[سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 29]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (7) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (20) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)
[سورة الفتح1] سورة الفتح مدنية عددها «تسع»2وعشرون آية كوفى3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحديبية فَتْحاً مُبِيناً- 1- وذلك أن الله- تعالى- أنزل بمكة على نبيه- صلى الله عليه وسلم-... وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ...1ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللات والعزى ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد ولولا أنه ابتدع هذا الأمر من تلقاء نفسه لكان ربه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى بن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم؟ فأما محمد فلا علم له بما يفعل به ولا بنا إن هذا لهو الضلال كل الضلال، فشق على المسلمين نزول هذه الآية فقال أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- للنبي- صلى الله عليه وسلم-: ألا تخبرنا ما الله فاعل بك؟ فقال: ما أحدث الله إلي أمر بعد.
فلما قدم المدينة، قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين: كيف تتبعون رجلا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين وعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن وعلم فرح المشركين من أهل مكة، وفرح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله- تعالى- بالمدينة بعد ما رجع النبي- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يعني قضينا لك فَتْحاً مُبِيناً يعني قضاء بينا، يعنى الإسلام.
لِيَغْفِرَ يعنى لكي يغفر لَكَ اللَّهُ بالإسلام ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ يعني ما كان في الجاهلية وَما تَأَخَّرَ يعني وبعد النبوة وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ1وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً- 2- يعنى دينا مستقيما وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ يقول ولكي ينصرك الله بالإسلام [160 ا] على عدوك نَصْراً عَزِيزاً- 3- يعني منيعا فلا تذل فهذا الذي قضى الله له: المغفرة والغنيمة والإسلام والنصر فنسخت هذه الآية قوله:... وَما «أَدْرِي»2ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ...3فأخبر الله- تعالى- نبيه- صلى الله عليه وسلم- بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي- صلى الله عليه وسلم- فلما سمع عبد الله بن أبي رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي- صلى الله عليه وسلم-، وَأَنَّ اللَّهَ قد غفر له ذنبه، وأنه يفتح له على عدوه، ويهديه صراطا مستقيما، وينصره نصرا عزيزا، قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله غفر له ذنبه، وينصره على عدوه، هيهات هيهات لقد بقى له من العدو أكثر وأكثر فأين فارس والروم وهم أكثر عدوا وأشد بأسا وأعز عزيزا؟ ولن يظهر عليهم محمد، أيظن محمد أنهم مثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجا، ولا علم له بما يفعل به ولا بمن اتبعه، إن هذا لهو الخلاف «المبين».4
فخرج النبي- صلى الله عليه وسلم- على أصحابه فقال: لقد نزلت على آية لهي أحب إلي مما بين السماء والأرض فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ... إلى آخر الآية، فقال أصحابه:
هنيئا مريئا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا، فنزلت سورة الأحزاب «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً1» يعنى عظيما وهي الجنة وأنزل «لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ... ».2 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يعني الطمأنينة لِيَزْدادُوا يعني لكي يزدادوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يعني تصديقا مع تصديقهم الذي أمرهم الله به في كتابه فيقروا «أن يكتبوا»3باسمك اللهم، ويقروا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وذلك أنه لما نزل النبي- صلى الله عليه وسلم- بالحديبية «بعثت قريش منهم»4سهيل بن عمرو القرشي وحويطب ابن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأحنف على أن يعرضوا على النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي قريش له مكة من العام المقبل ثلاثة أيام، ففعل ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- وكتبوا بينهم وبينه كتابا فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب- عليه السلام-: اكتب بيننا كتابا: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل بن عمرو وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم.
فهم أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- ألا يقروا بذلك، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لعلى عليه السلام-:
اكتب ما يقولون، فكتب: باسمك اللهم.
ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة.
فقال سهيل بن عمرو وأصحابه: لقد ظلمناك إن علمنا أنك رسول الله ونمنعك ونردك عن بيته، ولا نكتب هذا.
ولكن اكتب الذي نعرف: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا علي، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله.
