واستهان الشيخ محمد عبده بأسباب النزول75، ولم يعول عليها كثيرا، بسبب اشتمالها على الصحيح والعليل، واختراع بعض الناس أسبابا لنزول الآيات. والحق انه لا طريق لمعرفة اسباب النزول الا النقل عن الصحابة الذين عاصروا الوحى والنزول ووقفوا على الأحوال والملابسات التي أحاطت بنزول الآيات، وسمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم، فعنهم وحدهم يؤخذ هذا العلم. والى هذا أشار الواحدي بقوله: (ولا يحل القول فى اسباب نزول الكتاب الا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وجدوا فى الطلاب).76
ان اسباب النزول آثار واردة وأحاديث مأثورة ينطبق عليها ما ذكره علماء الحديث ونقدته. فلا تقبل جملة ولا ترفض جملة، فما كان صحيحا قبلناه، وما كان موضوعا رفضناه. ويقول الواحدي ايضا: (لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها). (وان التعبير عن سبب النزول بالقصة ليوحى بالحكمة البالغة فى معرفة الأسباب التي دعت الى تنزيل الوحى، ويجعل آيات القرآن تتلى فى كل زمان ومكان بشغف وولوع، وتطرد السآمة عن جميع القارئين بما توالى عرضه من حكايات أمثالهم، وأقاصيص أسلافهم، كأنها حكاياتهم هم إذ يرتلون آيات الله، او أقاصيصهم هم ساعة يطربون لوحى السماء).77
من اجل هذا كان جهل الناس بأسباب النزول كثيرا مما يوقعهم فى اللبس والإبهام فيفهمون الآيات على غير وجهها ولا يصيبون الحكمة الالهية من تنزيلها، كما حدث لمروان بن الحكم حين توهم ان قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ78ينطبق عليه، فقال لبوابه: اذهب يا رافع الى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرج بما اوتى وأحب ان يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون!
فقال ابن عباس: وما لكم ولهذه! انما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، واخبروه بغيره، فاروه ان قد استحمدوا اليه بما اخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ79حتى قوله: (يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا)80فلم يزل الاشكال الا بمعرفة سبب النزول. ولولا بيان اسباب النزول لأباح الناس لأنفسهم التوجه فى الصلاة الى الناحية التي يرغبون فيها، عملا بالمتبادر من قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ.81
فإذا قرانا تفسير مقاتل82رأينا انها نزلت فى ناس من الْمُؤْمِنِين كانوا فِي سفر، فحضرت الصَّلاة فى يوم غيم، فتحيروا، فمنهم من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، وذلك قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة، فَلَمَّا طلعت الشمس عرفوا أنهم قَدْ صلوا لغير القبلة، فقدموا المدينة، فأخبروا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِك، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ. قال مقاتل: وأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ... الى آخر الآية.83
ولولا بيان اسباب النزول لظل الناس الى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور، أخذا بظاهر قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا.84. فقد «حكى عن عثمان بن مطعون وعمرو بن معد يكرب انهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بهذه الآية.
