وقد اختلف المفسرون فى تفسير معنى اليد المذكورة فى القرآن الكريم:
وأجمل ذلك الطبري فى تفسيره فنقل عن السدى انها اليد الحقيقة31، وعن بعضهم ان المراد بيديه نعمتاه، وان ذلك بمعنى يد الله على خلقه، وذلك نعمته عليهم، وقال: ان العرب تقول: لك عندي يد يعنون بذلك نعمة. وقال آخرون منهم عنى بذلك القوة، وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي (ص/ 45). وقال آخرون منهم بل يده ملكه، وقال معنى قوله وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (المائدة/ 64) ملكه، وخزائنه. وقالوا ذلك كقول العرب للملوك، هو ملك يمينه، وفلان بيده عقد نكاح فلانة، اى يملك ذلك. وكقول الله تعالى: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (المجادلة/ 12). وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته هي يد، غير انها ليست بجارحة كجوارح بنى آدم. قالوا: وذلك ان الله- تعالى ذكره- اخبر عن خصوصية آدم بما خصه إياه من خلقه (بيده)، إذ جميع خلقه مخلوقون بقدرته، ومشيئته فى خلقه نعمة، وهو لجميعهم مالك.32
## ويمكن ان نوجز آراء المفسرين فى اليد فى ثلاثة مذاهب: 1- انها يد حقيقية.
2- انها من المتشابه الذي نؤمن به كما ورد، ونفوض المراد منه الى الله تعالى.
وتلك طريقة السلف.
3- ان اليد مجاز عن القوة او عن الجود.
اما المذهب الاول فهو ممنوع عقلا وشرعا، لما يفضى اليه من التجسيم والتشبيه.
والإله منزه عن ذلك.
بقي المذهبان الثاني والثالث، وهما يتفقان على تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، وعلى ان المراد باليد غير اليد الجارحة، اى انهما اتفقا على اصل التأويل.
وانحصر الخلاف بينهما فى ان الخلف حددوا المعنى المراد بانه القوة او الجود اما السلف ففوضوا الى الله.
وقد كان تفسير مقاتل لليد قريبا من راى الخلف، فقد أول اليد بمعنى القدرة والقوة فى آية الفتح/ 9، وآية آل عمران/ 73، وآية ص/ 75، وأولها بمعنى النعمة فى آية المائدة/ 64. غير ان مقاتلا لم يصرح بهذا التأويل هنا كما صرح به فى الوجه والعين، فصار تفسيره لليد موافقا لراى السلف. ويمكن ان نستنتج منه موافقته لراى الخلف، وبخاصة ان الفرق بين الاثنين ليس شاسعا كما ذكره الامام النووي رضى الله عنه.33
## (ج) فى نسبة (العين او الأعين) لله تعالى: (ا) قال تعالى فى سورة (هود/ 37) : «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا». قال مقاتل: (بِأَعْيُنِنَا) يعني بعلمنا (وَوَحْيِنَا) كما نأمرك، فعملها نوح فى اربعمائة سنة، وكانت السفينة من ساج.34
(ب) وقال تعالى فى سورة (القمر/ 13- 14) : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ. قال مقاتل: تجري السفينة في الماء بعين الله تعالى.35
(ج) وقال تعالى خطابا لموسى عليه السلام فى سورة (طه/ 39) : «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي». قال مقاتل (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) حين قذف فى التابوت في البحر، وحين التقط، وحين غذي، فكل ذلك بعين الله.36
(د) وقال تعالى خطابا لمحمد عليه الصلاة والسلام فى سورة (الطور/ 48) : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا. قال مقاتل: يقول انك بعين الله تعالى.37
ونرى ان مقاتلا فسر العين فى سورة هود/ 37، بالعلم حيث قال (بأعيننا) : بعلمنا.
وفسر العين فى الآيات الثلاثة (القمر/ 14، وطه/ 39، والطور/ 48) بأنها عين الله تعالى.
اى ان مقاتلا استعمل طريقة التأويل (وهي طريقة الخلف) فى آية هود/ 37. وفى الآيات الثلاث استعمل طريقة السلف (اى انها من المتشابه الذي نؤمن به كما ورد، ونفوض المراد منه الى الله تعالى). ومذهب السلف ومذهب الخلف لا غبار عليهما، فالسلف عظموا الله، والخلف نزهوا الله. وقد اختلف المفسرون فى معنى العين الواردة فى القرآن الكريم مضافة الى الله تعالى. - فابن جريج يفسر: «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» بمعنى ولتعمل على عيني.38
وابو عبيدة يجعله مجازا فيفسرها: «ولتغذى ولتربى على ما أريد وأحب، يقال: اتخذه لي على عيني، اى على ما أردت وهويت».39
وابن قتيبة يفسرها: «ولتربى بمرأى منى، على محبتى فيك».40
اما الطبري فيفسر كلمة العين فى أماكن كثيرة من تفسيره بدون ذكر لرجال السند «بمرأى منا اى ونحفظك، ونحيط بك».41
ولفظ العين مما اتفق لفظه واختلف معناه فى القرآن الكريم بحسب الاستعمال والتركيب.42
فالعين من المشترك اللفظي، اى ان لها عدة معان فى اللغة فقد تأتي بمعنى سحابة تجيء من قبل القبلة.
كما يسمى منبع الماء عين الماء، وبمعنى التجسس، والحسد، والرقيب كقول ذؤيب: ولو انى استودعته الشمس لاتقت... اليه المنايا عينها ورسولها وقال جميل: رمى الله فى عيني بثينة بالقذى... وفى الغر من أنيابها بالقوادح
وتأتي العين ايضا بمعنى حقيقة الشيء، يقال جاء الأمر من عين صافية.43
ولابن فارس احمد بن زكريا اللغوي (ت 369 هـ/ 979 م) قصيدة، قافية كل بيت منها عين فى معنى من معاني العين.44
وهكذا يلاحظ ان المفسرين واللغويين اختلفوا فى تفسير معنى العين، وذلك لان هذه الكلمة تستعمل فى معان عدة.