ظفرا، ولا خيرا فلم يصبر المؤمنون وتركوا المركز، وعصوا فرفع عَنْهُم المدد، وأصابتهم الهزيمة بمعصيتهم، فيها تقديم لَيْسَ لَكَ يا محمد مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وذلك أن سبعين رَجُلا من أصحاب الصفة فقراء، كانوا إذا أصابوا طعاما فشبعوا منه تصدقوا1بفضله، ثُمّ إنهم خرجوا إلى الغزو محتسبين إلى قتال قبيلتين من بني سُلَيْم: عصبة وذكوان، فقاتلوهم فقتل السبعون جميعًا فشق عَلَى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه قتلهم.
فدعا عليهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أربعين يومًا فِي صلاة الغداة فأنزل اللَّه- تَعَالَى- «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»2أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيهديهم لدينه أَوْ يُعَذِّبَهُمْ على كفرهم فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ- 128- ثُمّ عظم نفسه تَعَالَى فَقَالَ: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وفى ملكه
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 129- فِي تأخير العذاب عن1هذين الحيين من بنى سليم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وذلك أن الرَّجُل كان إذا حل ماله طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب أخر عني وأزيدك عَلَى مَالِك، فيفعلون ذَلِكَ، فوعظهم اللَّه- تَعَالَى- وقَالَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الربا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 130- ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ- 131- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- 132- يعني لكي ترحموا فلا تعذبوا ثُمّ رغبهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَسارِعُوا بالأعمال الصالحة إِلى مَغْفِرَةٍ لذنوبكم مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يقول عرض الجنة كعرض سبع سماوات وسبع أرضين جميعًا لو ألصق بعضها إلى بعض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ- 133- ثُمّ نعتهم، فَقَالَ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يعني فِي «اليسر»2والعسر3وَفِي الرخاء والشدة وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَهُوَ الرَّجُل يغضب فِي أمر فإذا فعله وقع فِي معصية، فيكظم الغيظ ويغفر.
فذلك قوله: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ومن يفعل هَذَا فقد أحسن فذلك قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- 134- فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إني أرى هَؤُلاءِ فِي أمتي قليلا4، وكانوا أكثر فِي الأمم الخالية وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً وذلك أن رَجُلا خرج غازيا وخلف رَجُلا فِي أهله وولده، فعرض لَهُ الشَّيْطَان فِي أهله، فهوى المرأة فكان منه ما ندم، فأتى أبا بَكْر الصِّدِّيق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فقال: هلكت.
قال: وما هلاك.
قال: ما من شيء يناله الرجل [62 أ] من المرأة إلا وَقَدْ نلته غَيْر الجماع فَقَالَ أَبُو بَكْر- رضى الله عنه-: ويحك أما علمت
أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يغار للغازي ما لا يغار للقاعد، ثُمّ لقي عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فَأَخْبَرَه.
فَقَالَ لَهُ مثل مقالة أَبِي بَكْر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- ثُمّ أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال له، مثل مقالتهما فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِيهِ «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً» يعنى الزنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما كان نال منها1دون الزنا ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا يقيموا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ- 135- أنها معصية فَمنْ استغفر ف أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين فِي الجنان لا يموتون وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ- 136- يعني التائبين من الذنوب.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ظلمت نفسك، فاستغفر الله، وتب إِلَيْهِ.
فاستغفر الرَّجُل، واستغفر لَهُ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نزلت هَذِهِ الآية فِي عُمَر بن قَيْس2ويكنى أبا مقبل.
وذلك حين أقبل إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ صدمه حائط، وإذا الدم يسيل عَلَى وجهه عقوبة لما فعل.
فانتهى إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأذن بلال بالصلاة: صلاة الأولى.
فسأل أَبُو مقبل النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما توبته فلم يجبه ودخل المسجد وصلى الأولى، ودخل
أَبُو مقبل، وصلى معه، فنزل جبريل- عَلَيْه السَّلام- بتوبته وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يعني الصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ1يعني الذنوب التي لَمْ تختم2بالنار وليس عَلَيْه حد فِي الزنا3وما بين الحدين فهو اللمم والصلوات الخمس تكفر هَذِهِ الذنوب وكان ذنب أَبِي4مقبل من هَذِهِ الذنوب فَلَمَّا صلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لأبي مقبل: أما توضأت قبل أن تأتينا. قَالَ: بلى. قَالَ: أما شهدت معنا الصَّلاة. قَالَ: بلى. قَالَ فَإِن الصَّلاة قَدْ كفرت ذنبك، وقرأ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ الآية.5
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ يعني عذاب الأمم الخالية فخوف هَذِهِ الأمم بعذاب الأمم ليعتبروا فيوحدوه قوله- سُبْحَانَهُ-: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ- 137- للرسل بالعذاب كان عاقبتهم الهلاك ثُمّ وعظهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: هَذَا القرآن بَيانٌ لِلنَّاسِ من العمى وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ من الجهل لِلْمُتَّقِينَ- 138- وَلا تَهِنُوا وَلا تضعفوا عن عدوكم وَلا تَحْزَنُوا عَلَى ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني العالين إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 139-[62 ب] يعنى إن كنتم مصدقين ثُمّ عزاهم فَقَالَ: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يعني إن تصبكم6جراحات يوم أحد فقد مس القوم يعني كفار قريش قرح مثله يَقُولُ قَدْ أصاب المشركين جراحات مثله يوم بدر7وذلك قوله- سبحانه-:
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يوم لَكُمْ ببدر ويوم عليكم بأحد مرة للمؤمنين ومرة للكافرين.
