أول من دون التفسير
أحب ان يكون واضحا ان هناك فارقا بين أول من فسر القرآن، وأول من دون التفسير، وأول مفسر.
فأول مفسر للقرآن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صحابته ثم التابعون، وأول من فسر القرآن كاملا هو مقاتل بن سليمان، ولعل بعض معاصريه فسروا القرآن كاملا بيد انه لم يصل إلينا.
فتفسير مقاتل اقدم تفسير كامل للقرآن وصل إلينا.
اما أول من دون التفسير يقصد به أول من كتب التفسير والف فيه.
يميل الدكتور احمد أمين الى ان الفراء المتوفى سنة 207 هـ كان أول من فسر القرآن آية آية، واما السابقون عليه كانوا يقتصرون على تفسير المشكل.
وقد اعتمد فى هذا الميل على ما ذكره ابن النديم13من (ان عمر بن بكير كتب الى الفراء ان الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن، فلا يحضرني فيه جواب، فان رأيت ان تجمع لي أصولا او تجعل لي فى ذلك كتابا ارجع اليه فعلت، فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى املى عليكم كتابا فى القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان فى المسجد رجل يؤذن ويقرا بالناس فى الصلاة، فالتفت اليه الفراء فقال له: اقرا بفاتحة الكتاب نفسرها، ثم نوفى الكتاب كله فقرا الرجل وفسر الفراء، فقال ابو العباس: لم يعمل احد قبله مثله، ولا احسب ان أحدا يزيد عليه» اهـ. وقد علق الدكتور احمد أمين على ذلك بقوله: (فهل نستطيع ان نفهم من هذا النص ان الفراء- المتوفى سنة 207- أول من تعرض لآية آية حسب ترتيب المصحف وفسرها على التتابع. وكان من قبله يقتصرون على تفسير المشكل، وان التفاسير السابقة عليه، كالذي روى عن ابن عباس وكتفسير السدى وغيره كانت من هذا القبيل؟ هذا هو الذي أميل اليه، وان كانت عبارة ابن النديم ليست قاطعة فى هذا).14
وفى وسعنا ان نرد على الدكتور احمد أمين، وان نبطل ما مال اليه بجملة ادلة: أولها: ان تفسير الفراء ليس تفسيرا كاملا للقرآن، بل هو تفسير لما أشكل من كلماته، ذلك ان الفراء فى معاني القرآن، وهو تفسيره، يفسر كلمة او كلمات
من آية، ثم يترك آيات لا يفسرها.
وانا لنرى مثالا لذلك فى سورة الأعراف، فقد فسر جزءا من الآية 155 ثم انتقل الى تفسير جزء من الآية 160.15 كما نجد امثلة كثيرة له فى سور اخرى. واذن فتفسير الفراء تفسير تفسير لكلمات لغوية ونحوية يقتصر على اجزاء من الآيات.. وهمته فى هذا التفسير متجهة الى النحو واللغة. وثانيها: ان الفراء- على فرض ان تفسيره تفسير كامل للقرآن- ليس هو أول من فسر القرآن كاملا، ذلك ان مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150 هـ اسبق منه بأكثر من نصف قرن، وتفسيره للقرآن تفسير كامل لجميع آياته. وثالثها: ما يقوله الأستاذ أمين الخولي من ان: «كتاب معاني القرآن للفراء شبيه فى تناوله للآي على ترتيبها فى السور بكتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة [ت 209 هـ]، فان القطعة التي بأيدينا تتناول السور على ترتيبها، وتعرض لما فى السورة من اى تحتاج لبيان مجازها، اى المراد بها. فليس للفراء اولية شخصية فى هذا، بل كانت تلك على ما يبدو خطة العصر، ولعله لو وقع إلينا شيء مما قبل ذلك العهد، لرجح ان هذا التناول لتفسير القرآن وآية اقدم عهدا من صنيع الفراء وابى عبيدة بغير قليل».16
وانا أقول للمرحوم الأستاذ الشيخ أمين الخولي: لقد تحقق رجاؤك، ووقع فى يدنا تفسير سابق لعهد الفراء بأكثر من نصف قرن، وهو تفسير كامل لجميع آيات القرآن، الا وهو تفسير مقاتل بن سليمان. ورابعها: ما مر بنا من ان مجاهدا [ت 101 هـ] كان يسال ابن عباس عن التفسير ومعه ألواحه، وكان يكتب ما يقول له، حتى سال عن التفسير كله.17
ولهذا قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة.18
وخامسها: ما هو معروف من ان عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 هـ، سال سعيد بن جبير ان يكتب اليه بتفسير القرآن، فكتب اليه سعيد بالتفسير الذي طلبه منه.
