كلمة انصاف لمقاتل المتكلم
انفردت كتب الفرق بنسبتها الى مقاتل القول «بان الله لحم ودم... » ولم يرد ذلك فى تفسير مقاتل مطلقا. وما صحت نسبته اليه من التجسيم والتشبيه فى الاستواء، والفوقية، وصفة العرش والكرسي، واليمين والساق- اقوال يشترك فيها مقاتل مع بعض السلف. بقي قوله باللحم والدم. وقد كانت بعض هذه الكتب تروى كلام خصومها بشيء من التحامل وربما أضافت الى الرجل ما لم يقله. رغبة فى تنفير الناس من معتقده السيئ، مما حمل السكسكي فى برهانه على ان يذهب الى ان مقاتل بن سليمان المفسر غير مقاتل بن سليمان القائل باللحم والدم.1
غير ان الكوثرى خالفه وقال انهما شخص واحد «2». وبعض أئمة الكلام ومؤرخى الفرق اثنوا على مقاتل واعتبروه أساسا وركيزة لدفع الزيغ والإلحاد.
فالشهرستاني جعل مقاتلا من أئمة السلف.
وقرنه بالإمام مالك بن انس حيث قال: (ان السلف من اصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة فى علم الله ومخالفة السنة التي عهدوها من الائمة الراشدين.
ونصرهم جماعة من بنى أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بنى العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن تحيروا فى تقرير مذهب اهل السنة والجماعة فى متشابهات آيات الكتاب واخبار النبي صلى الله عليه وسلم.
فاما احمد بن حنبل وداود بن على الاصفهانى وجماعة من أئمة السلف- فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من اصحاب الحديث مثل مالك بن انس ومقاتل ابن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل بعد ان نعلم قطعا ان الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات وان كل ما تمثل فى الوهم فانه خالقه ومقدره.
وكانوا يتحرزون عن التشبيه الى غاية ان قالوا من حرك يده عند قراءته «خلقت بيدي» او أشار بأصابعه عند رواية- قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن- وجب قطع يده وقطع إصبعه).3
اما الامام الشافعي فقد جعل الناس فى تفسير القرآن عيالا على مقاتل ابن سليمان. ويذكر الدكتور صبحى الصالح ان مقاتلا من كبار علماء المسلمين ومفسريهم.4
ونحن نذكر جيدا قول الامام على لابنه: يا بنى اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال.
فنقول سحقا لمقاتل ان كان قد قال بان الله لحم ودم، بيد ان الإنصاف يقتضينا ان نذكر ان هذا القول لم ينسب لمقاتل فى اى كتاب من كتب التراجم او التاريخ، وانما نسب اليه فى كتب الفرق وحدها، وكتب الفرق كانت تحكى كلام الخصوم بشيء من المبالغة أحيانا.
فواجبنا ان نأخذ آراء مقاتل من كتبه هو، ومن حسن الحظ ان بعضها مخطوط فى المتاحف، ونحن فى سبيلنا اليه.
يقول الدكتور محمد يوسف موسى5: (ونعتقد انه اولى بالباحث المنصف ان يتشدد فى قبول كلام الخصم عن الخصم وفى نسبة ما ينسبه له، وبخاصة كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي، وكتاب الملل والنحل للشهرستاني- من أهم المراجع فى المذاهب الاسلامية، وصاحب الاول- كما يذكر الامام فخر الدين الرازي- كان شديد التعصب على المخالفين ولا يكاد يحكى مذاهبهم على وجوهها، وعنه أخذ الشهرستاني مذاهب الفرق الاسلامية).6
وإذا طالعنا كتاب التنبيه والرد للملطى المتوفى سنة 377 هـ «وهو من اقدم ما الف فى شرح احوال الفرق7» - رأيناه يثنى على مقاتل بن سليمان بل يعتبره ملجأ وسندا فى الرد على الزنادقة الذين شكوا فى القرآن، وزعموا ان فيه متشابها، ويقول: (فمن طلب علم ما أشكل عليه من ذلك عند اهل العلم به من ثقات العلماء وجد مطلبه، ولعمري ان اهل الأهواء فى مثل ذلك اختلفوا وضلوا، وهذه جملة جاءت بها الرواية، وأخذناها عن الثقات عن مقاتل بن سليمان ان تدبرت ذلك نفعك ان شاء الله.
قال مقاتل... )8ونقل عنه أربعا وعشرين صفحة فى تاويل متشابه القرآن.
والظاهرة الجديرة بالملاحظة ان تفسير مقاتل قد خلا خلوا تاما من القول باللحم والدم المنسوب اليه فى كتب النحل، فاما ان يكون مقاتل قال ذلك فى صدر حياته ثم عدل عنه، او يكون خصومه تقولوه عليه، او يكون القائل باللحم والدم مقاتل ابن سليمان آخر، غير مقاتل بن سليمان المفسر، كما ذكر ذلك السكسكي فى برهانه، او يكون رواة تفسير مقاتل هذبوه وحذفوا منه القول باللحم والدم، او يكون مقاتل قال ذلك فى علم الكلام، او عند جداله مع جهم فى الصفات، ولم يقله فى تفسير القرآن الكريم.
اما ترجيح احد هذه الفروض، فهو ما أرجو ان اهتدى اليه ان شاء الله.