بديل للكافرين من الْمُؤْمِنِين ويبتلى الْمُؤْمِنِين بالكافرين وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ يعني وليرى إيمان الَّذِينَ آمَنُوا منكم عِنْد البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا فِي دينهم أم لا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ- 140- يعنى المنافقين وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالبلاء ليرى صبرهم وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ- 141- يعني ويذهب دعوة الكافرين الشرك يعني المنافقين فيبين1نفاقهم وكفرهم ثُمّ بين للمؤمنين أَنَّهُ نازل بهم الشدة والبلاء فِي ذات اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ يعني أحسبتم وذلك أن المنافقين قَالُوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فَإِن محمدا لو كان نبيا لَمْ يسلط عَلَيْه القتل.
قَالَ المؤمنون: بلى من قُتِل مِنَّا دخل الجنة.
فَقَالَ المنافقون: لَمْ تمنون أنفسكم الباطل، فأنزل اللَّه- تَعَالَى- أَمْ حَسِبْتُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ يعني ولما يرى اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ فى سبيل الله وَلما يَعْلَمِ يعني يرى الصَّابِرِينَ- 142- عِنْد البلاء.
وليمحص أَيّ يَقُولُ إذا جاهدوا وصبروا رَأَى ذَلِكَ منهم، وإذا لَمْ يفعلوا لَمْ ير ذَلِكَ منهم وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ وذلك حين أخبر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عن قتلى بدر وما هُمْ فِيهِ من الخير.
قَالُوا: يا نَبِيّ اللَّه أرنا يومًا كيوم بدر.
فأراهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يوم أحد فانهزموا فعاتبهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يعني القتال من قبل أن تلقوه فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ- 143- وقالوا يومئذ إن محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قُتِل.
فَقَالَ بشر بن النَّضْر الْأَنْصَارِيّ- وَهُوَ عم أنس بن مَالِك-: إن كان محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قتل فإن رب
محمد حي، أفلا تقاتلون عَلَى ما قاتل عَلَيْه رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى تلقوا اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-.
ثُمّ قَالَ النَّضْر: اللَّهُمَّ إني أعتذر إليك مما يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبرأ إليك مما جاء به هَؤُلاءِ ثُمّ شد عليهم بسيفه فقتل منهم من قتل.
وقَالَ المنافقون يومئذ: ارجعوا إلى إخوانكم فاستأمنوهم، فارجعوا إلى دينكم الأول.
فَقَالَ النَّضْر عند قول المنافقين تلك المقالة1[63 أ] فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ يَقُولُ وهل محمد- عَلَيْه السَّلام- لو قُتِل إِلَّا كَمَن قُتِل قبله من الْأَنْبِيَاء أَفَإِنْ ماتَ محمد أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ يعني رجعتم إلى دينكم الأول الشرك.
ثُمّ قال: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ يَقُولُ ومن يرجع إِلَى الشرك بعد الْإِيمَان فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً بارتداده من الْإِيمَان إلى الشرك إِنَّمَا يضر بذلك نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ- 144- يعني الموحدين للَّه فِي الآخرة وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ يعنى أن تقتل إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ حتى يأذن الله فى موته كِتاباً مُؤَجَّلًا فِي اللوح المحفوظ وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها يعني الَّذِين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة.
وقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها الَّذِين ثبتوا مَعَ أميرهم عَبْد اللَّه بن جُبَيْر الْأَنْصَارِيّ من بني عمرو حَتَّى قتلوا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ- 145- يعني الموحدين فِي الآخرة ثُمّ أخبر بما لقيت الْأَنْبِيَاء والمؤمنون قبلهم يعزيهم ليصبروا، فقال- سبحانه-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ وكم من نَبِيّ «قاتَلَ مَعَهُ قبل محمد»2رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ يعني الجمع الكثير فَما وَهَنُوا يعني فَمَا عجزوا لما نزل بهم من قبل أنبيائهم وأنفسهم
لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا يعني خضعوا لعدوهم وَمَا اسْتَكانُوا يعني وما استسلموا يعني الخضوع لعدوهم بعد قَتْل نبيهم فصبروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ- 146- وَما كانَ قَوْلَهُمْ عِنْد قَتْل أنبيائهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا يعني الخطايا الكبار فِي أعمالنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عِنْد اللقاء حَتَّى لا تزل وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ - 147- أفلا تقولون كَمَا قَالُوا، وتقاتلون كَمَا قاتلوا، فتدركون من الثواب فِي الدُّنْيَا والآخرة مثل ما أدركوا، فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ- فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا يَقُولُ أعطاهم النصر والغنيمة فِي الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ جنة اللَّه ورضوانه فَمنْ فعل ذَلِكَ فقد أحسن.
فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- 148- وأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي قول المنافقين للمؤمنين، عِنْد الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم.
فقال- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين فِي الرجوع إلى أَبِي سُفْيَان يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ كفارا بعد الإيمان فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ- 149-[63 ب] إلى دينكم الأول بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ1يعني يَقُولُ فأطيعوا اللَّه مولاكم يعني وليكم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ- 150- من أبي سُفْيَان وأصحابه ومن معه من كفار العرب يوم أحد سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فانهزموا إلى مكة من غَيْر شيء بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني ما لَمْ ينزل به كتابا فِيهِ حجة لهم بالشرك وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ- 151- يعني مأوى المشركين النار وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد ولكم النصر عليهم حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ يعنى ضعفتم عن ترك المركز
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فتصيب الغنائم، وقَالَ بعضهم: لا نبرح المركز كَمَا أمرنا رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من النصر عَلَى عدوكم فقتل أصحاب الألوية من المشركين مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا الَّذِين طلبوا الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الَّذِين ثبتوا فِي المركز حَتَّى قتلوا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ من بعد أن أظفركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ حيث لَمْ تقتلوا جميعًا عقوبة بمعصيتكم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ فِي عقوبته عَلَى الْمُؤْمِنِينَ- 152- حيث لَمْ يقتلوا جميعًا إِذْ تُصْعِدُونَ من الوادي إلى أحد وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يعني بأحد النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يعني يناديكم من ورائكم يا مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أَنَا رَسُول اللَّه.
ثُمّ قَالَ: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذَلِكَ من المشركين، وقتل إخوانهم فهذا الغم الأول والغم الآخر إشراف خَالِد بن الْوَلِيد عليهم من الشعب فِي الخيل، فَلَمَّا أن عاينوه ذعرهم1ذَلِكَ وأنساهم ما كانوا فِيهِ من الغم الأول والحزن.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- 153- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يعني من بعد غم الهزيمة أمنة نعاسا، وذلك أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ألقى عَلَى بعضهم النعاس فذهب غمهم، فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: يَغْشى النعاس طائِفَةً مِنْكُمْ نزلت فِي سبعة نفر، فى أبى بكر [64 أ] الصِّدِّيق، وعمر بن الخَطَّاب، وعلي بن أَبِي طَالِب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصار- رضى الله عنهم-
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني الَّذِين لَمْ يلق عليهم النعاس يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ كذبا يَقُولُ المؤمنون إن محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قُتِل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُ كظن جهال المشركين أَبُو سُفْيَان1وأصحابه وذلك أنهم قَالُوا إن محمدا قَدْ قُتِل يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ هَذَا قول معتب بن قشير يعني بالأمر النصر يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لنبيه- صَلَّى الله عليه وسلم- قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ يعني النصر كُلَّهُ لِلَّهِ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ «يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا»2يقول يسرون فى قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم وَالَّذِي أخفوا فِي أنفسهم أنهم قَالُوا: لو كُنَّا فِي بيوتنا ما قتلناها هنا، قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْ لهم يا محمد: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ كَمَا تقولون لخرج من البيوت الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ فَمنْ كتب عَلَيْه القتل لا يموت أبدا ومن كتب عَلَيْه الموت لا يقتل أبدا.
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- 154- يَقُولُ اللَّه عليم بما فِي القلوب من الْإِيمَان والنفاق والذين أخفوا فِي أنفسهم قولهم إن محمدا قَدْ قُتِل، وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا3هاهنا، يعني هَذَا المكان فهذا الَّذِي قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ- لهم: قل لهم يا محمد لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا تقولون لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ قوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يعني انهزموا عن عدوهم مدبرين منهزمين يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع الْمُؤْمِنِين وجمع المشركين يوم أحد إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ يعنى استفزهم الشيطان بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
من الذنوب يعني بمعصيتهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتركهم المركز منهم عُثْمَان بن عَفَّان، ورافع بن المعلى، وخارجة بن زَيْد، وحذيفة ابن عُبَيْد بن رَبِيعَة، وعثمان بن عُقْبة وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حين لَمْ يقتلوا جميعًا عقوبة بمعصيتهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم حَلِيمٌ- 155- عَنْهُمْ فِي هزيمتهم فلم يعاقبهم ثُمّ وعظ اللَّه الْمُؤْمِنِين ألا يشكوا كشك المنافقين.
فقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا فِي القول كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ يعني عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، وذلك أَنَّهُ قَالَ يوم أحد لعبد اللَّه بن رباب1الْأَنْصَارِيّ وأصحابه: إِذا ضَرَبُوا يعني ساروا فِي الْأَرْضِ [64 ب] تجارا أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غاز2لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا يعني التجار وَما قُتِلُوا يعني الغزاة قَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ ذَلِكَ حين انهزم المؤمنون وقتلوا.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القتل حَسْرَةً يعني حزنا فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي الموتى وَيُمِيتُ الأحياء لا يملكهما غيره، وليس ذلك بأيديهم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- 156- وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ فى غير قتل لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ3- 157- من الأموال ثُمّ حذرهم الْقِيَامَة فَقَالَ: وَلَئِنْ مُتُّمْ فِي غير قتل أَوْ قُتِلْتُمْ فِي سبيله لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ- 158- فيجزيكم بأعمالكم فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ فبرحمة اللَّه كان4إذ لنت لهم فِي القول، وَلَم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد
يعنى المنافقين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا باللسان غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لتفرقوا عنك يعني المنافقين فَاعْفُ عَنْهُمْ يَقُولُ اتركهم وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ لما كان منهم يوم أحد وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ وذلك أن العرب فِي الْجَاهِلِيَّة كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم وَلَم1يشاورهم شق ذَلِكَ عليهم.
فأمر اللَّه- عَزَّ وجل- النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يشاورهم فِي الأمر إذا أراد فَإِن ذَلِكَ أعطف لقلوبهم عَلَيْه، وأذهب لضغائنهم فَإِذا عَزَمْتَ يَقُولُ فإذا فرق اللَّه2لك الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك فَتَوَكَّلْ3عَلَى اللَّهِ يَقُولُ فثق بِاللَّه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ- 159- عَلَيْه يعني الَّذِين يثقون به إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعنى يمنعكم فَلا غالِبَ لَكُمْ يعني لا يهزمكم أحد وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ يعني يمنعكم من بعد الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- 160- وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يعني أن يخون فِي الغنيمة يوم أحد وَلا يجور فِي قسمته فِي الغنيمة نزلت فِي الَّذِين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يَقُولُ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من أَخَذَ شيئًا فهو له ونحن هاهنا وقوف فَلَمَّا رآهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حَتَّى يأتيكم أمري.
قَالُوا: تركنا بَقِيَّة إخواننا وقوفا فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ظننتم أَنَا نغل فنزلت وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ ثُمّ خوف اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- من يغل فَقَالَ: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر ما كَسَبَتْ من خير أَوْ شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- 161- فى أعمالهم.
ثُمّ قال- سُبْحَانَهُ-: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
يعنى رضى ربه- عَزَّ وَجَلّ- وَلَم يغلل كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ [65 أ] يعني استوجب السخط من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي الغلول «ليسوا سواء ثُمّ بين مستقرهما1فَقَالَ: وَمَأْواهُ يعني ومأوى من غل جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ- 162- يعني أَهْل الغلول».2
ثُمّ ذكر- سُبْحَانَهُ- من لا يغل فَقَالَ: هُمْ يعني لهم دَرَجاتٌ يعني لهم فضائل عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ- 163- من غل منكم ومن لَمْ يغل فهو بصير بعمله لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يعني القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يعني ويصلحهم وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني المواعظ التي فِي القرآن من الحلال والحرام والسنة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- 164- يعني بين مثلها فِي الجمعة3أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ وذلك أن سبعين رَجُلا من الْمُسْلِمِين قتلوا يوم أحد يوم السبت فِي شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقُتِل من المشركين قبل ذَلِكَ بسنة فِي سبع عشرة ليلة خلت من رمضان ببدر سبعين رجلا، وأسروا سبعين رَجُلا من المشركين.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها من المشركين يوم بدر بمعصيتكم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وترككم المركز «قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ»4إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- 165- من النصرة والهزيمة قدير وَما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة بأحد
الَّذِين قتلوا ببدر فأنزل اللَّه- تَعَالَى- وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني قتلى بدر أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ- 169- الثمار فِي الجنة وذلك أن اللَّه- تَعَالَى- جعل أرواح الشهداء طيرا خضرا ترعى فِي الجنة لها قناديل معلقة بالعرش تأوي إلى قناديلها فاطلع اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عليهم فَقَالَ- سبحانه-: هل تستزيدونى شيئا فأزيدكم؟ قالوا: أو لسنا نسرح فِي الجنة حيث نشاء ثُمّ اطلع عليهم أخرى فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: هَلْ تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ ثُمّ اطلع الثالثة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- هَلْ تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ قَالُوا: ربنا نريد أن ترد أرواحنا فِي أجسادنا فنقاتل فِي سبيلك مرة أخرى، لما نرى من كرامتك إيانا ثُمّ قَالُوا فيما بينهم: ليت إخواننا الَّذِين فِي دار الدُّنْيَا يعلمون ما نَحْنُ فِيهِ من الكرامة والخير والرزق فَإِن شهدوا قتالا سارعوا بأنفسهم إلى الشهادة: فسمع اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- كلامهم [66 أ] فأوحى إليهم أني منزل عَلَى نبيكم ومخبر إخوانكم بما أنتم فِيهِ فاستبشروا بِذَلِك فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يحبب الشهادة إلى الْمُؤْمِنِين وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ من الثمار.