وقد عثر عطاء بن دينار على هذا التفسير، فأخذه من الكتاب، وليس له سماع من سعيد!.
كما جاء فى تهذيب التهذيب عند ترجمة عطاء بن دينار: «قال على بن الحسن الهسنجاني عن احمد بن صالح: عطاء بن دينار من ثقات المصريين، وتفسيره فيما يروى
عن سعيد بن جبير صحيفة، وليس له دلالة على انه سمع من سعيد بن جبير.
وقال ابو حاتم: صالح الحديث الا ان التفسير اخذه من الديوان، وكان عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 هـ سال سعيد بن جبير ان يكتب اليه بتفسير القرآن فكتب سعيد بهذا التفسير، فوجده عطاء بن دينار فى الديوان، فأخذه، فأرسله عن سعيد ابن جبير».
وسادسها: ما جاء فى وفيات الأعيان من: (ان عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة [ت 143 هـ] كتب تفسيرا للقرآن عن الحسن البصري) ت 116 هـ.19 وسابعها: ما قاله السيوطي من ان (لابن جريج- ت 150 هـ- ثلاثة اجزاء كبار فى التفسير).20
وما نقل عن عكرمة مولى ابن عباس: من قوله: (لقد فسرت ما بين اللوحين).21
بعد ما تقدم يمكننا الذهاب الى ان الفراء ليس أول من فسر القرآن آية آية.
يبقى بعد ذلك هذا السؤال: من أول من فسر القرآن آية آية؟.
اننى أميل الى ان تدوين التفسير كان سابقا على مقاتل، فسعيد بن جبير كتب تفسير القرآن الى عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 هـ. وأرجح ان التفاسير السابقة على تفسير مقاتل لم تكن شاملة لجميع القرآن، بل كانت قاصرة على المأثور وعلى شرح ما صعب من آيات القرآن.
وهذا ينطبق على تفسير سعيد بن جبير [94 هـ] وعلى تفسير مجاهد [103 هـ]. اما تفسير عمرو بن عبيد عن الحسن: فأرجح انه كان تفسيرا لآيات معينة حول القدر وغيره من المسائل العقدية التي كانت تموج بها البصرة فى ذلك الوقت إذ كانت البصرة أهم مركز للفرق وعلم الكلام.
قال حماد بن سلمة عن حميد: قرأت القرآن على الحسن (البصري) ففسره على الإثبات يعنى- اثبات القدر- وكان يقول من كذب بالقدر فقد كفر.22
فهمة الحسن البصري فى تفسيره كانت متجهة الى الرد على اصحاب البدع واهل الأهواء، من الفرق والنحل المختلفة.23
اما تفسير عكرمة المتوفى سنة 104 هـ عن ابن عباس، فهو تفسير بالمأثور فقط، مقصور على المشكل من الآيات.
اما تفسير ابن جريج24المتوفى سنة 150 هـ، فالظاهر انه لم يكن تفسيرا كاملا. بل [ثلاثة اجزاء كبار فى التفسير عن ابن عباس منها الصحيح ومنها ما ليس بصحيح وذلك لأنه لم يقصد الصحة فيما جمع بل روى ما ذكر فى كل آية من الصحيح والسقيم].25
وقد ذكروا ان ابن جريج أول من صنف الكتب بالحجاز، وعدوه من طبقة مالك ابن انس وغيره ممن جمعوا الحديث ودونوه. قال عبد الله بن احمد بن حنبل: قلت لأبي: من أول من صنف الكتب؟ قال: ابن جريج وابن ابى عروبة. وقال ابن عيينة: سمعت أخي عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج يقول: ما دون العلم تدوينى احد. وقد عرف عن ابن جريج انه كان رحالة فى طلب العلم فقد ولد بمكة ثم طوف فى كثير من البلاد فرحل الى البصرة واليمن وبغداد.26
## أيهما اسبق مقاتل او ابن جريح؟ أيهما اسبق فى تدوين التفسير: مقاتل او ابن جريج؟: ولد عبد الملك بن جريج سنة 80 هـ ومات سنة 150 هـ. وقيل مات سنة 159 هـ، وقيل غير ذلك.