فهم المسلمون ألا يقروا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد ابن عبد الله.
فأنزل الله السكينة يعني الطمأنينة عليهم.
فذلك قوله: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» أن يقروا لقريش حتى يكتبوا باسمك اللهم... إلى آخر القصة، وأنزل في قول أهل مكة لا نعرف أنك رسول الله ولو علمنا ذلك لقد ظلمناك حين نمنعك عن بيته.... وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً1أن محمد رسول الله فلا شاهد أفضل منه.2
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً3- 4- عليما بخلقه، حكيما في أمره4لِيُدْخِلَ5الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني لكي يدخل المؤمنين والمؤمنات بالإسلام جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ من تحت البساتين خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَلكي يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني يمحو عنهم ذنوبهم وَكانَ ذلِكَ الخير عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً- 5- فأخبر الله- تعالى- نبيه «بما»6يفعل بالمؤمنين، فانطلق عبد الله بن أبي رأس المنافقين فى نفر
معه إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً1يعنى وجيعا وَيُعَذِّبَ يعنى ولكي يعذب الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ من أهل المدينة عبد الله بن أبي وأصحابه وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ يعني من أهل مكة الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ وكان ظنهم حين قالوا: واللات والعزى ما نحن وهو عند الله إلا بمنزلة واحدة، وأن محمد الا ينصر فبئس حين ما ظنوا.
يقول الله عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ فى الآخرة جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً- 6- يعني وبئس المصير، وأنزل الله- تعالى- في قول عبد الله بن أبي حين قال: فأين أهل فارس والروم؟ وَلِلَّهِ جُنُودُ [160 ب]2السَّماواتِ يعني الملائكة وَالْأَرْضِ يعني المؤمنين فهؤلاء أكثر من فارس والروم وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً- 7- في أمره فحكم النصر للنبي- صلى الله عليه وسلم- وأنزل في قول عبد الله بن أبي «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي» أي محمد- صلى الله عليه وسلم- وحده إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ3يقول أقوى وأعز من أهل فارس والروم لقول عبد الله بن أبي هم أشد بأسا وأعز عزيزا [161 ا]4إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد إلى هذه الأمة شاهِداً عليها بالرسالة وَأرسلناك
مُبَشِّراً بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة وَنَذِيراً- 8- من النار لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني لتصدقوا بِاللَّه أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وَرَسُولِهِ محمدا- صلى الله عليه وسلم- وَتُعَزِّرُوهُ يعني تنصروه وتعاونوه على أمره كله وَتُوَقِّرُوهُ يعني وتعظموا النبي- صلى الله عليه وسلم- وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا- 9- يعني وتصلوا لله بالغداة والعشي، وتعزروه مثل قوله في الأعراف... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ....1 «ولما قال المسلمون للنبي- صلى الله عليه وسلم-: إنا نخشى ألا يفي المشركون بشرطهم فعند ذلك تبايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا يقول: الله رضى عنهم ببيعتهم2». إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يوم الحديبية تحت الشجرة في الحرم وهي بيعة الرضوان، كان المسلمون يومئذ ألفا وأربعمائة رجل، فبايعوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أن يقاتلوا ولا يفروا من العدو، فقال: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ بالوفاء لهم بما وعدهم من الخير فَوْقَ أَيْدِيهِمْ حين قالوا النبي- صلى الله عليه وسلم- إنا نبايعك على ألا نفر ونقاتل فاعرف لنا ذلك، فَمَنْ نَكَثَ البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ من البيعة فَسَيُؤْتِيهِ في الآخرة أَجْراً يعني جزاء عَظِيماً- 10- يعني في الجنة نصيبا وافرا سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ مخافة القتال وهم مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فى التخلف وكانت منازلهم