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ- فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ يعني راضين بما أعطاهم اللَّه مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ يعني من بعدهم من إخوانهم فِي الدُّنْيَا أنهم لو رأوا قتالا لاستشهدوا ليلحقوا بهم.
ثم قال- سبحانه-: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- 170- عند الموت يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني رحمة من اللَّه وَفَضْلٍ1ورزق وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ- 171- يعنى أجر المصدقين بتوحيد الله
- عز وجل- الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وذلك أن المشركين انصرفوا يوم أحد ولهم الظفر فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إني سائر فِي أثر القوم. وكان النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يوم أحد عَلَى بغلة شهباء فدب المنافقون إلى الْمُؤْمِنِين. فقالوا: أتوكم فِي دياركم فوطئوكم قتلا، وكان لَكُم النصر يوم بدر، فكيف تطلبونهم وهم اليوم عليكم أجرأ، وأنتم اليوم أرعب. فوقع فِي أنفس الْمُؤْمِنِين قول المنافقين، فاشتكوا ما بهم من الجراحات فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ... إلى آخر الآية.1
وأنزل اللَّه- تَعَالَى- إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ... - يعني تتوجعون من الجراحات إلى آخر الآية.2
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأطلبنهم ولو بنفسي.
فانتدب مَعَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سبعون رَجُلا من المهاجرين والأنصار حَتَّى بلغوا صفراء بدر الصغرى3فبلغ أبا سُفْيَان4أن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يطلبه فأمعن عائدا5إلى مكة مرعوبا ولقي أَبُو سُفْيَان6نُعَيْم بن مَسْعُود الأشْجَعيّ، وَهُوَ يريد المدينة.
فَقَالَ: يا نُعَيْم: بلغنا أن محمدا فِي الأثر فَأَخْبَرَه أن أَهْل مكة قَدْ جمعوا جمعا كثيرًا من قبائل العرب لقتالكم، وأنهم لقوا أبا سُفْيَان فلاموه بكفه عنكم، بعد الهزيمة حَتَّى هموا به، فردوه فَإِن رددت عنا محمدا فلك عشر ذود من الإبل إذا رجعت إلى مكة فسار نُعَيْم فلقي النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فى الصفراء.
فَقَالَ: ما وراءك يا نُعَيْم؟ فَأَخْبَرَه بِقَوْلِ أَبِي سُفْيَان.
ثُمّ قَالَ: أتاكم الناس.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نعم الملتجأ ونعم الحرز فأنزل اللَّه- سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ يعنى الجراحات لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ الفعل وَاتَّقَوْا معاصيه أَجْرٌ عَظِيمٌ- 172- وَهُوَ الجنة1] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعنى نعيم بن مسعود وحده [66 ب] إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الجموع لقتالكم فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً يعني تصديقا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ- 173- يعني النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه- رضي الله عنهم- فأصابوا فَانْقَلَبُوا يعني فرجعوا إلى المدينة بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ يعني الرزق وذلك أنهم أصابوا سرية فِي الصفراء، وذلك فِي ذِي القعدة لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من عدوهم فِي وجوههم وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ يعنى رضى اللَّه فِي الاستجابة للَّه- عَزَّ وَجَلّ- وللرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي طلب المشركين يَقُولُ اللَّه- سُبْحَانَهُ-: [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ- 174- على أهل طاعته].2
قال: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثابت، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حدثنا هُذَيْل: قَالَ مُقَاتِلٌ: فنزلت هَذِهِ الآيات فِي ذِي القعدة بذي الحليفة حين انصرفوا عن طلب أَبِي سُفْيَان وأصحابه بعد قتال أحد إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ندب الناس يوم أحد فِي طلب المشركين فَقَالَ المنافقون للمسلمين: قَدْ رأيتم ما لقيتم لَمْ ينقلب إِلَّا شريد، وأنتم فِي دياركم تصحرون1وأنتم أكلة رأس، واللَّه لا ينقلب منكم أحد، فأوقع الشَّيْطَان قول المنافقين فِي قلوب الْمُؤْمِنِين.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يعني يخوفهم بكثرة أوليائه من المشركين فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ فى ترك أمرى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 175- يعني إذ كنتم يَقُولُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تخافوهم.