وولد مقاتل حوالى سنة 80 هـ، ومات سنة 150، وقيل مات بعد ذلك.
ويظهر من هذا ان مقاتلا وابن جريج كانا متعاصرين، لكن نشاة ابن جريج كانت بالحجاز، ونشاة مقاتل كانت بخراسان. ولذلك قيل عن ابن جريج انه أول من صنف الكتب بالحجاز. وإذا عرفنا ان ابن جريج لم يطلب العلم الا فى الكهولة، وان مقاتلا قد دون تفسيره بمرو وهو فى شرخ الشباب او قوة الرجولة- ظهر لنا ان مقاتلا كان اسبق فى تدوين تفسيره من ابن جريج. قال ابن خلدون فى العبر: (ان ابن جريج لم يطلب العلم الا فى الكهولة؟ ولو سمع فى عنفوان شبابه لحمل عن غير واحد من الصحابة، فانه قال كنت اتتبع الاشعار العربية والأنساب، فقيل لي لو لزمت عطاء؟ فلزمته ثمانية عشر عاما).27
والظاهر ان تأليف الكتب لم يكن متداولا بين العرب، نظرا لأنهم امة امية تعتمد على الحفظ والرواية والسماع.28
وقد حث النبي على تعلم القراءة والكتابة، وكان فداء بعض اسرى بدر تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
وكان هناك كتاب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان العلماء اليوم يفرقون بين المؤرخ والاخبارى، فيذكرون ان لقب الاخبارى الصق بالواقدى، لأنه جمع الاخبار بدون تمحيص لها او دراسة لفلسفة التاريخ، اما المؤرخ بحق فهو الذي يروى الاخبار بعد تمحيصها ووزنها بميزان التحقيق والنقد- فنحن نرى ان هناك كتبا تم تدوينها فى التفسير بمعنى جمعها وكتابتها رواية، كتفسير سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر المكي.
ولعل ابن جريج لكونه كان روميا نصرانيا قبل إسلامه كان ابرع فى ناحية الجمع والتنظيم والتأليف29، فنسب اليه انه أول من صنف الكتب، لكنه- وان عاصر مقاتلا- كان أول تدوينه للتفسير فى كهولته، اى بعد ان دون مقاتل تفسيره.
هذا وتفسير ابن جريح انما كان جمعا ورواية عن ابن عباس، اما تفسير مقاتل فهو ماثل بين أيدينا كمؤلف كامل، يظهر فيه اثر العقل المشرق، والإبداع والتأليف الفنى، والتبحر فى ادراك اهداف القرآن ومقاصده، والجمع بين آيات كل موضوع، والتوفيق بين كل آيتين ظاهرهما التناقض.
ان مقاتلا لم يجمع تفسير السابقين وآراءهم، وانما درسها ومحصها واختار أولاها بالصواب فى رأيه، ثم عرض تفسيره فى إيجاز وبساطة ووضوح.
ولعل هذا
هو الذي جعل الامام الشافعي يقول: (من أراد ان يتبحر فى التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان). وأريد فى هذا المقام ان افرق بين رجل دون التفسير ونقله عن السابقين، ورجل فسر القرآن وأبدع التأليف فى التفسير. وفى رأيي ان كل من سبق مقاتلا كانوا رواة للتفسير، وان من دونه منهم كان يغلب على تدوينه النقل والأثر. اما تفسير مقاتل فهو أول تفسير كامل لكل آيات القرآن، كما انه أول تفسير فنى يشرح كل آية ويوضحها، ويبدو ان مقاتلا كان من أوائل من كتبوا فى علوم القرآن ايضا، فله كتاب (الوجوه والنظائر فى القرآن).30
وقد نقل الزركشي فى البرهان، والسيوطي فى الإتقان، كثيرا من هذا الكتاب او ممن نقل منه، واستفاد به اكثر المؤلفين فى علوم القرآن بعد مقاتل، ويظهر ذلك بمقارنة ما كتبه مقاتل فى الوجوه والنظائر بما كتبه من جاء بعده، فمن ذلك كليات مقاتل التي أوردها الملطي فى كتابه (التنبيه، والرد على اهل الأهواء).31
## فيقول مقاتل: كل شيء فى القرآن: (بخس) يعنى نقصا، غير واحد فى يوسف (وشروه بثمن بخس) يوسف/ 20 يعنى حراما.
وكل شيء فى القرآن: (بعل) يعنى الزوج.