وخفى عليهما سبب نزولها فانه يمنع من ذلك، وهو ما ذكره مقاتل85وغيره: من انه لما نزل تحريم الخمر
قال المسلمون: إن إخواننا ماتوا وقتلوا وَقَدْ كانوا يشربونها، فانزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ... الآية. فنزلت الآية عذرا للماضين وحجة على الباقين. نخلص من كل ما تقدم الى ان لاسباب النزول فوائد عديدة أهمها: 1- دفع الاشكال عن الآية: كما روى ان عروة بن الزبير أشكل عليه ان يفهم فرضية السعى بين الصفا والمروة من قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما). واشكاله نشا من ان الآية الكريمة نفت الجناح، ونفى الجناح لا يتفق والفرضية فى رأيه. وبقي فى اشكاله حتى سال خالته عائشة ام المؤمنين رضى الله عنها، فأفهمته ان نفى الجناح هنا ليس نفيا للفرضية، انما هو نفى لما وقر فى أذهان المسلمين يومئذ من ان السعى بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية، نظرا الى ان الصفا كان عليه صنم يقال له (إساف)، وكان على المروة صنم يقال له (نائلة)، وكان المشركون إذا سعوا بينهما تمسحوا بهما، فلما ظهر الإسلام وكسر الأصنام تحرج المسلمون ان يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت الآية. كما رواه مقاتل.86
2- دفع توهم الحصر، عما يفيد بظاهر الحصر: نحو قوله سبحانه فى سورة الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.87. قال مقاتل88: ان الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من اين أتيتم بهذا التحريم؟ فسكتوا فلم يجيبوه إِلَّا أنهم قَالُوا حرمه آباؤنا، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمنْ أَيْنَ حرمه آباؤكم؟ قَالُوا: اللَّه أمرهم بتحريمه... فأنزل الله الآية: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ... إلخ الآية.
وقد ذهب الشافعي الى ان الحصر فى هذه الآية غير مقصود، وقال انها نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا الا ان يحرموا ما أحل الله ويحلوا ما حرم الله، فنزلت الآية بهذا الحصر الصوري مشادة لهم، لا قصدا الى حقيقة الحصر.
يؤيد هذا ما نقله عنه
السبكى من قوله: (ان الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال الا ما حرمتموه، ولا حرام الا ما أحللتموه. نازلا منزلة من يقول لك: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم الا حلاوة والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: لا حرام الا ما أحللتموه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد اثبات التحريم لا اثبات الحل. قال امام الحرمين: وهذا فى غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي الى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكرته الآية.89
3- معرفة من نزلت فيهم الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره فيتهم البريء ويبرأ المريب: ولهذا ردت عائشة على مروان حين اتهم أخاها عبد الرحمن بن ابى بكر بانه الذي نزلت فيه آية وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما سورة الأحقاف/ 1690وقالت: والله ما هو به. ولو شئت ان أسميه لسميته.91
وقد ذهب مقاتل الى ان هذه الآية نزلت فى عبد الرحمن بن أبي بكر وأمه رومان بنت عمرو بن عامر الكندي، دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، فقال لوالديه (أف لكما).92
وما رواه مقاتل موافق لما أخرجه ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس، ولما أخرجه ابن ابى حاتم عن السدى. لكن الرواية الاولى- وهي رد عائشة على مروان- وردت فى البخاري من طريق يوسف بن ماهان. كما اخرج عبد الرزاق من طريق مكي انه سمع عائشة تنكر ان تكون الآية نزلت فى عبد الرحمن بن ابى بكر، وقالت انما نزلت فى فلان سمت رجلا. والمقاييس الدقيقة التي ذكرت فى اسباب النزول- وهي التي تقضى بقبول الصحيح ورفض ما عداه- تلزمنا هنا بقبول رواية البخاري ورفض ما رآه مقاتل. قال الحافظ ابن حجر: ونفى عائشة أصح اسنادا واولى بالقبول.93
4- وأخيرا فان من فوائد معرفة اسباب النزول تيسير حفظ القرآن، وتسهيل فهمه، وتثبيت الوحى فى ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها.
وذلك لان ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالاشخاص والازمنة والامكنة-
كل أولئك من دواعي تقرير الأشياء ورسوخها فى الذهن، وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها فى الفكر، بسبب تداعى المعاني كما ذكر فى علم النفس.
وأخيرا لقد ترك لنا مقاتل فى تفسيره ذخيرة كبيرة من اسباب نزول الآيات، وقد كانت هذه الذخيرة فى حاجة الى دراسة فاحصة لتمييز الصحيح من العليل، فبذلت جهدي فى ذلك أثناء تحقيقي لهذا التفسير، وانى لأرجو ان يكون الله قد وفقني فيما قمت به، واساله ان يعينني على تدارك ما فاتنى، انه ولى التوفيق؟