ثُمّ قَالَ: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يعني المشركين يوم أحد إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يقول لن ينقصوا اللَّه شيئًا من ملكه وسلطانه لمسارعتهم2فِي الكفر، إنما يضرون أنفسهم بِذَلِك يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ يعني نصيبا فِي الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- 176- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ- يعنيهم: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ يعني باعوا الْإِيمَان بالكفر لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ يعني لن ينقصوا اللَّه من ملكه وسلطانه شَيْئاً حين باعوا الْإِيمَان بالكفر إِنَّمَا ضروا أنفسهم بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- 177- يعنى وجيع وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أبا سُفْيَان وأصحابه يوم أحد أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ حين ظفروا خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ فِي الكفر لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- 178- يعني الهوان مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ يا مَعْشَر الكفار عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
من الكفر حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فِي علمه حَتَّى يميز أَهْل الكفر من أهل الإيمان [67 أ] نظيرها فِي الأنفال.1
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وذلك أن الكفار قَالُوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن مِنَّا، ومن يكفر.
فأنزل الله- عز وجل-: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ يعني ليطلعكم عَلَى غيب ذَلِكَ إِنَّمَا الوحي إلى الْأَنْبِيَاء بِذَلِك.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يستخلص مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيجعله رسولا فيوحي إِلَيْهِ ذَلِكَ لَيْسَ الوحي إلا إلى الأنبياء فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني صدقوا بتوحيد اللَّه- تَعَالَى- وبرسالة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْ تُؤْمِنُوا يعني تصدقوا بتوحيد اللَّه- تَعَالَى- وَتَتَّقُوا الشرك فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ- 179- وَلا يَحْسَبَنَّ2الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني بما أعطاهم اللَّه من فضله يعني من الرزق وبخلوا بالزكاة أن ذَلِكَ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ البخل هُوَ3شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وذلك أن كنز أحدهم يتحول شجاعا أقرع ذكر، ولفيه زبيبتان كَأَنَّهما جبلان فيطوق به فِي عنقه فينهشه فيتقيه بذراعيه فيلتقمهما4حَتَّى يقضى بين الناس فلا يزال معه حَتَّى يساق إلى النار ويغل، وذلك قوله- سُبْحَانَهُ-
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ1»، ثم قال- سبحانه-: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ إن بخلوا بالزكاة فالله يرثهم ويرث أَهْل السموات وأهل الأرضين فيهلكون ويبقى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ2خَبِيرٌ- 180- يعني فِي ترك الصدقة يعني اليهود لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كتب مَعَ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- إلى يهود قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصَّلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا اللَّه قرضا حسنا.
قَالَ فنحاص اليهودي: إن اللَّه فقير حين يسألنا القروض ونحن أغنياء.
وَيَقُولُ اللَّه- عز وجل- سَنَكْتُبُ ما قالُوا فأمر الحفظة أن تكتب3كُلّ ما قَالُوا وَتكتب قَتْلَهُمُ4الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ5أَي تَقُولُ لهم خزنة جَهَنَّم فِي الآخرة ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ- 181- ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- 182- فيعذب على غير ذنب، ثُمّ أخبر عن اليهود حين دعوا إلى الْإِيمَان فَقَالَ- تبارك وتعالى-: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فَقَالَ- عَزَّ وَجَلّ- لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم-[67 ب] قُلْ لهم
قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ يعني التبيين بالآيات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من أمر القربان فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ فلم قتلتم1أنبياء اللَّه من قبل محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- 183- بما تقولون فَإِنْ كَذَّبُوكَ يا محمد يعزي نبيه- صلى الله عليه وسلم- ليصبر على تكذيبهم فلست بأول رسول كذب.
فذلك قوله- سبحانه-: فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ يعني بالآيات وَالزُّبُرِ يعني بحديث ما كان قبلهم والمواعظ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ- 184- يعني المضيء البين الذي فيه أمره ونهيه، ثُمّ خوفهم فَقَالَ: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يعني جزاء أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ يعني صرف عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ يعني فقد نجى.
ثُمّ وعظهم فَقَالَ: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ- 185- يعني الفاني الَّذِي لَيْسَ بشيء لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ نزلت في النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبي بَكْر الصِّدِّيق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- يعني بالبلاء والمصيبات وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حين قَالُوا: إن اللَّه فقير.