بين مكة والمدينة فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ «بِأَلْسِنَتِهِمْ»1يعني يتكلمون بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ من أمر الاستغفار لا يبالون استغفر لهم النبي- صلى الله عليه وسلم- أم لا قُلْ لهم يا محمد: فَمَنْ يَمْلِكُ يعني فمن يقدر لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً نظيرها في الأحزاب2إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا يعنى الهزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً يعني الفتح والنصر يعني حين يقول: فمن يملك دفع الضر عنكم، أو منع النفع غير الله بل الله يملك ذلك كله، ثم استأنف بَلْ كانَ اللَّهُ بِما «تَعْمَلُونَ»3خَبِيراً- 11- «فى تخلفكم4» وقولكم إن محمدا وأصحابه كلفوا شيئا لا يطيقونه، ولا يرجعون أبدا، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- مر بهم فاستنفرهم، فقال بعضهم لبعض: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لأهل مكة لا يرجع هو وأصحابه أبدا فأين تذهبون؟ أتقتلون أنفسكم؟ انتظروا حتى تنظروا ما يكون من أمره، فأنزل الله- عز وجل- لقولهم له قالوا: «شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا» بَلْ منعكم من السير أنكم ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ يقول أن لن يرجع الرسول وَالْمُؤْمِنُونَ من الحديبية إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً [161 ب] وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يقول فبئس ما ظنوا ظن السوء حين زين لهم في قلوبهم وأيأسهم أن محمدا وأصحابه لا يرجعون أبدا نظيرها فى الأحزاب... وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا5يعني الإياسة من النصير، فقال الله- تعالى-: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً- 12- يعني هلكى بلغة عمان، مثل قوله:... وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ6أى دار الهلاك
ومثل قوله:... تِجارَةً لَنْ تَبُورَ1يعني لن تهلك وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني بصدق بتوحيد الله وَرَسُولِهِ2محمدا- صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّا أَعْتَدْنا فى الآخرة لِلْكافِرِينَ سَعِيراً- 13- يعني وقودا، فعظم نفسه وأخبر أنه غني عن عباده، فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوب المؤمنين رَحِيماً- 14- بهم سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ عن الحديبية مخافة القتل إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعنى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ إلى خيبر، وكان الله- تعالى- وعد نبيه- صلى الله عليه وسلم- بالحديبية أن يفتح عليه خيبر، «ونهاه عن أن يسير»3معه أحد من المتخلفين فلما رجع النبي- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية يريد خيبر قال المخلفون: ذرونا نتبعكم فنصيب معكم من الغنائم.
فقال الله- تعالى-: يُرِيدُونَ أَنْ «يُبَدِّلُوا»4كَلامَ اللَّهِ يعني أن «يغيروا» كلام الله الذي أمر النبي- صلى الله عليه وسلم-، «وهو»5ألا يسير معه أحد منهم قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ يعنى هكذا قالَ اللَّهُ بالحديبية مِنْ قَبْلُ خيبر أن لا تتبغونا فَسَيَقُولُونَ6للمؤمنين إن الله لم ينهكم بَلْ تَحْسُدُونَنا بل منعكم الحسد أن نصيب معكم الغنائم، ثم قال: بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ النهى من الله إِلَّا قَلِيلًا- 15- منهم، ثم قال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ عن الحديبية مخافة القتل سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني أهل اليمامة يعني بني حنيفة: مسيلمة بن حبيب الكذاب الحنفي وقومه،
دعاهم أبو بكر- رضي الله عنه- إلى قتال أهل اليمامة يعني هؤلاء الأحياء الخمسة جهينة ومزينة وأشجع وغفار وأسلم تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا أبا بكر إذا دعاكم إلى قتالهم يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً في الآخرة يعني جزاء كريما في الجنة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يعني تعرضوا عن قتال أهل اليمامة كَما تَوَلَّيْتُمْ يعني كما أعرضتم مِنْ قَبْلُ عن قتال الكفار يوم الحديبية يُعَذِّبْكُمْ الله في الآخرة عَذاباً أَلِيماً- 16- يعني وجيعا.