غير واحد فى الصافات (أتدعون بعلا) الصافات/ 125 يعنى ربا.
وقوله (ريب) يعنى شكا فى القرآن كله الا الذي فى الطور (ريب المنون) الطور/ 30 يعنى حوادث الموت.
ونقل الزركشي فى البرهان: 1/ 105. (ان ابن فارس قال فى كتاب «الافراد» :
والبخس فى القرآن النقص، مثل: فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً.32
الا حرفا واحدا فى سورة يوسف: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ33فان اهل التفسير قالوا، بخس: حرام.
وما فى القرآن من ذكر البعل فهو الزوج كقوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ34الا حرفا واحدا فى الصافات أَتَدْعُونَ بَعْلًا35، فانه أراد صنما.
وكل شيء فى القرآن من (ريب) فهو شك غير حرف واحد.
وهو قوله تعالى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ36فانه يعنى حوادث الدهر.37
وفى البرهان ايضا: 1/ 110: «انتهى ما ذكره ابن فارس».
«وزاد غيره: كل شيء فى القرآن: (لعلكم) فهو بمعنى «لكي» غير واحد فى الشعراء لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ38فانه للتشبيه اى كأنكم.
وكل شيء فى القرآن (أقسطوا) فهو بمعنى العدل الا واحدا فى الجن: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً39يعنى العادلين الذين يعدلون به غيره.
هذا باعتبار صورة اللفظ، والا فمادة الرباعي تخالف مادة الثلاثي.
وكل (كسف) فى القرآن يعنى جانبا من السماء غير واحد فى سورة الروم وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً40«يجعل» السحاب قطعا.
وكل (ماء معين) فالمراد به الماء الجاري، غير الذي فى سورة تبارك41فان المراد به الماء الطاهر42الذي تناله الدلاء وهي زمزم.
ويكاد هذا الذي زاده غير ابن فارس يكون منقولا بالحرف عما ذكره مقاتل ابن سليمان، مع بعض التحريف فى البرهان.
فمقاتل يقول: «وكل شيء فى القرآن: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ سورة الحجرات/ 9.
يعنى واعدلوا ان الله يحب المعدلين.
يقول الذين يعدلون فى القول والفعل.
غير واحد فى قل اوحى أَمَّا الْقاسِطُونَ يعنى العادلين الذين يعدلون بالله سبحانه وغيره كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً سورة الجن/ 1543». وكل شيء فى القرآن (لعلكم) يعنى لكي. الا الذي فى الشعراء لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ/ 129، يعنى كأنكم تخلدون.44
وكل شيء فى القرآن (كسفا) يعنى جانبا من السماء غير واحد فى الروم وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً45يعنى يجعل السحاب قطعا.46
وكل شيء فى القرآن: (ماء معين) يعنى جاريا غير الذي فى تبارك: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ يعنى ماء طاهرا تناله الدلاء.47
وهكذا نجد ان الزركشي قد استفاد من كل ما ذكره مقاتل فى الوجوه والنظائر. وفى كثير من أبواب البرهان يتضح تأثره بما ذكره مقاتل. خصوصا فى الأسباب الموهمة للاختلاف، كما فى مسألة خلق الإنسان من تراب، ومن صلصال، ومن ماء مهين.48
وقد تاثر الزركشي فى البرهان بما ذكره مقاتل فى خلق آدم49، وفى التوفيق بين الآيات الموهمة للاختلاف50عموما، ولعله لم يتأثر بمقاتل مباشرة، وانما تاثر بمن نقلوا عنه، فهو يقول فى البرهان: (النوع الرابع فى الوجوه والنظائر، وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان وجمع فيه من المتأخرين ابن الزاغونى.51
وابو الفرج بن الجوزي52، والدامغاني53الواعظ، وابو الحسين بن فارس54وسمى كتابه (الافراد).55
وأخيرا يمكننا ان نسجل هذا الرأي وهو: 1- كان مقاتل أول من فسر القرآن تفسيرا عقليا كاملا.
2- كان مقاتل من أوائل من كتبوا فى علوم القرآن كتابة جامعة.