ثُمّ قَالَ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني مشركي العرب أَذىً كَثِيراً باللسان والفعل وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ الأذى وَتَتَّقُوا معصيته فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ- 186- يعني ذَلِكَ الصَّبْر والتقوى من خير الأمور التي أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بها وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى أعطوا التوراة وَلا تَكْتُمُونَهُ2أَي أمره وأن تتبعوه فَنَبَذُوهُ يعني فجعلوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ بكتمان أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَمَناً قَلِيلًا وذلك أن
سفلة اليهود كانوا يعطون رءوس اليهود من ثمارهم وطعامهم عِنْد الحصاد.
ولو تابعوا محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لذهب عَنْهُمْ ذَلِكَ المأكل.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ- 187- لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وذلك أن اليهود قالوا للنبي- صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين دخلوا عَلَيْه: نعرفك نصدقك وليس ذَلِكَ فِي قلوبهم.
فَلَمَّا خرجوا من عِنْد النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قَالُوا: عرفناه وصدقناه.
فَقَالَ المسلمون: أحسنتم بارك اللَّه فيكم.
وحمدهم المسلمون عَلَى ما أظهروا من الْإِيمَان بالنَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم-[68 أ] فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا يا محمد فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- 188- يعنى وجيع ثُمّ عظم اللَّه نفسه فَقَالَ: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا من الخلق عبيده وَفِي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- 189- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقين عظيمين وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ- 190- يعني أهل اللب والعقل ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سبحانه-: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا يَقُولُ عبثا لغير شيء لقَدْ خلقتهما لأمر قد كان سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ- 191- رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ يعني من خلدته فِي النار فقد أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ- 192- يعني وما للمشركين من مانع يمنعهم من النار.
قَالُوا: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ فهو محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- داعيا يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ يعني صدقوا بتوحيد ربكم فَآمَنَّا أَي فأجابه المؤمنون فقالوا: ربنا آمنا1يعنى
صدقنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا يعني امح عنا خطايانا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ- 193- يعني المطيعين قَالُوا: رَبَّنا وَآتِنا يعني وأعطنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يَقُولُ أعطنا من الجنة ما وعدتنا عَلَى ألسنة رسلك وَلا تُخْزِنا يعني وَلا تعذبنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ- 194- فأخبر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بفعلهم وبما أجابهم.
وأنجز اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لهم موعوده فذلك قوله- سبحانه- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فَقَالَ: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ فِي الخير مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وذلك أن كفار مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي يعني فِي سبيل دين الْإِسْلام وَقاتَلُوا المشركين وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ يعني لأمحون عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني خطاياهم وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني بجنات البساتين، ذَلِكَ الَّذِي ذكر كان ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ- 195- يعني الجنة نزلت فِي أم سَلَمَة- أم الْمُؤْمِنِين رَضِيَ اللَّه عَنْهَا- ابنة أبي أمية المخزومي حين قالت: مالنا مَعْشَر النساء عِنْد اللَّه خير وما يذكرنا بشيء ففيها1نزلت
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فى الأحزاب إلى آخر الآية1[68 ب] فأشرك اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- الرجال مَعَ النّساء فِي الثواب كَمَا شاركن الرجال فِي الأعمال الصالحة فى الدنيا لا يَغُرَّنَّكَ يا محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ- 196- نزلت فِي مشركي العرب وذلك أن كفار مكة كانوا فِي رخاء ولين عيش حسن فَقَالَ بعض الْمُؤْمِنِين: أعداء اللَّه فيما ترون من الخير وَقَدْ أهلكنا الجهد.
فأخبر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بمنزلة الكفار فِي الآخرة، وبمنزلة الْمُؤْمِنِين فِي الآخرة، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا يَغُرَّنَّكَ يا محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما فِيهِ الكفار من الخير والسعة فَإِنَّمَا هُوَ مَتاعٌ قَلِيلٌ يمتعون بها إلى آجالهم ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ- 197- فبين الله- تعالى- مصيرهم ثُمّ بين منازل الْمُؤْمِنِين فِي الآخرة، فَقَالَ- سبحانه-: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وحدوا ربهم لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها لا يموتون كان ذَلِكَ نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ- 198- يعنى المطيعين وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى ابن سلام لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ2يعنى يصدق بالله وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- من القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: خاشِعِينَ لِلَّهِ يعني متواضعين للَّه لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضا يسيرا من الدُّنْيَا كفعل اليهود بما أصابوا من سفلتهم من المأكل من الطعام والثمار عِنْد الحصاد ثُمّ قَالَ يعني» مؤمني أَهْل التوراة
ابن سلام وأصحابه أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني جزاؤهم فِي الآخرة عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- 199- يقول كأنه قد جاء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على أمر اللَّه- عز وجل- وفرائضه وَصابِرُوا مَعَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي المواطن وَرابِطُوا العدو فِي سبيل اللَّه حَتَّى يدعوا دينهم لدينكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوا ومن يفعل ذَلِكَ فقد أفلح فذلك قوله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 200-. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يُحَدِّثُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأَهْلِ نَجْرَانَ.
هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ لأَهْلِ نَجْرَانَ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ، وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَرَقِيقٍ فَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذلك كله على ألفى حلة كل حُلَلِ الأَلْوَانِ1فِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ «وَفِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ»2فَمَا زَادَ مِنْ حلل الخراج [69 أ] عَلَى الأَوَاقِ فَبِحِسَابِهِ، وَمَا قَصُرَ مِنْ دِرْعٍ أَوْ حُلَّةٍ أَوْ خَيْلٍ3أَوْ رِكَابٍ أَوْ عِرْضٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِحِسَابِهِ، وَعَلَى نَجْرَانَ مَثُوبَةُ رُسُلِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِشْرِينَ لَيْلَةً وَلا تَحْبِسُ رَسُولِي فَوْقَ شَهْرٍ وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةُ ثَلاثِينَ دِرْعًا وَثَلاثِينَ فَرَسًا وَثَلاثِينَ بَعِيرًا إِذَا كَانَ «كُبِّدَ4بِالْيَمَنِ» ذُو مَعْذِرَةٍ وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَذِمَّةُ محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-5علي أنفسهم
وما لهم وأرضهم وأمولهم وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَتَابِعِهِمْ ولا يُغَيَّرُ مَا كَانُوا عَلَيْه وَلا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَلا مِلَّةٌ مِنْ مِلَلِهِمْ، وَلا يُغَيَّرُ أُسْقُفُّ عَنْ أُسْقُفُيَّتِهِ، وَلا رَاهِبٌ عَنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَعَلَى1مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رِبًا وَلا دَمُ جَاهِلِيَّةٍ وَلَا يُحَسَّرُونَ وَلا يُعَشَّرُونَ وَلا يَطَأُ أَرْضَهُمْ حَاشِرٌ وَمَنْ سَأَلَ فِيهِمْ حَقًّا أُنْصِفَ غَيْرَ ظَالِمِينَ وَلا مَظْلُومِينَ وَمَنْ أَكَلَ رِبًا مِنْ ذِي قَبْلُ فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ وَلا يُؤْخَذُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِطَلَبِ آخَرَ، وَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ جِوَارُ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ مَا نَصُحوا وَأَصْلَحُوا فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ غَيْرَ مُتَغَلِّبِينَ بِظُلْمٍ.
شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وغيلان ابن عَمْرٍو، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالْمُغِيرَةُ.
وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام.
وَزَعَمَ2أَنَّ أَبَا بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا مِنْ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل: سَمِعْتُ الْمُسَيِّبَ وَالضَّرِيرَ يُحَدِّثَانِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: لَوْ كَانَ عَلِيًّا طَاعِنًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لَطَعَنَ عَلَيْهِ حِينَ جَاءَ3أَهْلُ نَجْرَانَ وَمَعَهُمْ قِطْعَةُ أَدِيمٍ فِيهِ كِتَابٌ عَلَيْه خَاتَمُ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالُوا لِعَلِيٍّ- عَلَيْه السَّلامُ-: نَنْشُدُكَ اللَّهَ كِتَابُكَ بِيَدِكَ وَشَفَاعَتُكَ بِلِسَانِكَ أَلا مَا رَدَدْتَنَا إِلَى نَجْرَانَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: دَعُونِي فَإِنَّ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ رَشِيدَ الأَمْرِ.
قَالَ الأَعْمَشُ: فَسَأَلْتُ4سَالِمًا كَيْفَ كَانَ إِخْرَاجُ عمر- رضى الله
عَنْهُ- إِيَّاهُمْ قَالَ كَثُرُوا حَتَّى صَارُوا أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَمِيلُوا عَلَيْهِمْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ فَجَاءُوا إِلَى عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالُوا: قَدْ فَسَدَ الَّذِي بَيْنَنَا فَذَهَبُوا فَاغْتَنَمَهَا عُمَرُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ثُمَّ جاءوا [69 ب] إليه فَقَالُوا: قَدِ اصْطَلَحْنَا فَأَقِلْنَا.
فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا أُقِيلُكُمْ أَبَدًا فَأَخْرَجَ فِرْقَةً إِلَى الشَّامِ وَفِرْقَةً إِلَى الْعِرَاقِ وَفِرْقَةً إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى.
قال: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثابت، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ فِي قوله- عَزَّ وَجَلّ-: [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ «وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ»1] فيها تقديم2ولم أسمع مقاتل.