حدثنا [162 أ] عبد اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، قَالَ: قال مُقَاتِلُ: خلافة أبي بكر- رضي الله عنه- فى هذه الآية مؤكدة، ثم عذر أهل الزمانة فقال: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في تخلفهم عن الحديبية، يقول من تخلف عن الحديبية من هؤلاء المعذورين فمن شاء منهم أن يسير معكم فليسر وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني يعرض عن طاعتهما في التخلف من غير عذر يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً- 17- يعني وجيعا لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بالحديبية يقول رضي ببيعتهم إياك فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقاتلوا ولا يفروا في أمر البيعة «فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ»1وَأَثابَهُمْ يعني وأعطاهم فَتْحاً قَرِيباً- 18- يعني مغانم خيبر وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً يعني منيعا حَكِيماً- 19- في أمره فحكم على أهل خيبر القتل والسبي، ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها مع النبي- صلى
الله عليه وسلم- ومن بعده إلى يوم القيامة فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني غنيمة خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعنى خلفاء أهل خيبر أسد وغطفان جاءوا لينصروا أهل خيبر، وذلك أن مالك بن عوف النضري، وعيينة بن حصن الفزاري ومن معهما من أسد وغطفان جاءوا لينصروا أهل خيبر فقذف الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا عنهم، فذلك قوله: «وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» يعني أسد وغطفان وَلِتَكُونَ يعني ولكي تكون هزيمتهم من غير قتال آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً- 20- يعني تزدادون بالإسلام تصديقا مما ترون من عدة الله في القرآن من الفتح والغنيمة كما قال نظيرها في المدثر... وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً...1يعني تصديقا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به فى خزنة جهنم، قوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني قوى فارس والروم وغيرها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ علمه بِها أن يفتحها على يدي المؤمنين وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من القرى قَدِيراً- 21- على فتحها قال: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً- 22- يعنى ولا مانعا يمنعهم من الهزيمة يقول كذلك كان «سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ [162 ب] مِنْ قَبْلُ»2كفار مكة حين هزموا ببدر فهؤلاء بمنزلتهم3وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
- 23- يعنى تحويلا، ثم قال: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يعني كفار مكة يوم الحديبية بِبَطْنِ مَكَّةَ يوم الحديبية يعني ببطن أرض مكة كلها والحرم كله مكة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وقد كانوا خرجوا يقاتلون النبي- صلى الله عليه وسلم- فهزمهم النبي- صلى الله عليه وسلم- بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً- 24- ثم قال: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن تطوفوا به وَصدوا الْهَدْيَ فى عمرتكم يوم الحديبية مَعْكُوفاً يعني محبوسا وكان النبي- صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في عمرته مائة بدنة ويقال سبعين بدنة فمنعوه أَنْ يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ يعني منحره، ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنهم مؤمنون أَنْ تَطَؤُهُمْ بالقتل بغير علم تعلمونه منهم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ «بِغَيْرِ عِلْمٍ»1يعني فينالكم من قتلهم عنت فيها تقديم، لأدخلكم من عامكم هذا مكة «لِيُدْخِلَ»2لكي يدخل اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ منهم عياش بن أبي ربيعة، وأبو جندل ابن سهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام بن المغيرة، كلهم من قريش وعبد الله بن أسد الثقفي يقول: لَوْ تَزَيَّلُوا يقول لو اعتزل «المؤمنون3» الذين بمكة من كفارهم لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ يعني كفار مكة عَذاباً أَلِيماً- 25- يعني وجيعا وهو القتل بالسيف، قوله: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك
أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قدم عام الحديبية في ذي القعدة معتمرا ومعه الهدى، فقال كفار مكة: قتل آباءنا وإخواننا ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا ونساءنا، وتقول العرب: إنه دخل على رغم آنافنا، والله لا يدخلها أبدا علينا، فتلك الحمية التي في قلوبهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ1يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- كَلِمَةَ التَّقْوى يعني كلمة الإخلاص وهي- لا إله إلا الله- وَكانُوا أَحَقَّ بِها من كفار مكة وَكانوا أَهْلَها في علم الله- عز وجل- وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً- 26- بأنهم كانوا أهل التوحيد في علم الله- عز وجل-.
قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ وذلك أن الله- عز وجل- أرى النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِك أصحابه ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوه [163 أ] في عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- حق.
فردهم الله- عز وجل- عن دخول المسجد الحرام إلى غنيمة خيبر، فقال المنافقون عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رسل، ورفاعة ابن التابوه: والله، ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام.
فأنزل الله- تعالى- «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ» لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعنى العام المقبل إِنْ شاءَ اللَّهُ يستثنى على نفسه مثل قوله: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» «2» ويكون ذلك «تأديبا للمؤمنين»3ألا يتركوا الاستثناء، فى رد المشيئة
إلى الله- تعالى- آمِنِينَ من العدو مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ من أشعاركم لا تَخافُونَ عدوكم فَعَلِمَ الله أنه يفتح عليهم خيبر قبل ذلك «فعلم» ما لَمْ تَعْلَمُوا فذلك قوله: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ يعني قبل ذلك الحلق والتقصير فَتْحاً قَرِيباً- 27- يعني غنيمة خيبر وفتحها، فلما كان في العام المقبل بعد ما رجع من خيبر أدخله الله هو وأصحابه المسجد الحرام، فأقاموا «بمكة»1ثلاثة أيام فحلقوا وقصروا تصديق رؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم-.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ «رَسُولَهُ محمدا- صلى الله عليه وسلم- بِالْهُدى من الضلالة»2وَدِينِ الْحَقِّ يعني دين الإسلام لأن كل دين باطل غير الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني على ملة أهل الأديان كلها، ففعل الله ذلك به حتى قتلوا وأقروا بالخراج، وظهر الإسلام على أهل كل دين... وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ3يعني العرب، ثم قال وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً- 28- فلا شاهد أفضل من الله- تعالى- بأن محمدا- صلى الله عليه وسلم- رسول الله، فلما كتبوا الكتاب يوم الحديبية، وكان كتبه علي بن أبي طالب- عليه السلام- فقال سهيل بن عمرو وحو يطب بن عبد العزى: لا نعرف أنك رسول الله، ولو عرفنا ذلك لقد ظلمناك إذا حين نمنعك عن دخول بيته.
فلما أنكروا أنه رسول الله، أنزل الله- تعالى- «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى» من الضلال «وَدِينِ الْحَقِّ... » إلى آخر السورة، ثم قال- تعالى- للذين أنكروا أنه رسول
الله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين أَشِدَّاءُ يعني غلظاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يقول متوادين بعضهم لبعض تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يقول إذا رأيتهم تعرف أنهم أهل ركوع وسجود في الصلوات يَبْتَغُونَ فَضْلًا يعني رزقا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني يطلبون رضى ربهم سِيماهُمْ يعني علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ الهدى والسمت الحسن مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يعني من أثر الصلاة ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يقول ذلك الذي ذكر من نعت أمة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي التوراة، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني الحلقة وهو النبت الواحد في أول ما يخرج فَآزَرَهُ يعني فأعانه أصحابه يعني «الوابلة»1التي تنبت حول الساق فآزره كما آزر «الحلقة2[163 ب] والوابلة» بعضه بعضا فأما شطأه فهو محمد- صلى الله عليه وسلم- خرج وحده كما خرج النبت وحده، وأما الوابلة التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت فهم المؤمنون كانوا في قلة كما كان أول الزرع دقيقا، ثم زاد نبت الزرع فغلظ فآزره فَاسْتَغْلَظَ كما آزر المؤمنون بعضهم بعضا حتى إذا استغلظوا واستووا على أمرهم كما استغلظ هذا الزرع فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ فكما يعجب الزراع حسن زرعه حين استوى قائما على سوقه، فكذلك يغيظ الكفار كثرة المؤمنين واجتماعهم، ثم قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال مِنْهُمْ مَغْفِرَةً لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً- 29- يعني به الجنة.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قال الْهُذَيْلُ عن محمد بن إسحاق: قال: المعرة.
الدية.
ويقال الشين.